عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
صمت العلوم الاجتماعية تجاه وباء «كورونا»
6 يونيو 2020
د. سامح فوزى


  فى مقال سابق بعنوان: موقع العلوم الاجتماعية من وباء كورونا, نشر فى الاهرام فى 15 فبراير الماضى، لفت الانتباه إلى أن دوائر العلوم الاجتماعية غربا وشرقا بدأت تهتم بدراسة تداعيات فيروس كورونا المستجد الذى كان فى بداية تفشيه آنذاك. وبعد بضعة أشهر بات واضحا أن الموضوع استحوذ على اهتمام الباحثين بمختلف تخصصاتهم، وبدا أن لكل جماعة بحثية هما خاصا: أهل السياسة، والاقتصاد، والإدارة، وعلم النفس، وبالتأكيد علم الاجتماع الذى يغوص فى بنية المجتمعات، ويحلل التغيرات التى تموج بها. هذا حال الباحثين فى الغرب، وأيضا البعض فى آسيا وإفريقيا، أما نحن فيبدو أن الموضوع لم يحظ باهتمام الباحثين لدينا إلا فى أضيق الحدود، ولم يخرج عن نطاق النظرة الطبية للوباء، وانتشاره، والاحتراز منه.



منذ أيام كتب الدكتور سعيد المصرى استاذ علم الاجتماع، وأمين عام المجلس الأعلى للثقافة السابق تدوينة مطولة فى صورة مقال على صفحته على موقع «فيسبوك»، تحدث فيها عن صمت العلماء تجاه ما يحدث من تداعيات جائحة كورونا، وهى ملاحظة فى محلها، خاصة أن الباحثين فى العلوم الاجتماعية، لم يصدر عنهم إلى الآن جهد علمى جاد فى تفسير وتحليل ورصد تداعيات وباء كورونا، والتنبؤ بنتائجه على المديين المتوسط والبعيد على المجتمع أسوة بما يفعله اقرانهم فى دول عديدة، إلى الحد الذى تعجز فيه عن متابعة كل ما ينشر فى هذا الخصوص. يحدث هذا إزاء واقع دولى جديد يتشكل، لا يبدو الباحثون لدينا مساهمين فى التفكير فيه، رغم أن وباء كوفيد-19 يقدم مناسبة كونية استثنائية ينشغل بها العالم بأسره، لا تشمل دولة أو حتى قارة دون أخرى، ولا تستأثر بها ثقافة دون غيرها. وأظن أن الباحثين لدينا بحاجة إلى المشاركة -بالفكر والبحث- فى أحداث كونية بعد أن غلب على المجتمع نزوع شديد نحو الانشغال بالقضايا المحلية منذ 25 يناير 2011 حتى الآن. أيضا يقدم تفاعل العالم مع جهود مواجهة هذا الوباء مادة خصبة للباحثين فى العلوم الاجتماعية لوضع اجندة بحثية جديدة، كل فى مجال تخصصه.



فى علم الاجتماع نحن بحاجة إلى دراسات ميدانية، وحالات دراسية تتعلق بالتغير فى القيم نتيجة انتشار الفيروس، كيف تفاعلت المؤسسات الاجتماعية مع الوباء، هل الوعى الاجتماعى على المستوى المطلوب؟ ما سلوكيات الأسرة فى أثناء البقاء فى البيت؟ هل هناك تغير فى أسلوب الحياة واهتماماتها، ولاسيما أن هناك اعتمادا على الانترنت فى التواصل، وشراء الاحتياجات، والتسلية أكثر من ذى قبل.



فى مجال علم النفس ما التحولات التى طرأت على الشخصية المصرية؟ ما مشاعر وسلوكيات واتجاهات الناس للتفاعل مع وباء لم يضرب مثيل له المجتمع منذ سنوات؟



وفى العلوم السياسية تتداعى الأسئلة المستمدة من السياسات المقارنة عن فعالية الحكومات، صلاحية السياسات العامة المتبعة، تأثير الوباء على التشريعات، أداء أجهزة البيروقراطية، وغيرها.



وقد ينشغل الباحث فى قضايا التعليم والتكنولوجيا بالانتقال إلى التعليم عن بٌعد أو ما يطلق عليه أون لاين، جاهزية المجتمع، والبنية التكنولوجية، واستعداد الدارس، وقدرات المعلم، وامكانات الأسرة، وما يرتبط بإغلاق المكتبات -ولو مؤقتا- بإتاحة مصادر المعرفة على الانترنت، وشروط الاستخدام العادل فى ضوء حقوق الملكية الفكرية، ومحدودية جهود الرقمنة فى المجتمع رغم كثافة الحديث عنها. وقد لا يكون غريبا أن ندعو المشتغلين بالشأن الدينى إلى التفكير فى مستقبل الممارسات الدينية فى ظل الأوبئة، ولاسيما أنها لا تقتصر فقط على الشعائر الدينية بل إن هناك جانبا منها يتصل بممارسات ثقافية موروثة تشهد كثافات بشرية فى الموالد، وزيارات الأضرحة والمزارات، وغيرها.



هذه مجرد أسئلة تحتاج إلى جهود باحثين للاجابة عنها لإثراء العلوم الاجتماعية. وبالمناسبة فان الدوائر العلمية فى الدول المتقدمة تنشغل بهذه الاسئلة، وغيرها، أما نحن فمازلنا بعيدين عنها، ويغلب على الدراسات لدينا الأسئلة المعتادة، ويتمخض عنها أيضا نتائج معتادة. وقد لا يكون جديدا أن نؤكد أن هذه النوعية من الدراسات تعانى فجوة معرفية ليست فقط فى مصر، ولكن فى المنطقة العربية بأسرها وإن كانت بدرجات متفاوتة بالطبع. الباحثون لدينا، للأسف، عدا القليل منهم، ينتظرون الانتاج البحثى فى الدوائر الغربية، ثم ينقلون ويترجمون ما ينتجه الآخرون دون أن يكون من بينهم أصحاب نظريات، أواسهامات فكرية ينقلها عنهم الغير. هذه معضلة ممتدة، ويبدو أن أفق الخروج منها ليس رحبا، وكنت أظن أن جائحة كورونا تقدم فرصة جديدة يشتبك فيها الباحثون لدينا مع ظواهر اجتماعية جديدة، حية، مؤثرة، تشكل مادة خصبة لتجديد البحث الاكاديمى، والخروج من القوالب المعتادة التى تخلو من الابتكار.