عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
نظرة إلى الخطر
28 مايو 2020
د. أحمد يوسف أحمد


   اقتبست عنوان هذه المقالة من عنوان كتاب أصدرته دار المعارف في1968 للأستاذ حاتم صادق بعنوان »نظرة على الخطر: دراسة عن الإستراتيجية السياسية لإسرائيل«. في ذلك الوقت كان الخطر على الأمن العربي يكاد أن يكون محصوراً في إسرائيل ومن خلفها، وكانت القوى الإقليمية التي تتنمر الآن بالعرب بلا مشروعات للهيمنة، فقد كانت تركيا الأطلنطية وإيران الشاهنشاهية مجرد أظافر في اليد الأمريكية، وتمكن عبد الناصر من استيعاب إثيوبيا هيلاسلاسي سواء بحضور مصر الطاغي في إفريقيا قائدة لمعركة تحريرها وداعمة لجهود تنميتها أو لاستثناء عبد الناصر لإثيوبيا من نهجه الثوري مراعاة لمصالح مصر المائية، أما الآن فلكل من هذه القوى مشروعه الذي يهدد الأمن العربي بدرجات متفاوتة، وبالنسبة لمصر فقد حيدت الخطر الإسرائيلي أولاً بأدائها العسكري في أكتوبر1973 وثانياً بإثبات رغبتها الحقيقية في السلام بمعاهدة1979 وثالثاً بالحفاظ على قدرتها على الردع وزيادتها حتى تبوأ الجيش المصري المرتبة الثامنة على العالم، ولو نظرنا إلى مصادر التهديد الأخرى لوجدنا الخطر الإيراني غير مباشر بحكم تهديد أمن الخليج العربي الذي هو خط أحمر بالنسبة للأمن المصري والحضور الإيراني في المشرق العربي بأشكاله المختلفة، أما المخاطر المباشرة والحالة فتنبع من التهديد الإثيوبي لموارد مصر المائية والسياسات التركية الحالية التي تمثل تهديداً غير مباشر بحكم الوجود التركي في قطر والصومال ولكنها لم تترك مجالاً لشك في تهديدها المباشر للأمن المصري باحتضانها جماعة الإرهاب التي لفظها الشعب المصري ودعْم خططها للنيل من مصر تحت راية »الخلافة العثمانية«، ومحاولة تطويق مصر كما بدا في منحها امتيازات في جزيرة »سواكن« من قِبَل البشير ودعمها ميليشيات الإرهاب في ليبيا وسياساتها الاستفزازية في شرق المتوسط، ورغم إمكان وضع أولويات لمواجهة مصادر الخطر على الأمن إلا أنها يجب أن تواجه بالتوازي وليس على التوالي أو وفقاً لتعبير الأديب الكبير يوسف إدريس »بالعرض وليس بالطول«، ولهذا فإن تركيز هذه المقالة على الخطر التركي لا يأتي بحال على حساب الخطر الإثيوبي.



   كتبت غير مرة عن خطر السياسات التركية في المنطقة كما يبدو بفجاجة من المفهوم التركي للأمن النابع مما تسميه تركيا بالخطر الكردي وهو ما يفسر سياساتها تجاه سوريا والعراق، والأطماع التركية في ثروات المنطقة كما يظهر من سياساتها شرق المتوسط واستنزافها عائدات النفط في كل من قطر وليبيا، بل وأطماعها الوقحة في نفط سوريا، والخط الناظم لهذا كله هو أوهام إحياء »الخلافة العثمانية« التي توفر ستاراً تاريخياً لأطماعها الإقليمية والتي وجدت في مشروع الإخوان المسلمين »حصان طروادة« جديد، ولذلك طاش صوابها عندما أطاحت مصر بحكمهم وناصبتها العداء بلا هوادة، وشهدت الآونة الأخيرة تصعيداً للتدخل التركي في ليبيا تمثل في توقيع مذكرتي تفاهم مع السراج، وهما مذكرتان باطلتان سواء لمضمونهما المنافي لقانون البحار الدولي (فيما يتعلق بترسيم الحدود البحرية مع ليبيا) أو لقرارات مجلس الأمن (الخاصة بحظر توريد السلاح لليبيا) ناهيك ببطلان إجراءات توقيعهما على الأقل لعدم تصديق البرلمان الليبي عليهما، ورغم أن تركيا تراجعت بعد ذلك عما هددت به من تدخل عسكري مباشر في ليبيا بعد ردود الأفعال المصرية التي كانت رسالتها بالغة الوضوح إلا أنه يجب الاعتراف بأنها نجحت في أن تجعل لتدخلها غير المباشر تأثيراً مماثلاً للتدخل المباشر، أو بالأحرى نجحت في تبني نمط غير مكلف من التدخل المباشر، فالقطع البحرية التركية تربض بالقرب من الشواطئ الليبية لتنطلق منها الطائرات المسيرة لضرب دفاعات الجيش الوطني الليبي تمهيداً لتقدم الميليشيات الإرهابية وإزاحة قواته من موقع تلو الآخر خاصة وقد دعمتها تركيا بآلاف من المرتزقة السوريين وغيرهم، وكان آخر ما حققته هو الاستيلاء على قاعدة »الوطية« الإستراتيجية، ورغم ضرورة عدم المبالغة في تقدير قيمة هذه الإنجازات إلا أنه يجب الاعتراف بأنها مثلت تحولاً في مسار المعارك سوف يمثل إن استمر خطراً داهماً لابد من مواجهته.



