عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
الدور المجتمعى للأحزاب السياسية
26 مايو 2020
◀ فتحى محمود


إذا كان الحزب السياسى فى أبسط تعريفاته هو اجتماع مجموعة من الأفراد حول برنامج سياسى اقتصادى اجتماعى معين لتحقيق أهداف تخص المصلحة العامة من خلال اكتساب ثقة أكبر قدر ممكن من الناخبين الذين يعبرون عن الرأى العام فى الوصول إلى السلطة وممارستها لتنفيذ هذا البرنامج، فإن التجارب الحزبية المتنوعة والدراسات السياسية أفرزت أدوارا كثيرة للأحزاب السياسية تصب كلها فى إطار خدمة المجتمع وعمليات التنمية المختلفة به وتلبية احتياجات أفراده، حسب الظروف التى يمر بها هذا المجتمع والأزمات التى يواجهها والاحتياجات التى يسعى لإشباعها، وبدأت بعض الأحزاب المصرية خلال الفترة الأخيرة فى الاهتمام بالدور المجتمعى الذى كنا نفتقده خلال التجارب الحزبية السابقة.



فقد ظهرت عدة تجارب حزبية فى مصر ارتبط كل منها بظروف المجتمع وقتئذ، وجمعت بينها بعض السمات، وشهدت سبعينيات القرن التاسع عشر ــ عقب إنشاء مجلس شورى القوانين ــ أول حزب مصرى هو الحزب الوطنى العرابى الذى كان نتاج أفكار الزعيم أحمد عرابى مع زملائه من رجال الجيش المصرى وبعض علماء الأمة، الذين قاموا بوضع لائحة (برنامج) تتضمن الأفكار التى توافقوا عليها، ونشر أحمد عرابى فى مذكراته مقتطفات من هذه اللائحة الطويلة، وجاء الاحتلال البريطانى ليدمر هذا الحزب ويعيد صياغة جميع الأوضاع بمصر فى إطار حماية مصالحه الخاصة.



ومع تصاعد الاهتمام بالقضية الوطنية جاءت التجربة الحزبية الأولى المتكاملة (1907 ــ 1914) التى شهدت تأسيس عدد كبير من الأحزاب السياسية منها حزب الأمة بقيادة أحمد لطفى السيد، وحزب الإصلاح على المبادئ الدستورية للشيخ على يوسف، والحزب الوطنى بزعامة مصطفى كامل، والحزب الوطنى الحر بقيادة محمد وحيد الأيوبى (وكان حزبا مواليا للاحتلال البريطاني)، والحزب الجمهوري، وغيرها لم ينتبه أى منها للدور المجتمعي، وانتهت التجربة بقيام الحرب العالمية الأولى وفرض الحماية البريطانية على مصر.



وحتى فى التجربة الحزبية الثانية (1919ــ 1953) التى ضمت أحزابا متنوعة على رأسها الوفد بقيادة سعد زغلول، والحزب الديمقراطى والحزب الاشتراكى الذى تحول لاحقا إلى الحزب الشيوعى المصرى قبل أن يتم حظره، والأحرار الدستوريين، ومصر الفتاة، وحزب العمال، وحزب الفلاح، أجهض الصراع بين الاحتلال البريطانى والقصر الملكى وحزب الوفد حركة التطور الديمقراطي، ولم يكن الدور المجتمعى للأحزاب السياسية واضحا نتيجة تحكم الإقطاع وسيطرة رأس المال على السلطة.



لكن مع قيام ثورة 23 يوليو وسيطرة التنظيم السياسى الواحد، لعبت الدولة دورا اساسيا فى تطبيق العدالة التجتماعية، واعتبر البعض أن السياسات الاجتماعية الناجحة هى بديل عن الصراع الحزبى الذى لم يستفد منه الشعب شيئا، ومع الاتجاه للانفتاح السياسى والاقتصادى عقب حرب أكتوبر بدأت التجربة السياسية الثالثة عام 1976 فى شكل منابر ثم أحزاب مثلت الاتجاهات السياسية الرئيسية الوسط واليمين واليسار، وتطورت إلى عدة أحزاب منها الوطنى والتجمع والوفد والأحرار وغيرها، لكن إغفال معظم هذه الأحزاب للعمل المجتمعى وسط الجماهير أعطى الفرصة لبعض التيارات المتطرفة غير الشرعية فى استغلال العمل المجتمعى للتسلل إلى التجمعات الجماهيرية من خلال بعض الجمعيات والمؤسسات الخيرية والنقابات التى استطاعت السيطرة عليها، ولم تفطن تلك الأحزاب الشرعية إلى أهمية القيام بدورها المجتمعى فى تلبية احتياجات الجماهير فى المجتمعات المحلية، فتركت هذه المهمة إلى جماعات التطرف غير الشرعية.



