عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
أزمة سد النهضة وآليات التحرك المصرى
12 مارس 2020
د. محمد سالمان طايع


لقد كانت تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسى حاسمة إبان إعلان فشل وتعثر المفاوضات الجارية بشأن سد النهضة الإثيوبي، وتصاعد الأزمة. حيث علق قائلاً: لا يستطيع أحد أن يقترب من مياه مصر .. وأن مياه مصر موضوع ليس فيه كلام، المياه حياة أو موت لشعبنا. ومن الواضح أن حديث سيادة الرئيس يحمل مؤشرًا على فتح كل الخيارات أمام مصر للرد على السلوك الإثيوبى الممعِن فى التعنت بما يضر بالأمن المائى لمصر.إن تحليل السلوك التفاوضى حول المسائل الفنية، يُوضح أن ثمة قضايا خلافية حالت دون التقاء وجهات نظر الدول الثلاث، وإن كانت الرؤى الفنية والسياسية لكل من إثيوبيا والسودان تتقارب إلى حدٍ بعيد، ما يجعل معادلة المباراة التفاوضية هى «1+2» أى «مصر فى مقابل إثيوبيا والسودان». كما يكشف تحليل المواقف التفاوضية لطرفى المعادلة عن أنها تنطلق من مسلمات تاريخية وحقائق فنية واعتبارات سياسية تمثل بالنسبة لهذه الدول ثوابت سياسية يصعب التحرك خارجها، أو التنازل عنها، أو التفريط فيها. الأمر الذى يجعل من المفاوضات كما لو أنها مباراة صفرية العائد. وبعيداً عن التهويل أو التهوين، نقدم عددًا من المقترحات والآليات لإدارة أزمة سد النهضة.



أولاً: الآليات السياسية: وتتمثل فى: التحرك المصرى السريع والنشيط لبناء شبكة من التحالفات السياسية مع القوى والفواعل الإقليمية والدولية؛ عبر إقامة حزمة من العلاقات مع الدول ذات الأهمية السياسية والاستراتيجية؛ وبحيث تكون تلك التحالفات بمنزلة تحالفات موازية لتلك التى تعمل إثيوبيا على بنائها. ومن الآليات السياسية المهمة أيضًا خلق نوع من المقايضة السياسية حول قضية سد النهضة فى علاقات مصر الدولية؛ بجعل تلك القضية ضمن معادلة المصالح المتبادلة المدرجة على أجندة أى حوار استراتيجى يمكن أن تفتحه مصر مع أيٍ من القوى الكبرى. وذلك على نحو ما تقوم به مصر الآن فى علاقاتها الثنائية مع روسيا. ومن الآليات السياسية, طرح قضية سد النهضة وإثارتها فى مختلف المحافل والمؤسسات الدولية والإقليمية وذلك بالترويج لمقولة إن السلوك الإثيوبى فى أزمة سد النهضة يرسى سابقة فى العمل الدولى بمخالفة القواعد القانونية فى شأن تنظيم الأنهار الدولية، والإساءة إلى دول الجوار؛ وإلحاق الضرر بهم. و يجب ألا نغفل ضرورة العمل على احتواء السودان وكسب تأييده، وتحويل المعادلة التفاوضية إلى «2+1» أى «مصر والسودان معًا فى مقابل إثيوبيا» فتوحيد الجبهة المصرية-السودانية فى التفاوض هو الضمان لقوة واستقرار مصر والسودان والمحافظة على كيانهما.



ثانيًا: الآليات الإعلامية: وذلك من خلال خلق رأى عام إقليمى وعالمى فى مختلف المحافل، وعلى كل الأصعدة الرسمية وغير الرسمية، لتوضيح الشواغل المصرية، ولدعم الحجج المصرية، وبيان منطقية الموقف المصرى الداعى لتأييد الحق الإثيوبى فى التنمية والرخاء والازدهار، والمؤيد لبناء السد ولكن وفق مواصفات فنية لا تلحق الضرر بالمصالح المائية المصرية، وتحفظ الأمن المائى لجميع دول حوض النيل الشرقي، وبما يعزز تفهم المجتمعين الإقليمى والدولى للشواغل المصرية.



ثالثًا: الآليات الاقتصادية: وذلك من خلال البدء فى تنفيذ مشروعات عملاقة وصياغة خطة عمل تنموية مشتركة، تستهدف تحقيق التنمية الشاملة لكل دول حوض النيل وفق مبدأ الربح للجميع. بما يخلق مصالح مشتركة بين شعوب ودول الحوض، تدفع نحو مجالات أرحب للتعاون النيلي-النيلي، وتحول دون توتر العلاقات بينها. ويُقترح فى هذا السياق تشجيع رجال الأعمال ومنظمات المجتمع المدنى لتحفيز الاستثمارات فى هذه الدول، وسرعة البدء فى مشروعات الربط الكهربي، ومشروعات استزراع الأراضى فى دول المنابع وخصوصاً فى كل من تنزانيا والسودان الجنوبى وأوغندا وإثيوبيا. وكذا التحرك لتنفيذ مشروع ممر التنمية وبحيث تستفيد الدول النيلية الحبيسة مائيًا من الإمكانات البحرية واللوجستية من الموانى المصرية، وتستفيد مصر بدورها من الطاقة الكهربائية المتولدة عن سد النهضة.



رابعًا: الآليات القانونية: من خلال آليتين أولاهما: تقديم مذكرتى احتجاج واحدة إلى مجلس الأمن الدولى وأخرى إلى مجلس الأمن الإفريقى فى إطار الاتحاد الإفريقي؛ على اعتبار أن سد النهضة وتداعياته وتبعاته من شأنه أن يهدد السلم والأمن الدوليين، بوصف السد يمثل خرقًا للمبادئ القانونية الدولية المتعلقة بالأنهار الدولية. وثانيتهما: اللجوء إلى محكمة العدل الدولية، من خلال إعمال الاختصاصين الإفتائى والقضائى للمحكمة. فبالنسبة للاختصاص الإفتائي, هو اختيارى ولا يستلزم موافقة كل أطراف النزاع, ويمكن لمصر أن تطلب الرأى الاستشارى للمحكمة، وبالرغم من عدم إلزاميته، بيد أنه يمكن أن يخلق ورقة ضغط جديدة لمصر ضد إثيوبيا. أما الاختصاص القضائى للمحكمة، فإنه يتطلب موافقة كل أطراف النزاع، ويمكن استثمار الموقف فى جميع الاحتمالات؛ فلو امتنعت إثيوبيا عن الذهاب للمحكمة، فإن مصر تستطيع استثمار هذا الموقف من الناحية السياسية والترويج لضعف الحجة الإثيوبية. وفى حالة موافقة إثيوبيا على الذهاب للمحكمة، وصدور قرار منها يؤيد الموقف المصري، فإن ذلك الحكم سيكون حسمًا للخلاف والنزاع.



وفى كل الأحوال، فإنه يتعين تأسيس مجلس أمن مائى ضمن مجلس الأمن القومى المصري، يُناط به تنفيذ تلك الآليات وغيرها مما يمكن أن يُثار بشأن أزمة سد النهضة أو غيرها من القضايا المائية مستقبلاً.