عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
بالدولة والمجتمع ..مصر تكافح وباء الكورونا
26 أبريل 2020
د. على الدين هلال


كتبت أكثر من مرة عن العلاقة الوثيقة بين الدولة والمجتمع، وان قوة أي دولة لا تنبع فقط من قدرات مؤسساتها الرسمية، ولكن أيضا من قوة المؤسسات الاجتماعية وهيئات المجتمع المدني، ومدى تجاوب المواطنين مع السياسات الحكومية والالتزام بها.



وجاءت ازمة انتشار وباء الكورونا لتؤكد هذا المعنى. فإلى جانب الجهود الحكومية الكثيرة، فان هناك آلاف المبادرات الاجتماعية والشعبية التي دعمت هذه الجهود وأضافت اليها. وتكاد لا توجد مدينة او قرية في مصر الا وشهدت مبادرات لمكافحة الوباء ومساعدة المواطنين وتوعيتهم بأخطاره وتعرفيهم بأساليب الوقاية و هو ما يركز هذا المقال عليه..



تتسم هذه المبادرات بان اغلبها تم في إطار التعاون بين الأجهزة الحكومية وهيئات المجتمع المدني والذي كان من أبرزها جمعية الهلال الأحمر، وجمعيات الكشافة والجوالة والمرشدات. وان كثير منها كان مبادرات فردية لمجموعات من الشباب الذين تطوعوا لحماية اهاليهم ومدنهم وقراهم، ولا يرتبطون باي إطار تنظيمي. واستخدمت هذه المبادرات الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي لنشر فكرة المبادرة مستخدمة في ذلك صفحات «الفيس بوك» الخاصة بآلاف المدن والقري المصرية.



اتسمت هذه المبادرات أيضا بالطابع الوطني العام وعدم رفع شعارات حزبية او سياسية، فقد كان الشعور السائد هو ان صحة الانسان المصري مهددة وفي خطر، وان هذا الخطر له الأولوية على أي اعتبار آخر، ويتطلب تضافر كل الجهود من كل الهيئات والافراد لهزيمته.ومع ان كل فئات المجتمع اشتركت في هذه الجهود الا ان الدور الأول في تنفيذها كان لشباب مصر الذين أظهرت الازمة أفضل مافيهم، وحملت المبادرات مسميات إيجابية مثل « فيها حاجة حلوة» ، و«تطهير الايادي»، و«شباب بيحب مصر»، و«في الخير مجتمعين».



اتجهت المبادرات الشعبية في أربعة مسارات. كان أولها، المشاركة العملية في اعمال الوقاية، فقام الشباب بتطهير وتعقيم المساجد والكنائس والمصالح الحكومية ومراكز الشباب، وكذلك المحال والمتاجر والتركيز على مقابض أبوابها وماكينات صرف النقود. وقام البعض بتعقيم سيارات «الميكروباص»، وتطهير ايادي الركاب والمارة في الطرق وتوزيع كمامات ومطهرات عليهم بالمجان، وقياس درجة حرارتهم. ويشمل هذا المسار، دعوة الجامعات لطلاب الفرقتين الرابعة والخامسة بكليات الطب للتطوع حتى يتم تدريبهم والاستفادة منهم لدعم الاطقم الطبية في المستشفيات.



وكان الثاني التوعية بالإرشادات الصادرة عن وزارة الصحة، والتعليمات الصادرة عن مجلس الوزراء ونشرها وشرحها لجمهور المواطنين مع التركيز على كيفية انتقال المرض، والفئات الأكثر تعرضا للإصابة، وأساليب الوقاية والتصرف في حالة الاشتباه في الإصابة. واستخدمت المبادرات صفحات الفيس بوك الخاصة بالقرية او الحي او المدينة كأداة للتواصل، وبثت الاخبار الخاصة بالمرض على مستوى الحي او القرية.



وقد اثبتت بحوث الاتصال ان الاخبار المحلية هي الأكثر تأثيرا واقناعا عن غيرها لأنها تتصل بأشخاص نعرفهم او يعيشون بالقرب منا ويمكن التأكد من صحتها. قام الشباب أيضا بتحذير الناس من خطورة الانسياق وراء المعلومات الخاطئة المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي والتي ليس لها مصدر موثوق به مؤكدين على الاستماع الى بيانات وزارة الصحة ومنظمة الصحة العالمية. ومن الأساليب المبتكرة التي لجأ اليها الشباب استخدام السماعات والميكروفونات التي تستعمل في الافراح وسرادقات العزاء وتحميلها علي سيارات تجوب الشوارع للتوعية. اما الثالث فتمثل في العمل الخيري والتبرع لصالح الافرادالذين اضيروا من انقطاع مصادر دخولهم، واهمهم العمالة غير المنتظمة او بالتعبير الشعبي «عمال اليومية»، وتمت مبادرات عديدة اثبتت روح التضامن والتكافل الاجتماعي. ومن المبادرات الجماعية في هذا الشأن ما تم في قرية العزيزة مركز المنزلة بمحافظة الدقهلية، حيث أطلق «مجلس عائلة القرية» مبادرة « ألف جنيه لألف عامل»، ونشرت دعوى للتبرع الكترونيا، واستجاب للمبادرة الميسرين من أبناء القرية من أهلها المقيمين فيها والذين غادروها وسكنوا في أماكن أخرى، وكانت النتيجة مليون جنيه نقدا، وقطعتي ارض تقدران بـ 2٫5 مليون جنيه.



ورابع هذه المسارات هو تصنيع مستلزمات الوقاية.فشهدت جامعة سوهاج تجربة رائدة مفادها قيام مركز «اشغال الطالبات» بتصنيع الكمامات بهدف ضمان توفيرها لكل أبناء الجامعة وعلى رأسهم الاطقم الطبية في مستشفى الجامعة، والعاملين وأعضاء هيئة التدريس الذين تستوجب مسئولياتهم الانتظام في مكاتبهم. وكانت هناك مبادرة أخرى أكثر طموحاحملت اسم «تنفس» بهدف تصنيع أجهزة التنفس الصناعي. بدأت هذه المبادرة مع اعلان احدى الشركات العالمية في مجال تصنيع هذه الأجهزة تخليها عن حقوق الملكية الفكرية لتصميمات تصنيع الجهاز الذي تنتجه. وعلى الفور،أعلن بعض المهندسين والأطباء المصريين عن هذه المبادرة، وأعلنت الشركة القابضة للصناعات المعدنية عن فتح مصانعها للعلماء والباحثين للاستفادة من هذه التصميمات، وأعلنت الجامعة البريطانية بمصر عن استعدادها لتمويل الجهود التي تبذل في هذا المجال، والتي تتطلب تعاونا وثيقا بين المتخصصين في الهندسة والطب والعلوم.



في هذه الازمة، تحركت القوى الحية والنابضة في المجتمع المصري وكانت جهودها بمثابة ملحمة وطنية انصهر فيها الجميع من مؤسسات حكومية وهيئات مجتمع مدني ومواطنين غير منظمين في سياق واحد، وهو حماية مصر والمصريين من هذا الوباء. وهو تطور ينبغي الاهتمام به وان تبرزه أجهزة الاعلام بشكل أكبر، وان نحرص جميعا على استمراره ليكون مصدر قوة مصر الضاربة ليس فقط لتجاوز ازمة الوباء ولكن للاستمرار في جهود التنمية المستدامة.



رمضان كريم وكل عام وكل المصريين بخير.