عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
البحث عن طوق نجاة
7 أبريل 2020
د. محمد السعيد إدريس


السؤال الذي نعتقد أنه يشغل العالم الآن سواء كان جهراً أم صمتاً هو: هل يمكن الوصول إلي «طوق نجاة» مما نحن فيه الآن.. طوق نجاة ليس فقط من الفيروس القاتل بل من كل ما أوصلنا إلي هذه الحالة التي نحن فيها الآن من «عجز عالمي» و«انكشاف» غير مسبوق لقدراتنا «العالمية» الهشة التي فشلت فشلاً ذريعاً في مواجهة «الفيروس». طوق النجاة الذي نعنيه ليس فقط النجاة من خطر الفيروس القاتل بل النجاة من «عالم ما قبل انتشار هذا الفيروس»، كي يأتي عالم ما بعده خالياً من كل مسببات «التفيرس» (إن جازت التسمية)، وحتي نحول دون سقوطنا البشري فيما يسميه بعض العلماء بـ «سيناريو اللعنة».



من الصعب الإجابة علي هذا السؤال بـ «نعم» أم «لا» دون أن نجيب عن سؤال آخر هو: كيف وصلنا إلي ما وصلنا إليه؟



حتماً ستكون لدينا، نحن البشر، في يوم ما إجابة علمية متخصصة وحاسمة، وليست سياسية، وبعيدة عن «سيناريوهات المؤامرة» المنتشرة الآن بكثرة، تكشف حقيقة هذا الوباء الفيروسي: هل جري تصنيعه في معامل إحدي الدول بهدف الإضرار بشعب واقتصاد دولة أخري عدو، أي أنه ضمن أسلحة «الحرب البيولوجية»، وجري زرعه علي أرض ذلك العدو ومنه انتشر إلي باقي دول العالم، وخرج عن نطاق السيطرة أم هو وليد طبيعي لعمليات جهنمية تتجاوز توصيفها أنها «مجرد جرائم» أدت إلي تمزيق توازنات البيئة ومقومات الحياة علي كوكب الأرض وجعلته أقرب إلي الاحتضار، بهدف زيادة ومسارعة «التراكم الرأسمالي»؟، ورغم أهمية حسم الإجابة بعلمية لحقيقة هذا الفيروس وانتشاره الوبائي، إلا أن هناك جانبا آخر في هذا السؤال، لا يقل أهمية، إن لم يكن يزيد، وهو كيف ولماذا وقف العالم عاجزاً عن مواجهة ودحر هذا الوباء الذي أخذ يحصد، دون رحمة، أرواح الآلاف من البشر، وجعل كل إنسان في أي مكان علي الكرة الأرضية معرضاً للإصابة به؟. لماذا لم تستطع ترسانات العالم العسكرية المكتظة، إلي درجة التخمة، بالأسلحة المتطورة وعالية التقدم التكنولوجي، سواء كانت أسلحة تقليدية من دبابات وطائرات ومدافع وذخائر أم كانت أسلحة غير تقليدية: نووية وكيماوية بل وفضائية، مواجهة هذا العدو وقهره، وهي الترسانة العسكرية التي كلفت العالم ملايين المليارات من الدولارات؟ عجز كل هذه الأنواع والكميات الهائلة من الأسلحة المتطورة يفرض سؤالاً آخر هو: ما قيمة هذه الأسلحة طالما تأكد عجزها عن هزيمة عدو يهدد حياة الملايين من البشر دون تمييز ودون سابق إنذار؟ لم تغب الأسلحة فقط، بل غاب «النظام الأمني» الكفيل بالتعامل مع هذا النوع من الأعداء أو هذا الخطر الساحق للبشرية، وهذا ما نسأل عنه بالتحديد: ما قيمة النظام الأمني في كل الدول الذي سمح لهذا الخطر الفيروسي أن يفعل فعله؟



