عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
الختــان..كابـــوس البنــات المرعــب
11 يونيو 2020
000;


ذكريات القهر والألم



 



هى لحظة لا يمكن نسيانها وتجربة لا يمكن تجاوزها ويبقى السؤال يتكرر عبر السنين لماذا فعلوا بى ذلك؟



هل يمكن أن تنسى طفلة اللحظة التى استأصلوا جزءا منها واستباحوا جسدها، ورغم ذلك نجد من تكرر نفس الجريمة البشعة مع ابنتها الصغيرة. هل نسيت حقا؟



 



ما أن بدأت «حسناء» البالغة من العمر 30 عاما تتذكر تلك اللحظات حتى لاختنق صوتها وترقرقت دموعها وبصعوبة قالت: لا يمكننى أن اتذكر هذه التجربة المروعة دون ان أشعر بالخوف والرعب ويقشعر جسمى بكامله فقد كنت صغيرة لم أكمل سبع سنوات وكنت ألعب مع قريناتى عندما نادتنى أمى وطلبت منى ان أستحم وارتدى ملابسى لأننا ذاهبون لزيارة جدتى فى قرية مجاورة من قريتنا، ومن هناك اصطحبتنى وأختى التى تكبرنى بأربع سنوات لنزور جدة أخرى أسمها «شريفة» وفى ذلك البيت دخلت أختى قبلى وسمعت صوتها تصرخ ولم أعرف ماذا يحدث لها ولماذا تصرخ فلم تخبرنى أمى بشيء ولم اسمع عن الختان من قبل. بعدها أدخلتنى أمى إلى ما يشبه «العشة» الملحقة بالبيت فوجدت امرأة مرعبة لا أنسى ملامحها تجلس على الأرض وتمسك موسى حلاقة وأمامها «راكية نار» وأختى مطروحة أرضا تبكى والدماء تغرق ملابسها وطلبت منى أمى أن أخلع ملابسى وعندما رفضت واندهشت لأن أمى تطلب منى ذلك امام الناس فعلت ذلك بالقوة وأمسكت بى امراتان من قدمى ورجلى وعندما انتهت كنت اصرخ من شدة الالم والرعب وفجأة تحول جسدى إلى كتلة من النار عندما ألقت الجدة المرعبة بعضا من رماد النار أمامها على جرحى وكانت هذه طريقتها فى التعقيم..



معاناة حسناء الحقيقية لم تنتنه عند هذا الحد بل أنها بدأت للتو وتقول: عادت بى أمى أنا وأختى إلى منزل جدتنا سيرا على الاقدام وملابسنا تغرقها الدماء وبكاؤنا لا يتوقف وفى منتصف الطريق مادت الارض بى وفقدت الوعى وعندما أفقت وجدت عددا كبير من النساء حولى وحملونى إلى منزل جدتى وبعد عدة ساعات ساءت حالتى أكثر واستمر النزيف وفقدت الوعى مرة اخرى وذهبوا بى إلى الوحدة الصحية ولما رآنى الطبيب ثار فى وجه أبى لاننى كنت صغيرة جدا كما قال وأعطانى بعض المحاليل وعدت الى منزلنا وفى اليوم التالى أحسست ببعض التحسن ولم تكن أمى فى المنزل وجاءت صديقاتى فخرجت للعب معهن كما اعتدت دون علم امى وبعد قليل ومع ارتفاع درجات الحرارة فقدت الوعى مرة ثالثة وانفجرت الدماء من جسدى وفر الاطفال هاربين من حولى وأفقت على صوت الطبيب يصرخ فى اهلى مرة أخرى، وبقيت بين الحياة والموت عشرة ايام وأنا لا افهم لماذا فعلت بى أمى هذا وهل أرادت قتلي؟



تعافى جسم شيماء بعد فترة لكن روحها لم تتعاف وما زالت تئن وتشعر بالبرودة تسرى فى جسدها وبالخوف يملؤها كلما تذكرت الأمر أو سمعت به. أنه أصعب شئ مر بى فى حياتى وتجربة لا اتمنى أن يخوضها أحد وارجو معاقبة كل من يفكر فى تعريض طفلة بريئة لمثلها بأقسى عقوبة ممكنة.



