عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
هل اقتربت نهاية الكيانات الكبرى؟
30 مارس 2020
◀ د.نصر محمد عارف


ظل الباحثون فى العلوم الاجتماعية عامة، والسياسية خاصة يرددون لفترة طويلة من الزمن أن مستقبل العالم مرهون بالاندماج فى كيانات كبيرة، وانه لا مكان فى هذا العالم للدول المنفردة، او الكيانات الصغيرة، وان التجربة الأوروبية، أو تجربة دول الآسيان نموذج متميز، لابد من الاقتداء به وتكراره، وأن هذه التجمعات الاقتصادية والسياسية تشكل مستقبل العالم، وترسم خريطة القوى التى سوف تقوده.



كانت هذه جميعها كلها تعميمات تنطلق من حقائق اقتصادية، وتجارية، واستثمارية، ومالية، وفى بعض جوانبها تشكلها المواقف السياسية المتعلقة بالغير, والتى ترسم خريطة المصالح الدولية، أى أن هذه التعميمات، والخلاصات كانت جميعها تتعلق بالأحوال الطبيعية، وبالجوانب الإيجابية، ولم يحدث أن تم اختبارها حتى جاءت جائحة فيروس كورونا.



هنا وضعت جميع هذه الكيانات الكبيرة من الأمم المتحدة الى الاتحاد الأوروبى وغيرهما موضع اختبار حقيقى فى مواجهة أزمة غير مسبوقة, تتعلق بحياة الإنسان والمجتمع؛ خصوصا الفئة الأضعف فيه من كبار السن والمرضى، وهنا لم يظهر أى جهد جماعي، بل على العكس كانت الجهود مشتتة، وأحيانا يسودها عدم الثقة والتنافس، والنظرة الاستعلائية, التى تجعل من الدول التى انتشر فيها المرض أدنى مستوى، أو أقل تطوراً، أو أضعف إدارة...الخ.



وتم التعامل مع الأزمة بمنطق جحا الذى يقول: طالما أن النار لم تمس ثوبى فلا يعنينى إطفاؤها، وكان من أكثر النماذج وضوحاً على هذه الحالة التنافس الذى حدث بين حكام الولايات الأمريكية الخمسين فى التعاقد مع الشركات التى تنتج المواد الصحية للنظافة والوقاية من الفيروس، كل واحد من حكام الولايات يريد الحصول على الحصة الكاملة بغض النظر عن مدى انتشار الوباء فى ولايته.



وعلى المستوى الأوروبى لم ير المواطن الأوروبى أى دور للاتحاد الأوروبى فى مواجهة هذه الأزمة التى تهدد بصورة جوهرية مجتمعات مثل إيطاليا واسبانيا وفرنسا، وسوف تنتشر فى الدول الأوروبية الأضعف فى شرق وجنوب أوروبا، فلم يظهر أى دور للاتحاد الأوروبى فى أوروبا، ولم يظهر أى دور لأى منظمة أو تجمع إقليمى فى بقعة من بقاع الأرض.



وفى المقابل برزت أدوار لدول بعينها قامت بما كان ينبغى أن تقوم به المنظمات الدولية أو التجمعات الإقليمية، فعلى المستوى الأوروبى قامت روسيا بدور أكبر بكثير من جميع دول الاتحاد الأوروبي، وحلف شمال الأطلنطى فى مساعدة إيطاليا على التحكم فى الانتشار المهول للفيروس الذى كاد يتحول الى طاعون من طواعين العصور الوسطى، فأرسلت أكثر من خمس عشرة طائرة شحن حربية محملة بالمعدات والأطباء، وذلك على الرغم من أن روسيا ذاتها تخضع لعقوبات فرضها الاتحاد الأوروبى بما فيه إيطاليا.



كذلك قدمت كل من الصين وكوبا اللتين تنتميان بدرجة أو بأخرى للعالم الثالث، وتخضعان كذلك لنوعيات مختلفة من العقوبات الغربية بتقديم يد العون لإيطاليا، بصورة تستوجب إعادة التفكير فى المعايير الدولية المتعلقة بتصنيف الدول، وفرض عقوبات عليها بناء على قيم ومحددات تحددها الأطراف الأقوى, التى اختفت قوتها وقت الأزمات الكبرى.



وهذا الواقع الجديد سوف يضع مستقبل الاتحاد الأوروبى على المحك، فبعد انتهاء هذه الأزمة سوف يتساءل الإنسان الأوروبى فى الدول التى قدمت تضحيات بشرية كبيرة عن جدوى الانتماء للاتحاد الأوروبي, إن لم يكن قادرا على إنقاذ أرواح البشر فى أزمة صحية مثل أزمة كورونا، فى مقابل ما قامت به روسيا الاتحادية التى يصنفها الاتحاد الأوروبى ذاته عدوا وجودياً.



وعلى مستوى العالم العربى والإسلامى قامت دولة الإمارات بدور متميز يتجاوز كل قيود الخلافات والصراعات السياسية سواء بتقديم الدعم الطبى السريع لإيران، وكذلك فى تجاوز حالة الانغلاق العربى غير المبرر مع الجمهورية العربية السورية، والتواصل المباشر من قبل القيادة الإماراتية مع القيادة السورية لتأكيد الاستعداد الكامل لدعم سوريا فى مواجهة هذا الوباء. وعلى الجانب الآخر كان هناك فى العالم العربى والإسلامى من حاول توظيف هذه الأزمة الصحية توظيفا سياسيا ضد مصر، فقد استغلت كل من دولة قطر وتركيا هذه الأزمة لمحاولة النيل من مصر، وإشاعة الفوضى فيها، وذلك من خلال توظيف الإعلام الموجه الذى يبث الدعاية السوداء والشائعات من الدوحة وإسطنبول لإحداث حالة ارتباك فى مصر لتحقيق أغراض سياسية.



فى مواجهة ذلك سوف يتساءل الإنسان العربى والمسلم بعد الخروج من هذه الأزمة عن جدوى، وقيمة المنظمات الإقليمية التى تنتمى اليها دولته، لأنها وقفت عاجزة عن تقديم العون، والمساعدة، ووقفت عاجزة كذلك عن ضبط سلوكيات أعضائها، بحيث لا تنزلق بعض الدول الأعضاء فيها الى مستويات دنيا على سلم الأخلاق الإنسانية، وتستغل أزمة صحية خطيرة تصيب البسطاء من الناس، وتوظفها توظيفا سياسيا غاية فى الانتهازية الرخيصة.



إن مستقبل الكيانات الدولية والإقليمية الكبرى سيكون على المحك بعد انقشاع جائحة كورونا، وسيعود الاهتمام بالكيانات الصغرى على مستوى الدولة، أو حتى مكونات الدولة، ووحداتها الإدارية، لأن هذا هو المنطلق الحقيقى لتحقيق احتياجات الإنسان، والحفاظ على وجود وسعادة الإنسان.