عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
مسرحية «سارتر» العبثية وكورونا!
8 مايو 2020
عائشة عبدالغفار


مع استمرار أزمة كورونا العالمية وضيق العالم أجمع منها وتداعياتها الاقتصادية الكارثية وتوقعات صندوق النقد الدولى بأن «كوفيد 19» قد تتسبب فى أسوأ أزمات الكساد منذ عامى 1929 ـ 1930، يحقق كتاب «جان بول سارتر» «لا مخرج» أكبر المبيعات فى فرنسا خاصة وأوروبا عامة.. «لا مخرج» مسرحية وجودية كتبها «سارتر» عام 1944 نشرت بالفرنسية باسم «وى كلو» Huis clos ومعناها «دون مشاهدين» أو «خلف الأبواب المغلقة»، أما الترجمة الإنجليزية للمسرحية فهى «نهاية مسدودة» عرضت هذه المسرحية لأول مرة فى مايو 1944 قبل تحرير فرنسا فى الحرب العالمية الثانية ويقف على المسرح أربع شخصيات فقط وهى مصدر مقولة «سارتر» الشهيرة «الجحيم هو عيون الآخرين»!.. تبدأ المسرحية التى شاهدتها فى باريس بدخول خادم مصاحبا لرجل اسمه «جارسين» إلى الغرفة التى تمثل جهنم وهى لا تحتوى على نوافذ أو مرآة وبها باب واحد.. وبعد مدة ينضم إلى «جارسين» «إستيل» و«إينس» ويخرج الخادم ويغلق الباب.. الثلاثة يتوقعون أنهم سوف يتم تعذيبهم ولكن لا يأتى العذاب.. فيدركون أنهم من المفترض أن يعذب بعضهم البعض ويقدموا على ذلك بأسلوب ميكيافيلى عن طريق التحقيق فى ذنوب كل واحد منهم ورغباته وذكرياته المؤلمة... ثم يستعرض الثلاثى أحداث حياتهم على أرض الواقع، ومع مرور الزمن يصبحون أكثر انعزالا عن الناس على الأرض ويفكرون فى أنفسهم فقط وقرب نهاية المسرحية يطلب جارسين الخروج ويفتح الباب ولكن لا أحد يستطيع الخروج بسبب الحرارة العالية ولكن الأمر يتعلق بحجة نفسية وخوف من المجهول! هناك إقبال على إعادة قراءة «خلف الأبواب المغلقة» وجزء كبير من أعمال سارتر المسرحية التى تدعونا إلى إعادة تقييم أنفسنا وأحداث حياتنا لنستخلص الدروس خلال العزلة التى يفرضها فيروس كورونا المستجد ونقوم بتقييم مسار حياتنا وألا نضيع وقتنا هباء وأن نستثمر ما تبقى منه.. أما إقدام المثقفين فى أوروبا على قراءة أعمال سارتر فذلك مرتبط بأهمية مراجعة الفلسفة الوجودية والتمعن فى قضية الوجود. ولقد قال سارتر فى «دفاتر طرائف الحرب» «أنا لا أحاول الحفاظ على حياتى من خلال فلسفتى فهذا شيء حقير ولا أحاول اخضاع حياتى لفلسفتى تحذلقا، لكن فى الحقيقة الحياة والفلسفة شيء واحد» وإذا كانت قد أثرت فلسفة سارتر المثقفين فى فترة ما بعد الحرب فهى لا زالت مؤثرة فى زمن فيروس كورونا المستجد الذى يعتبر حربا أخرى تواجهها البشرية فى العقد الثانى من القرن الحادى والعشرين كما يؤكد المرافبون ـ هناك أيضا قاسم مشترك بين «ألبير كامو» و«سارتر». لقد كتب سارتر «خلف الأبواب المغلقة» كما كتب «كامو» الطاعون وكلاهما مرتبط بأزمة «كوفيد 19» ومراجعة سلوكيات البشر فى فترة الشدة والعزل والقلق ومخاطر الموت.. لاشك أن أعمال سارتر العبثية نجحت فى معالجة الحالات الخاصة بالمأزق أو الورطة وهى تتوافق مع الظروف التى يفرضها فيروس كورونا على الوضع العالمي.



كما أن مسرحياته «الذباب» و«اللامخرج» و «المنتصرون» تدور فى غرف التعذيب أو فى غرفة أشبه بالجهنم، كما إنه يحاكينا عن طاعون مصدره الذباب.. وفى هذا الصدد نستطيع أن نتخيل مدى تأثر عملاق الأدب العربى توفيق الحكيم بالمسرح العبثى الفرنسى عندما كتب مسرحية الصراصير! وياطالع الشجرة.



وتدور معظم مسرحيات سارتر حول الجهد الذى يبذله المرء ليختار حياته وأسلوبها وفقا لرغبته ويصف الصراع الناتج من القوى التقليدية التى تدفع الإنسان وتواجهه بمأزق يحاول القضاء عليه ـ كان إدراك الحرية ووعيها هو الخطوة الأولى فى الأخلاقية السارترية. كما ان استخدامه لهذه الحرية يجب أن يؤدى إلى الخطوة الثانية وهى الالتزام. لقد عالجت مسرحيات سارتر الطاقة التى يجب أن يبذلها الانسان للخروج من المأزق وهو ما يفعله البعض خلال العزل الذى يفرضه فيروس كورونا المستجد لتجاوز تلك الأيام العبثية!.