   ولا أتصور أن دوائر صنع القرار في الدول التي تتصدى للإرهاب من السذاجة بحيث تغفل عن هذا الخطر أو تحتاج نصائح فيما يتعلق بدعم الجيش الوطني الليبي في مواجهة هذه الهجمة، ومع ذلك من المفيد طرح بعض الملاحظات في مواجهة هذه التطورات الخطيرة، ولابد أولاً من تكثيف التحرك الدبلوماسي لنزع الشرعية عن حكومة السراج وإسقاط وصفها بالحكومة الشرعية فقد فقدت مقوماتها أو وصفها بحكومة الوفاق الوطني الغائب أصلاً بما يمكن تقويض الاعتراف الدولي بها، وليست هذه بالمهمة السهلة لكن مبررات مثل هذا التحرك موجودة دون شك وتحقيق نجاح ولو جزئي فيه مهم، وفي هذا السياق لا أعتقد أن توقيت إعلان قبول »التفويض الشعبي« من قِبَل المشير حفتر كان ملائماً، فقد عقد دون داعٍ من مسألة الشرعية وأثار تساؤلات حول مدى الانسجام مع البرلمان الليبي خاصة أن رئيسه كان قد أعلن لتوه مقترحات معقولة للتوصل إلى حل سياسي، وثانياً مازلت حتى الآن مندهشاً من أن الأطراف العربية والأوروبية التي تتصدى للإرهاب لم تقم بأي مبادرة في مجلس الأمن لفضح الممارسات التركية التي لا تنتهك قراراته فحسب وإنما تنتهك انتهاكاً صارخاً قواعد القانون الدولي، وأعلم أن إدانة تركيا في المجلس شبه مستحيلة بسبب حسابات مصالح الأعضاء الدائمين فيه، لكنه سوف يكون على الأقل ساحة لفضح السياسة التركية وفرز المواقف الدولية الملتبسة وبالذات الموقفين الأمريكي والروسي، ومن المهم ثالثاً القيام بجهد خاص للتنسيق مع دول المغرب العربي التي لا أتصورها بحال في صف الدعم التركي للإرهاب في ليبيا وهي التي عانت وبالذات في الجزائر من ويلات الإرهاب، وثمة معركة في تونس الآن تخوضها قوى سياسية وازنة ضد المحاولات المكشوفة من رئيس حزب النهضة الذي يتولى رئاسة البرلمان لتوريطها في موقف يصب في خانة دعم الإرهاب في ليبيا، ولا أشك رابعاً أن أحداً يغفل عن ضرورة تقديم أقصى دعم ممكن للجيش الليبي بعد أن تجاوزت تركيا كل الحدود وإن كان هذا ليس المكان المناسب لمناقشة تفاصيل هذا الدعم، وأخيراً فليس هذا وقت الأفكار الداعية لطي صفحة الخصومة مع النظام التركي، ذلك أنه هو من كتب سيناريو العداء واجتهد قدر طاقته لتنفيذه دون أدنى مؤشر على استعداده للتخلي عنه أو حتى تعديله، وأقصى ما يمكن طرحه هو فتح قنوات للحوارمع معارضي أردوغان في تركيا وقد باتوا كثراً.