عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
عن جمال حمدان وعصره
17 أبريل 2020
عاطف معتمد;


جمال حمدان جغرافى قومى ووطنى ومفكر موسوعى. كثيرا ما يتساءل الناس: فيما هو متفرد جمال حمدان؟ والسؤال يطرحه الجميع: طلبة وباحثون وقراء. بل إن بعض الجغرافيين يسأل: كيف يمكننى أن أصبح يوما جمال حمدان؟



يخطئ من يتصور أن عبقرية حمدان هبطت عليه من السماء. الحقيقة هناك آباء كثر تعلم منهم حمدان، فى مقدمتهم رفاعة الطهطاوى وحسين فوزي, وأيضا الأب الأكبر لجمال حمدان هو العالم «محمد عوض محمد» ويعد من الأوائل الذين كتبوا الأدب وله العديد من القصائد فى الشعر والترجمات الكثيرة من الألمانية وغيرها وهو مؤسس المدرسة الجغرافية الحديثة فى مصر بداية القرن العشرين. كما استفاد جمال حمدان من كتاب الجغرافى البريطانى كيريل فوكس «شخصية بريطانيا» الذى أخذ منه حمدان فكرة كتاب «شخصية» مصر» كما استفاد أيضا من علماء الجغرافيا السياسية الإنجليز وفى مقدمتهم هالفورد ماكندر وغيرهم كثر.



وفى دراسته لسيناء استعان حمدان بالعمل الرائد للجغرافى المصرى عباس عمّار وعنوانه «المدخل الشرقى لمصر». كما عاد أيضا فى التاريخ للكتاب المهم الذى ألفه صبحى وحيدة بعنوان «فى أصول المسألة المصرية».



ومن أشهر «آباء حمدان» الجغرافى الإنجليزى «جون بول» الذى ينتمى لعهد الاحتلال الإنجليزى لكنه عاش ومات مهموما بمصر كما لو كان مصريا وطنيا (دون أن يمنع ذلك من أن جهوده كانت تخدم المشروع الإمبريالى الإنجليزي). أنفق جون بول ثلاثين سنة من عمره فى تحقيق عدد كبير من الاكتشافات الجغرافية فى أراض مصرية لم يصلها غيره من قبل، فضلا عن ترجمته أهم ما جاء فى كتب الأولين عن جغرافية مصر عند اليونان واللاتين وغيرهما.



جون بول هو أحد آباء حمدان، اعتمد مبدعنا المصرى الكبير فى موسوعته «شخصية مصر» على مؤلفات «بول» العظيمة التى تناولت ربوع مصر المختلفة (من شلال أسوان إلى جنوب الصحراء الغربية عند حدودنا مع ليبيا، ومن جبل علبة فى حلايب وشلاتين إلى منخفض القطارة).



قائمة آباء حمدان كثيرة وتشمل عشرات الأولين السابقين عليه، وخلف حمدان مئات الجهود التى أنفق فيها أعمارهم مفكرون وباحثون أنتجوا أعمالا علمية أصيلة وجاء حمدان ليقدمها لنا فى ثوب جديد لم نره من قبل أو لم يطلع عليه الجيل الحديث لضعف تكوينه فى اللغات الأجنبية.



عوامل التفرد



ومن كل ما سبق من المصادر الأجنبية والمحلية، قدم حمدان رؤية شمولية مشفوعة بالتأمل والربط والتحليل والقياس، كانت هذه الرؤية فلسفية استهدفت المثقف العام. ومن أهم العوامل التى جعلت جمال حمدان متفردا:



1 – التحرر من أى قيد غير القراءة والترجمة والبحث، إذ ترك جمال حمدان العمل التقليدى فى الجامعة مبكرا وهجر المحاضرات وحضور المؤتمرات وتخلى عن المناصب وتفرغ لمشروعه الكبير وعاش حياة الكفاف.



2- لم يبدأ مشروعه الكبير عن جغرافية مصر إلا بعد أن أنهى مشروعا بحثيا لا يقل أهمية تناول فيه قضايا عالمية مثل دراسات عن «اليهود» و«أوروبا وآسيا» و»الاستعمار والتحرير» و«العالم العربى» بل وبعض الدول العربية بشكل خاص مثل كتابه «الجماهيرية الليبية».



3- لم يكن جمال حمدان يقدم مؤلفاته للجغرافيين أو طلاب الجغرافيا فى المقام الأول، بل إلى النخبة من المثقفين وهنا يمكننا اعتبار أعماله مرجعا ثقافيا أكثر مها مرجعا عليما.



عن اليهود أنثروبولوجيًا!



