عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
«صبايا مخدة الكحل» يكشف سحر التراث الشعبى
29 فبراير 2020
محمد بهجت
سميرة عبدالعزيز فى صبايا مخدة الكحل


يعد عرض «صبايا مخدة الكحل» من أنجح عروض المهرجان الدولي للمسرح التجريبي حيث فاز بجوائز عديدة وطاف عدة بلدان عربية وأجنبية وبلغ حجم تجاوب الجمهور الألماني مع العرض رغم اختلاف اللغة حدا جعل المخرج انتصار عبد الفتاح يقدمه مرتين علي التوالي في ليلة واحدة لإرضاء الجمهور المزدحم الذي لم تكف القاعة لاحتوائه..



وعندما احتفل المهرجان التجريبي والمعاصر بيوبيله الفضي.. دعا إلي إعادة تقديم خمس مسرحيات ناجحة وشديدة التميز كان من بينها «قهوة سادة» إخراج خالد جلال التي عادت بمعظم نجومها علي المسرح القومي وأحدثت ما يشبه المظاهرة الاحتفالية من الجماهير وأيضا «الطوق والأسورة» إخراج ناصر عبد المنعم والتي كان لعودتها أبلغ الأثر وفازت في مهرجان المسرح العربي في مصر ثم فازت في مهرجان قرطاج كأفضل عرض.. ولم تقدم «صبايا مخدة الكحل» ضمن تلك العروض بسبب انشغال مخرجها في التحضير لمهرجان سماع الذي يعد من العلامات الثقافية البارزة في السنوات الأخيرة ويؤكد تسامح الأديان وتلاقي الإنشاد الكنسي بالابتهالات الصوفية والمدائح النبوية في شكل فني شديد الجاذبية والتألق.. وأخيرا تعود «صبايا مخدة الكحل» لتنال نصيبها من النجاح الجماهيري علي مسرح الطليعة بحضور نجمتها المتألقة سميرة عبد العزيز والتي تؤدي دور الراوية في حكايات الصبايا .. ومن خلفها تكوين بديع يضم عشر فتيات قد تم تدريبهن علي الحركة الجماعية والتمثيل والرقص والغناء فشكلن معا نماذج للفتيات خلف النوافذ ورسمن بالصوت والإيقاع والحركة تفاصيل حكايات الصبايا.. والمدهش في هذا العرض «البوليفوني» هو قدرة انتصار عبد الفتاح أن يقدم فرجة مسرحية شديدة الجاذبية رغم لجوئه لأصعب الأشكال الفنية في مسرح ما بعد الحداثة ولكنك لا تشعر بالغموض والإلغاز كعادة مثل هذه النوعية من العروض.. وإنما تنساب الحكايات من فم الراوية بعذوبة وجمال تضيف إليهما القديرة سميرة عبد العزيز من خبرتها في الأداء الصوتي مذاقا شديد الخصوصية إلي جانب الحوار الأخاذ الذى كتبته الشاعرة كوثر مصطفي فضلا عن الأداء الحركي المتقن والمتميز لأيات محمود وحربي الطائر وشهيرة كمال وآن توماس والذين جسدوا بعدا حركيا للحكايات المروية دون الوقوع في فخ الترجمة الحرفية للكلام وإنما الإضافة البصرية لنص المكتوب .. وبالطبع كان وجود المطربة ستونة التي اشتهرت بالأداء التراثي وظهرت في عدة أفلام ربما من أهمها صعيدي في الجامعة الأمريكية وشاركت النجم محمد هنيدي في أغنية شوكولاتة.. كما أضاف وجود الآلات الشعبية التراثية مصداقية وتأثيرا أكبر علي جمهور العرض واستمتع الحاضرون بأداء كامل يعقوب علي الطنبورة وعبد الله الطنبوري علي «البركشن» وأيضا مشاركة المخرج المبدع انتصار عبد الفتاح بالرؤية الموسيقية وضبط الإيقاع كما هو دأبه في معظم عروضه الفنية .. ورغم بساطة الديكور والملابس واعتمادها علي عناصر رمزية من البيئة الشعبية فقد أبدعت نعيمة عجمى كعادتها في صنع المعايشة لعالم الحكايات والاقتراب من البيئة الشعبية ولكن بمنهج الواقعية السحرية وخطف الأنظار بخطوط ملابسها الأنيقة وألوانها الموحية.. ولعل محاولات انتصار عبد الفتاح الدائمة في المسرح البوليفوني متعدد الصور والمستويات قد وصلت في عرض صبايا مخدة الكحل إلي مستوي جديد من التألق والصدق يجعلنا ننادي بتقديم هذا العرض لزوار مصر من الأجانب ضمن خطط وبرامج تنشيط السياحة فهو عرض يتخطي حاجز اللغة ويصنع سحره الخاص ويمثل البيئة الشعبية المصرية وبخاصة في بعدها الافريقي خير تمثيل.. وهو عرض يضاف إلي رصيد العروض الراقية التي يفخر بها مسرح الطليعة الباحث دائما عن التميز والجودة الفنية سواء فيما يقدمه من عروض شبابية جديدة أو فيما يعيد إنتاجه من كنوز الريبرتوار والتي يزخر بها تاريخ المسرح في مصر.