ورغم الانفجار الكبير فى عدد الأحزاب بعد 25 يناير 2011 الذى وصل الآن إلى نحو 104 أحزاب، إلا أن عددا قليلا منها هو الذى انتبه إلى أهمية الدور المجتمعى للأحزاب الذى يتضمن الالتحام بالجماهير، والمساعدة فى تلبية احتياجاتها، ودعم المشروعات المختلفة لمؤسسات الدولة التى تستهدف الارتقاء بصحة المواطن وتعليمه وتوفير احتياجاته المعيشية ورفع درجة الوعى العام وإعداد كوادر شبابية قادرة على قيادة العمل السياسي، وفى نفس الوقت قطع الطريق على أى محاولة للجماعات غير الشرعية فى العودة لاستغلال العمل المجتمعى للتسلل إلى التجمعات الجماهيرية.



ولعل النموذج الأبرز فى هذا السياق هو حزب مستقبل وطن باعتباره صاحب العدد الأكبر من المقاعد البرلمانية، فمنذ فترة وهو يقوم بأنشطة مجتمعية مهمة تعكس دوره المفترض فى هذا المجال، من خلال الأمانة المركزية والأمانات المتخصصة مثل الهيئات الاستشارية والشباب والمرأة والمهنيين والعمال والفلاحين وقطاع الأعمال والسياحة والآثار والصناعة والتجارة وغيرها، وقواعد الحزب فى المحافظات.



وهى أنشطة مجتمعية لم تبدأ مع ظهور جائحة كورونا، وانما سبقت ذلك بكثير من خلال أنشطة متعددة منها تنظيم قوافل علاجية فى مختلف المحافظات وإطلاق عديد من المبادرات المجتمعية التى تسهم فى توفير احتياجات المواطنين، دعما للدولة المصرية بمختلف مؤسساتها، وتكثيف نشاط القواعد الحزبية للمساعدة فى حل المشاكل الجماهيرية فى البيئات المحلية، وتحقيق الانتشار بين جميع الفئات الشبابية للاستماع إلى أفكارهم وآمالهم والتفاعل معها، وتنظيم ورش عمل عن الخصائص السكانية ودور المشاركة المجتمعية فى مواجهة ظاهرتى الزواج المبكر وأطفال الشوارع، وإعداد المعلم وتنميته مهنيا، والمبادئ السبعة للجامعات المصرية، وحملات توعية طلاب المدارس من الشباب، ومبادرات مثل «صحتك تهمنا» وتطوير حماية المستهلك ودعم الصناعات الصغيرة ، وتوفير منافذ للسلع الغذائية المدعمة، والمساعدة على احتواء آثار موجة الطقس السيئ التى تعرضت لها مصر فى منتصف شهر مارس الماضى وغيرها من الأنشطة.



ومع ظهور جائحة كورونا، قام مستقبل وطن بحملات فى جميع المحافظات للتوعية بالإجراءات الاحترازية وتوزيع الكمامات والمطهرات والقفازات الطبية، والمشاركة فى عمليات التعقيم والتطهير، وتوزيع السلع الغذائية على العمالة المتضررة من الأزمة والأسر الأكثر احتياجا، والتبرع بكميات من المستلزمات الطبية للمستشفيات بمختلف المحافظات، ورعاية كبار السن ودعم دور المسنين.



وخلال شهر مضان نظم الحزب مبادرة هدية الرئيس عبد الفتاح السيسى لشعبه فى ليلة القدر، والتى تضمنت توزيع عدد من الأجهزة المنزلية والهدايا على أكثر من خمسة آلاف أسرة فى مائة قرية من القرى الأكثر احتياجا، إلى جانب مبادرة حياة كريمة، وتوزيع ملابس العيد على الأسر المستحقة.



وتكمن أهمية هذه المبادرات المجتمعية فى أنها تحقق أهدافا عدة فى وقت واحد، فهى تساعد على تلبية كثير من احتياجات الجماهير، وتفتح الباب واسعا للتفاعل معهم فى جميع القضايا المهمة، وتشجع على روح العطاء والانتماء لدى كافة قطاعات المجتمع، وتضرب المثل على خدمة شعب مصر بدون تمييز أو محاولة لاستغلال الموقف فى استقطابات غير شرعية، وقد بدأت عدة أحزاب فى الدفع بمثل هذه المبادرات وهو أمر مهم لدعم الدور المجتمعى للأحزاب السياسية.