قبل أن يدرس حمدان مصر اهتم مبكرا بالأوضاع الإقليمية المحيطة، ففى فبراير عام 1967 وبعد أقل من 20 سنة من قيام إسرائيل على أرض فلسطين فى عام 1948 أصدر حمدان كتابه «اليهود أنثروبولوجيًا « مخاطبا فيه جمهورا يتعرض لأكذوبة كبرى وهى أن إسرائيل تعيد إحياء دولة تاريخية فى أرض الميعاد منذ نبى الله موسى. بمراجع أوروبية وبلسان أكاديمى يفند حمدان عدة مغالطات، أهمها:



> اليهود الذين وصلوا فلسطين وشكلوا إسرائيل لا تربطهم باليهود الأصليين روابط عرقية ولا يتميزون عن أى جنس أوروبى آخر.



> يفيد تتبع الخريطة التاريخية لخروج بنى إسرائيل من مصر ثم متاهتهم فى الأرض ثم حروبهم واستعبادهم ومسيرتهم التاريخية بأنه لا يمكن أن يحتفظ هذا الشعب بنقاء جنسى بعد ما يقرب من 3800 سنة منذ ظهورهم أول مرة كجماعة من البدو الرحل فى جنوب العراق.



> أن لليهود تاريخا طويلا فى الشتات والأسر والتيه فى الأرض (البابلى – الهيللينى – الرومانى – الوسيط – الحديث). وقد مزج هذا الشتات اليهود بكل عناصر الأرض ولا يمكن الجزم بأنهم مجموعة عرقية نقية.، إذ ليس هناك من نقاوة جنسية أو عرقية لهؤلاء الذين جاءوا لاستعمار فلسطين بل هم جماعة دينية وسياسية تربطها تقاليد اجتماعية.



> لا يمكن تمييز صفات اليهود الجسمية عن غيرهم من الشعوب وفقا للإحصاءات العلمية عبر العالم ولا يستطيع أحد أن يربطهم بيهود التوراة.



> أن ما يقوله بعض الساسة العرب - فى سبيل تزلفهم للغرب الاستعمارى - من أن العرب واليهود أبناء عمومة لاشتراكهم فى الجنس السامى ليس صحيحا ولا علاقة له بالواقع لأن يهود اليوم ليسوا ساميين.



الأطروحة الرئيسية عند جمال حمدان



يقدم جمال حمدان فى كتابه «شخصية مصر» ما يسمى السبق الحضارى مؤكدا أن مصر «أم الدنيا» والوطن الأول للحضارة وسكانها أول من عمروا الأرض وقدموا له أول منجزات التقدم وفى مقدمتها «ورق الكتابة».



ومن أشهر التعبيرات التى تحضر بوضوح عند حمدان مقولته «مصر أرض المتناقضات» وهو تعبير قاله من قبله مؤرخون وجغرافيون ورحالة كثر. فى هذه الأطروحة يؤكد حمدان أن صفة «الطغيان» أو الاستبداد كانت قرينة بوجود قوة مركزية حاكمة تضبط النيل وتوزع مياهه وتجمع أمواله أو ضرائبه. يرسم حمدان هرم التكوين السياسى للشعب المصرى وفق أربع طبقات: البيروقراطية المنتفخة؛ الحامية العسكرية؛ الجهاز الديني؛ ثم الشعب.



الجزء الرابع من شخصية مصر جزء هام لعلماء النفس والاجتماع، أراد فيه حمدان ربط شخصية مصر الجغرافية وشخصية المصريين، وذهب إلى أن المصرى معتدل المزاج وسطى السلوك وكأنه يعكس وسطية موقع مصر ووجودها الجغرافى والتاريخى.



العمق الاستراتيجى



العمق الاستراتيجى عند جمال حمدان موجود فى صفحات متفرقة فى الجزءين الثانى والرابع ويتبلور في: شبه جزيرة سيناء؛ قناة السويس؛ البحر الأحمر. ويحذرنا حمدان (قبل أكثر من 40 سنة مضت) من أن إسرائيل تحاول سرقة موقع مصر الجغرافى، كما يحذرنا من أن الخليج العربى (وبتروله) يسرق أيضا حصة من نصيب موقع مصر وأن قناة السويس أصبحت تخدم النفط الخليجى فى رحلته للعالم. ويتساءل حمدان: هل خدمت قناة السويس مصر أكثر أم خدمت العالم؟ هل قدمت لمصر إيجابيات أم سلبيات؟ وتكون النتيجة أن العالم استفاد من قناة السويس بأضعاف ما استفادته مصر.



ومع ذلك يستعيد جمال حمدان الخطأ الذى وقعت فيه مصر فى العهد المملوكى حين أسرف المماليك فى فرض الضرائب والإتاوات على التجارة البرية العالمية المارة فى مصر وهو ما دفع البرتغال وغيرها من الدول إلى الدوران حول إفريقيا فى طريق رأس الرجاء الصالح، ومن ثم تجميد موقع مصر وحرمانها من عائدات التجارة البرية آنذاك.