عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
عالم ما بعد كورونا
28 مايو 2020
د. أحمد صقر عاشور


ما زالت تداعيات وتوابع كارثة كورونا تتصاعد فى كل مناطق وبلاد العالم، حيث تخطف وتهدد حياة البشر وتزلزل أركان المجتمع الإنساني، ومازالت تضيف إلى أعداد العاطلين والفقراء فى كل أنحاء العالم. وينتظر أن تضيف إلى الثلاثة بلايين فقير فى العالم ما يقرب من نصف بليون إضافي. ويمكن القول إن ما تحدثه الكارثة الآن من تغييرات ما هى إلا مقدمات لتغييرات أعمق وأشمل فى نظم الحياة الإنسانية. وتكمن خطورة هذا الفيروس فى تجدد موجات اجتياحه حتى مع اكتشاف مصل وقائى وعلاجي، لأنه قابل للتحور الذاتي. وبذلك ستحدث هذه الجائحة تغييرات ستمتد لعقود طويلة ستشمل المنظومة الصحية والبيئية، والنظام الاقتصادى والتنمية، والنظام الدولى ومؤسساته، والسياسات العامة على المستوى الوطني، والأوضاع الداخلية للمجتمعات. وقد بدأت بالفعل تحولات فى هذه الأبعاد، لكن كارثة كورونا وتوابعها ستعطيها قوة دفع جديدة، فضلاً عما يتمخض عنها من آثار مباشرة. وفيما يلى نتناول هذه الأبعاد.



أولا: توابع عولمة الأوبئة والكوارث البيئية. أثبتت جائحة كورونا ومن قبلها الكوارث البيئية أن الكوارث التى تنتج فى بلد أو منطقة من العالم، لا تلبث أن تنتقل آثارها لتجتاح مناطق أخرى. وقد دقت كورونا ناقوس الخطر لما يمكن أن يصيب العالم نتيجة الأسلحة / الحروب البيولوجية ونتيجة لاختلال التوازن البيئى وتدمير الأصول الطبيعية نتيجة النشاط الإنساني. وسيتمخض عن هذه الكارثة آليات جديدة للتعاون العالمى الصحى والبيئى مع نظم أكثر شفافية وإلزاما تحظى بإجماع دولى للإنذار المبكر والوقاية والتصدي. وسيقترن بهذا اتفاقيات دولية جديدة لنزع الأسلحة البيولوجية (وإن كان هذا سيشكل تحديا صعبا) تتضمن آليات للحظر والوقاية والإنفاذ. وعلى غرارها ستتعزز وتقوى أكثر سياسات وآليات الحفاظ على البيئة الطبيعية.



ثانيا: كشف عورات الاقتصاد الرأسمالى وتأكيد محورية الأصول الإنسانية فى منظومة التنمية. فقد أكدت جائحة كورونا الدور المحورى للعنصر البشرى فى عمل أى نظام اقتصادي. وكشفت القصور البالغ فى تحمل أعباء البطالة، وغياب الضمان الاجتماعى وفى منظومة وسياسات الرعاية الصحية. وستقود النتائج الكارثية لكورونا إلى تحول فى المنظومة والسياسات التنموية تمثل الأصول الإنسانية فيها أهدافا وأسسا محورية، فهى صانعة القيمة وهى التى تتحمل أعباء مثل هذه الكوارث. ومن العبث محاولات العودة إلى ذات النظام والسياسات الاقتصادية والتنموية التى كان فيها العنصر الإنسانى مقهورا ومغلوبا على أمره. فهى محاولات يائسة من مراكز المال والأعمال وجماعات الجشع والاستغلال والمضاربة التى تتربح من القيمة التى ينتجها العنصر الإنساني، لن تلبث أن تنتهى بالفشل إن عاجلاً أو آجلا. ورغم ما سيصيب خطة الأهداف الأممية للتنمية المستدامة 2030 من تراجع بسبب الجائحة، إلا أن مضامينها التى تتعلق بصحة وغذاء وتعليم ودخل وبيئة وتضمين ومشاركة البشر ستكتسب أهمية إضافية حتى لو امتد أجل تحقيقها.



