عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
نحو سياسة ثقافية من أجل التنمية المُستدامة
15 مارس 2020
د. على الدين هلال


أصبح من المُتفق عليه بين الباحثين والمُمارسين والمُنظمات الدولية أن التنمية الشاملة والمُستدامة ترتكز على أساسين: أساس مادى يتمثلُ فى الأنشطة المتعلقة بتطوير البنية التحتية وتطوير الزراعة والصناعة والخدمات وغيرها من المجالات الانتاجية، وأساس ثقافى يتمثلُ فى القيم السائدة فى المُجتمع وعما إذا كانت إيجابية ومُعززة للتنمية أم سلبية ومُعوقة لها. ومن هُنا جاء الاهتمام بتطوير وبلورة السياسات الثقافية التى تتبناها الدول ويتم تطبيقها من خلال المؤسسات الرسمية وهيئات المُجتمع المدنى وذلك لما تقوم به تلك السياسات من دور مُهم فى مُساندة جهود التنمية المُستدامة.



ولم تكُن مِصر بعيدة عن هذا التطور ففى الوثائق الخاصة باستراتيجية مصر 2030 حددت منظومة القيم التى ينبغى أن تعمل المؤسسات الثقافية والتعليمية والتربوية والإعلامية على دعمها وتعزيزها، والتى تشمل احترام التنوع والاختلاف، وتمكين المصريين من الوصول إلى وسائل اكتساب المعرفة والحصول عليها، وتيسير تفاعُلهم مع مُعطيات العالم المُعاصر، والوعى بالتاريخ والتراث الحضارى المصري، وضمان حق المواطنين فى ممارسة الثقافة وإنتاجها والقُدرة على الاختيار الحُر. وكُل هذا فى إطار أن تُصبح القيم الايجابية فى الثقافة مصدر قوة لتحقيق التنمية وقيمة مُضافة للاقتصاد، وأساسًا لقوة مصر الناعمة. ويُمكن أن نفهم هذه القيم المُستهدفة فى إطارثلاثة توجهات ثقافية وسياسية:



الأول هو ديمُقراطية العمل الثقافى والعدالة الثقافية. ويعنى ذلك ضمان حق المواطنين فى مُمارسة العمل الثقافى وانتاجه كما يعنى حقهم فى التمتع بالخدمات الثقافية، وأن تضمن الدولة توفيرها لهم فى كُل المُحافظات من خلال المؤسسات المعنية وأبرزها قصور الثقافة ويدُل على ذلك توجيه الرئيس السيسى بضرورة إيصال الرسالة الثقافية للقُرى والنُجوع والمناطق الحدودية، وذلك فى مُقابلته مع الدكتورة ايناس عبد الدايم وزيرة الثقافة بتاريخ 23 ديسمبر 2019.



إن هذا التوجه يؤكد حق المواطن فى الثقافة شأنه فى ذلك شأن الحق فى المياه النظيفة، والكهرباء، والخدمات الأساسية التى توفر له حياة كريمة. والحق فى الثقافة هو من حقوق الإنسان، وذلك وفقًا للمادة 15 من العهد الدولى الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الذى أقرته الجمعية العامة للأمم المُتحدة عام 1966 كما أشار إليه إعلان اليونيسكو العالمى بشأن التنوع الثقافى الصادر فى عام 2001.



والثانى هو الوعى بالتاريخ العريق للثقافة والحضارة المصرية والافتخار بها. وهو هدفُ وقيمة ليستا محل جِدال وليس فى القول بأن مِصر هى متحف العالم أى مُبالغة. فعلى أرضها شواهد وآثار تدُل على تعاقُب الحضارات على مدى التاريخ، وأن مِصر شاركت فى صُنع هذه الحضارات بدرجات مُختلفة لعل أبرزها الإنجازات المعمارية الخارقة للمصريين القُدماء والتى مازالت محط إعجاب العالم وتقديره. وفى مجال الأديان، يكفى الإشارة إلى مسار العائلة المُقدسة الذى يمتدُ من سيناء إلى بورسعيد فالقاهرة وصولًا إلى جبل فسقام فى مُحافظة أسيوط، أو إلى طريق أهل البيت بشارع الأشرف فى منطقة السيدة زينب، أو إلى تجاور كل من مسجد عمرو بن العاص والكنيسة المُعلقة وكنيس بن عزرا اليهودى فى مساحة أقل من كيلو متر مُربع. وذلك إضافًة إلى اسهام مِصر الثقافى والتعليمى فى العصر الحديث ابتداء من عهد محمد على (1805-1849) والذى كان أبرز نقطة مضيئة فى تاريخ الشرق وقتذاك ثُم استمرت مصر ساحًة مفتوحة للنقاش بين الأفكار والثقافات ومؤثرة على المنطقة العربية. وينبغى أن يكون كُل هذا التاريخ حيًا فى عقول المصريين ونفوسهم ووجدانهم، وأن يكون باعثًا لهُم على النهوض والتقدُم.



والثالث هو الإقرار بالتنوع الثقافى والانفتاح على الآخر. ويعنى هذا الإقرار بأننا نعيش فى عالم مُتعدد الثقافات، وان العلاقة بينها ترتكز على أسس الحوار والنقاش والبحث عن المُشتركات الإنسانية الكُبرى ويتضمن ذلك القبول بالتعددية الثقافية ورفض كُل أفكار الاستعلاء والتمييز ضد الآخرين ونبذ كُل مفاهيم التعصب والتطرف.ويتطلبُ ذلك إعلاء قيم العقل والتفكير العلمى والربط بين الأسباب والنتائج والتخلُص من الشوائب الفِكرية والقيم السلبية التى أصابت ثقافتنا فى عصور التخلف التى تُمثل عقًبة أمام أى تقدُم أو تنمية. وحتى تُصبح هذه القيم حقائق معيشة وليست مُجرد شعارات فإن ذلك يحتاج إلى الانفتاح على الآخرين ومعرفة ما يدورُ عندهُم من جدالات ونقاشات، وهو ما تُوفره اليوم قواعد المعلومات الالكترونية وبنك المعرفة المصري.



ويبقى القول إن أهمية الثقافة كأحد مُكونات التنمية المُستدامة يُساعد من ناحية اولى على توفير البيئة الثقافية اللازمة للاستمرار فى جهود التنمية، فالإنسان هو أداة التنمية وهدفها ولذلك فإن تنمية القيم الإيجابية تُعتبر مسألة مُهمة لا يُمكن إهمالها أو تأجيلها أو الاستغناء عنها. كما انه يُمثل، من ناحية ثانية، قيمة مُضافة للاقتصاد المصرى وذلك من خلال السياحة والصناعات الثقافية والحرف التراثية وكُلها موارد حيوية. وهى من ناحية ثالثة، المصدر الرئيسى لقوة مصر الناعمة والتى تعتبر عنصُرًا مهما فى مكانة مصر الإقليمية والدولية.



ومُناسبة هذا المقال هو الانتهاء من إعادة هيكلة المجلس الأعلى للثقافة، وإعادة تشكيل لجانه التى تضُمُ كوكبة من خيرة المثقفين والخُبراء فى مصر الذين عليهم مسئولية تحويل هذه الأهداف الاستراتيجية إلى مهام وخُطط عمل لكُل المؤسسات المعنية بالثقافة والتعليم والتربية، وتحديد آليات المُتابعة والتقييم، وإحاطة الرأى العام بما تحقق. وتلك مُهمة جد كبيرة.