كل هذه الأسئلة وغيرها، تقودنا إلي ضرورة التعرف علي عالمنا الهزلي وأمننا الهزلي وأسلحتنا الهزلية ومعاركنا وصراعاتنا الأكثر هزلية، واستثماراتنا غير المحدودة في صناعة تلك الأسلحة واقتنائها وفي حروبنا وصراعاتنا، المكتسبة منها والمفتعلة، التي قادتنا جميعاً إلي هذا الوضع المأساوي، إذا كنا قد بدأنا نسأل ونفكر في «عالم ما بعد كورونا» الذي يجب أن يكون حتماً مختلفاً تماماً عن عالم ما قبلها، وإذا كنا حريصين فعلاً على أن نصل إلي «طوق نجاة»، فعلينا أن نتذكر بداية بعض معالم «العجز المأساوي» ليس فقط العجز عن مواجهة الخطر الفيروسي بسبب غياب «الرعاية الصحية الشاملة» والطب الوقائي وتخلف المؤسسات العلاجية والمراكز العلمية الطبية عن توفير العلاجات واللقاحات اللازمة لمحاصرة الخطر الفيروسي والقضاء عليه، ولكن بالأساس بسبب غياب أولوية كل هذه الأمور عند صانع القرار والطبقات الحاكمة في تلك الدول التي كانت، ومازالت لديها أولويات أخري تراها أكثر أهمية علي نحو ما كشف الرئيس الأمريكي وإدارته عند الصدمة الأولي وعلي نحو ما فعلت دول أوروبية أخري.



الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعمد أن يكذب علي شعبه في بداية تفشي الفيروس ويقول إن بلاده بعيدة عن خطر الغزو الفيروسي، وعندما بدأت الحقائق المؤلمة تفرض نفسها اتجه الأمريكيون إلي تحميل المسئولية للآخرين الصين أولاً وأوروبا ثانياً. الولايات المتحدة فعلت ما هو أكثر من ذلك عندما عزلت نفسها كلياً وأغلقت أبوابها وأوقفت كل رحلات الطيران من وإلي أوروبا، وحاولت احتكار تجارب واعدة لشركة أمريكية علموا أنها توشك أن تصنع عقاراً مضاداً للوباء، ولم يتردد الرئيس الأمريكي في أن يعلن أن هذا العقار في حال امتلاكه «سيكون حصرياً للأمريكيين دون غيرهم»، ولم يفكر لحظة أن يقدم أي نوع من المساعدات الطبية لأوروبا المنكوبة، ولم يرد بخاطره وإدارته رفع العقوبات، ولو مرحلياً أو حتي جزئياً عن دول تئن تحت ضغوط هذه العقوبات وتحت ضغوط وطأة الانتشار الفيروسي، خاصة إيران وفنزويلا. ولم تكن أوروبا أكثر جدارة في مواجهة «الخطر الفيروسي». فمع وطأة الكارثة بدأ «الانتقاء العلاجي» بإعطاء الأولوية العلاجية لصغار السن والشباب، وتركوا كبار السن والمتقاعدين ليواجهوا المصير المحتوم، ووصل الخلل عند رئيس الحكومة البريطانية ليفرض علي حكومته تبني نظرية «مناعة القطيع» بترك الفيروس يفعل أفعاله بحيث يكسب الشباب والأقوياء المناعة ويقضي علي الضعفاء وكبار السن ويخلَّص الحكومة من أعبائهم.



علي العكس من ذلك تماماً كان الموقفان الصيني والروسي بل والكوبي أيضاً. فقد سارعوا في تقديم الخبرات الطبية والعلاجية السريعة إلي الدول المنكوبة سواء في إيران أو إيطاليا أو إسبانيا، بل وصلت طائرات الإمداد الطبية الروسية إلي الولايات المتحدة نفسها، وزاد الرئيس الصيني تشي جين بينج علي ذلك بالدعوة إلي «بناء مجتمع عالمي له صحة عامة» وتأكيد أن مواجهة الوباء والانتصار عليه «لن يكون إلا عن طريق التضامن العالمي والجهود المشتركة».



نموذجان متعارضان تماماً من التصدي للخطر الفيروسي لم ينشأ كل منهما حتماً من فراغ، فكل منهما كان ومازال محصلة لتفاعلات عالم مختلف من النظم والقيم والممارسات وعلي العالم الذي يئن الآن من خطر الوباء أن يمعن التفكر في التدبر في أداء هذين النظامين للتعرف علي أسباب القصور وأسباب النجاح لعله يصل إلي «طوق نجاة» ويؤسس لعالم جديد أكثر جدارة بالبقاء يسمونه الآن بـ «عالم ما بعد كورونا».