ثالثا: تغيرات فى النظام العالمى بأقطابه ومؤسساته ومناطقه. أظهرت الجائحة مدى عجز المؤسسات الدولية كآلية تعاونية وتنسيقية أو للإنذار المبكر عن الوباء، ناهيك عن عجزها البادى والمتزايد منذ إنشائها عن إيقاف الحروب والنزاعات المسلحة الإقليمية أو التصدى للأزمات الدولية. كما أظهرت التجمعات والمؤسسات الإقليمية عجزا مماثلا، سواء فى جائحة كورونا بالنسبة للاتحاد الأوروبي، أو فى النزاعات الإقليمية المسلحة ناهيك عن التعاون الاقتصادى والتنموى مثل الجامعة العربية. كذلك ستؤثر الجائحة سلبيا على هيبة وقوة الولايات المتحدة كقطب عالمى مهم، خاصة فى المدة الباقية من إدارة ترامب بفعل التوابع الاقتصادية الوخيمة والخلخلة التى ستحدثها داخليا. وسيتشكل نظام عالمى جديد، ربما يتضمن إعادة هيكلة الأمم المتحدة ومنظماتها أو استبدالها بمؤسسات جديدة. وستبرز أقطابا جديدة يلعب بعضها الآن دورا عالميا مؤثرا، ليكون عالما متعدد الأقطاب (الصين الولايات المتحدة ـ روسيا اليابان ـ كوريا الجنوبية الهند)، حيث تميل فيه موازين القوى أكثر إلى الشرق بدلا من الغرب. وسيتزايد فى هذا النظام قوة المعرفة والعلوم والإبداع والقدرات المؤسسية.



رابعا: تغيرات فى السياسات العامة على الصعيد الوطني. كشفت كارثة كورونا عن التفاوت الكبير بين الدول فى مواجهتها، تبعا لقوة برامجها ومؤسساتها الصحية واستعداديتها لمواجهة الكوارث. كما كشفت أيضا عن مدى قصور نظم بعض الدول حتى أقواها وأعتاها (مثل الولايات المتحدة) المتعلقة بالحفاظ على صحة وحياة والأمن الاقتصادى لمواطنيها. وسيتمخض من هذه الخبرات منظومة جديدة لموجهات وأولويات السياسات العامة على المستوى الوطنى لعل أهمها:



زيادة الاستثمار الصحى والتعليمى والثقافي.



توفير الحماية الاجتماعية للعاملين، وضمنها ضوابط لتأمين العاملين ضد التقلبات الاقتصادية وقرارات تصغير حجم العمالة.



برامج جديدة لتحقيق الشمول الاقتصادي، وتقليص اقتصاد الظل الذى يمثل عائقا لفاعلية السياسات الاقتصادية والتنموية عامة وفى ظروف الأزمات خاصة، وفى الدول النامية بالأخص التى تعانى من اتساع نسبته.



آليات وأدوات جديدة لإدارة الكوارث والأزمات الكبرى الشاملة تتضافر فيها جهود الحكومة مع مؤسسات المجتمع المدني.



التأكيد على تكوين فوائض من الأصول المالية والمادية وغيرها لمواجهة المطالب المفاجئة للأزمات. وفى هذا درس قاس للدول الغارقة فى الديون.



خامسا: توابع اجتماعية وسياسية. سارعت كارثة كورونا بتحولات بدأت فى أغلب دول العالم وإن كانت بدرجات متفاوتة. فقد أسهمت الكارثة فى التمكين الذاتى المعلوماتى والاتصالى للأفراد، كما زاد دور وسائل التواصل الاجتماعى كبديل للاتصال والتفاعل المباشر نتاجا لمتطلبات البقاء فى المنزل والتباعد الاجتماعي. وسيؤدى مجمل هذه التغيرات فى المدى الأبعد إلى تقليص هيمنة الحكومات على أفكار ومعارف وآراء الناس وعلى المبادرات التنموية ليتسع دور المجتمع المدني، مع اكتساب مساحات واسعة من الحريات الفردية والجماعية. كما أن فاعلية معالجة الكوارث ستشكل اختبارا حاسما لنظم الحكم والحكومات.



التغييرات السابقة قادمة لا محالة، لكن أجل تحققها ومدى عمقها وشمولها سيتوقف على مدة وموجات الجائحة والآثار التى تخلفها وكيفية التعامل معها. ومثلما غيرت الحروب والكوارث العالمية الكثير من التنظيمات الإنسانية وولدت موجات من التحولات امتدت لعشرات السنين، فإن هذه الجائحة ستولد آثارا أقوى لأنها تشمل كل المجتمع الإنساني، ولأنها كشفت عن الكثير من هشاشة أوضاعه وتنظيماته.



> أستاذ بجامعة الإسكندرية