أما «فاطمة» التى قاربت الخمسين وهى أم لثلاثة بنات قاومت بشدة محاولات حماتها لختانهن بسبب التجربة التى تعرضت لها فتقول: أنا لا اتذكر الألم أو الجرح ولكنى أتذكر أحساسى بالكسوف والحرج وكم كنت اتمنى لو انشقت الارض وإبتلعتنى فى تلك اللحظة فقد كنت فى العاشرة عندما أرسلتنى امى مع ابنة خالى التى تكبرنى بثلاثة أعوام فقط لسيدة عجوز تقيم فى منزل بعيد عنا وهناك وجدت نفسى وسط نساء غريبات هن زوجات ابنائها ووجدتهن يجردننى من ثيابى وينظرن إلى جسدى ويتضاحكن ثم يقيدن حركتى. وتقول لم اصرخ من شدة إحساسى بالحرج والقهر وخوفى من أمى لو هربت وعدت دون أن تتم المرأة مهمتها وفى رحلة العودة سيرا على الاقدام والألم يكاد يمزقنى حدث ما هو أسوأ بالنسبة لى فقد تعبت وأحسست بدوخة وكان ذلك امام منزل إحدى السيدات التى أدخلتنى بيتها وهناك عرفت انها والدة أحد زملاء فصلى الذكور ووجدته هناك وهو ما كان بالنسبة لى قمة الانكسار والذل فرحت ابكى فى حرقة وتركت منزلها شبه هاربة رغم محاولتها منعى فلم اكن أملك إلا العودة لبيتنا فلا يرانى أحد وحتى اليوم لا استطيع ان أرفع عينى فى هذا الشخص وهو اليوم مدرس بناتى أو اتحدث إليه دون أن يعود لى نفس الاحساس ورغم مرور أكثر من اربعين عاما فإننى إلى يومنا هذا كلما وجدت نفسى أمام بيت المرأة المرعبة رغم وفاتها أحسست بنفس الخوف والقهر والانكسار والجرح الذى لا يندمل ابدا. وتضيف ما زال فى قريتنا من يفعلن هذا ببناتهن بالتواطؤ مع ممرضات الوحدة الصحية وعندما تحدثت إلى احداهن قالت لي: لو كان أمرا خاطئا لما فعلته الطبيبات والممرضات ولذلك فهى ترى ان خطأ الطبيب أفظع من خطأ الأهل أنفسهم فلو رفض الأطباء لما وجد الاهل من يختن بناتهن فلم تعد هناك سيدات أو دايات يقمن بهذا العمل واختفت هذه المهنة.



«زينب» اقتربت من الستين لكنها تتذكر ذلك اليوم بتفاصيله ولا يغادر ذاكرتها فقد كانت تسمع عن الختان وتروى لها الصغيرات الأكبر منها قصصا مرعبة عنه ومنهن ابنة خالتها التى تعرضت لنزيف حاد إلى أن جاء ذلك اليوم وألبستها والدتها ملابس بيضاء هى وشقيقتيها وجاء الطبيب إلى منزلها وأجرى الجراحة بمخدر كلى لشقيقتها الكبرى ولما رأت ما حدث هربت إلى بيت الجيران لكنهم أعادوها بالقوة وسط الصراخ والتهديد واجريت الجراحة على يد طبيب الحى الشعبى ولما أفاقت وجدتهم قد ربطوا فى يدها «صرة» صغيرة بيضاء وممنوع عليها ان تنزعها قبل أسبوع كى لا تصاب بمضاعفات وكان بها الجزء المقطوع من جسدها.



المأساة الحقيقية كانت «طشت» الماء بالملح الذى تجلسها فيه والدتها يوميا ليساعد على التئام الجرح وزيارات الجارات وتلميحاتهن الجارحة.



مريم وجه آخر لاستهتار الأهل واستهانتهم بمشاعر الصغيرات فقد اصطحبها عمها مع ابنتيه وجارة لهن وذهب بهن إلى الطبيبة فى القرية الكبيرة المجاورة لبلدتها وعندما لم يجدها ترك الصغيرات الأربعة امام العيادة حتى تأتى الطبيبة وذهب ليقضى أحد مشاويره وأعطى لكل منهن خمسة جنيهات هى أجرة الطبيبة (أواخر الثمانينيات)التى جاءت فى غيابه وطلبت منهن الذهاب إلى الصيدلية القريبة لشراء «بنج موضعى» (سبراي) وتتذكر ذلك اليوم قائلة: أدخلتنى الطبيبة الغرفة فرحت أصرخ وأشد ملابسها وطرحتها فخرجت غاضبة وتركتنى للنهاية ففكرت فى الهروب لكنها أغلقت الباب من الداخل وعندما حان دورى استعانت بسيدة من الجيران وزوجها ليخلعوا عنى ثيابى ويمسكوا بى فى أثناء الجراحة وكان الرجل قويا شل حركتى تماما ولم أستطع المقاومة فانهرت فى البكاء والعويل والطبيبة تنظر لى شذرا. بعدها رحت انتظر فى صالة العيادة عودة عمى الذى لم يكلف نفسه عناء الانتظار معنا كأنه أمر لا يستحق وإلى اليوم لا تجد أجابات لتساؤلاتها وكيف تركتها والدتها تخوض التجربة وحدها وكيف قبلت الطبيبة إجراء الجراحة لطفلات ليس معهن ولى أمر وكيف تم كل هذا بمنتهى السلاسة كأنه شئ عادى لا يهم أحدا.



وتقول فى ذلك الوقت كانت أمى تظن كما يظن غيرها إن الختان قدر محتوم على البنت ولا مفر منه وما عليها إلا الاستسلام والبكاء لكن ما عذر الأمهات اليوم وهن يعلمن ان بإمكانهن تجنيب بناتهن هذا المصير المؤلم. كان من المستحيل إن اسمح بتكراره مع بناتى ولم يخطر الأمر على بالى من الأساس.