عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
سكينة.. بضم السين..
22 فبراير 2020
سناء البيسى


سُكينة بضم السين وفتح الكاف اسمها الأصلى آمنة نسبة إلى السيدة آمنة بنت وهب أم رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم، ومن أطلق عليها لقب السكينة والهدوء كان أبوها الإمام الحسين رضى اللـه عنه من فرط إسرافه فى الأنس إليها وإلى أمها الرباب بنت امرئ القيس الكندى فلم يصغ فيهما إلى عتاب شقيقه الحسن حول هذا التمادى فيرد عليه بقوله:



لعــمـرى إننــى لأحـــــب دارًا تضيفها سكينة والربابُ

أحبهــمــا وأبـذل بعــد مـــالى وليس للائمى فيها عتابُ

ولست لهم وإن عتبوا مطيعًا حياتى، أو يُغيبنى الترابُ



السيدة سكينة التى زار مقامها هذا الأسبوع الإعلامى الكبير محمود سعد لينقلنا عبر برنامجه المتفرد المشوق الثقافى الفنى السهل الممتنع (باب الخلق) القريب إلى القلب المحاور للعقل الأريحى العطاء البسيط الأداء النادر التشطير المهادن الفواصل السابح فى مصريته المستغرق فى شعبيته المستضيف للمهرة بلا وهج للحظوة.. تماهى المذيع المخضرم وذاب وجلس وطاف وتلمس الأعطاف وسط الطوافين والمريدين وبلغ أعلى درجات لقاءات اليقين الممتزج بنشوة الإعجاب سردًا ووصفًا ومدحًا وتقريظًا للذكريات العطرة لبنت الحسين الأديبة الذواقة الناقدة العالمة بدقائق اللغة وخصائص الدين، التى أجازت الشعراء والأدباء والعلماء وأجزلت لهم واستضافتهم وشجعتهم، وكانت قد دخلت مصر لأول مرة فى صحبة عمتها السيدة زينب رضى اللـه عنها بعدما أمر يزيد بتفريق البقية الباقية من أهل البيت فى الأقطار والأمصار بعد مقتل الحسين رضى اللـه عنه، فاختارت السيدة زينب مصر دارًا لإقامتها لما سمعته عن أهلها وحبهم لآل البيت ولم يكن قد قضى على مأساة كربلاء ستة أشهر وأيام..



وعادت سكينة بنت الحسين بعد وفاة عمتها للحجاز لتشد الرحال مرة أخرى لمصر عندما خطبها الأصبغ بن عبدالعزيز بن مروان أمير مصر، وبينما هى فى طريقها إليه إذ بلغها أنباء جوره وفجوره فأقسمت ألا تكون له زوجة أبدًا، واستجاب لها اللـه، فما أن وصلت إلى «منية الأصبغ» فى مصر حتى كان قد مات قبل أن يراها، وهكذا انتقلت من منية الأصبغ إلى دارها، التى بقيت فيها إلى حين وفاتها، لتغدو بعدها الدار ـ إلى اليوم ـ مشهدًا ومسجدًا، وقد جدده عبدالرحمن كتخدا، وبعده وزارة الأوقاف، قريبًا من مسجد السيدة نفيسة، ومسجد السيدة رقية رضى اللـه عنهما، وقد دُفن فى ضريح السيدة سكينة بمصر عند باب المشهد الشريف حيدرة بن ناصر الذى صلى عليه الخليفة المعز لدين اللـه الفاطمى...



ومن بعد سكينة جاءت إلى مصر عمتها نفيسة بنت زيد الأبلج، وتتابع دخول آل البيت إلى مصر أرض الصدق والحب والأمان والملاذ الحاضن..



هذا التبتل من ابن سعد الذى دعاه ليلف رأسه بالحرام الصوفى ويتجول حافيًا فى رحاب ضريح بنت ابن بنت النبى.. مسنى.. هزنى.. لمسنى.. استنفر مشاعرى تجاه آل البيت لتدور حول سُكينة بضم السين وفتح الكاف التى نلتقيها كل يوم خمس مرات فجرًا وظهرًا وعصرًا ومغربًا وعشاءً.. فى الفروض وفى السنن وفى النوافل وفى الضحى والدعاء وفوق حبات المسابح وفى قيام الليل والاستخارة وصلوات الشكر والابتهال والاستسقاء.. لقاء قال عنه الإمام الشافعي:



يا أهل بيت اللـه حبكمو فرض من اللـه فى القرآن أنزله

يكفيكمو من عظيم القدر أنكمو من لم يصل عليكم لا صلاة له



لقاء الصلاة على قوم عظّمت السماء شأنهم وأعلت الشريعة قدرهم وخلّد القرآن ذكرهم ونزل الوحى فى بيوتهم وزارت الملائكة رحابهم وجرت دماء النبى فى عروقهم وقال عنهم الرسول الكريم لسيدنا عليّ كرم اللـه وجهه: «خُلقت أنا وأنت من شجرة أنا أصلها وأنت فرعها والحسن والحسين أغصانها فمن تعلق ببعض منها أدخله اللـه الجنة».. سُكينة بضم السين وفتح الكاف التى قال الرسول عن أبيها «حسين منى وأنا من حسين وأحب اللـه من أحب حسينًا».. و«اللـهم إنى أحبه فأحبه وأحب من يحبه» ويثقل عليه المرض ليغص البيت النبوى بمن فيه فيقول صلوات اللـه عليه وسلامه «ادعو لى الحسن والحسين» فجاء بهما والداهما فجعل يلثمهما حتى أغمى عليه فرفعهما علىّ بعيدًا ففتح النبى عينيه قائلا له: «دعهما يتمتعان منى وأتمتع منهما فإنهما سيصيبهما بعدى أثرة»،



وجاء قوله عليه الصلاة والسلام: «أيها الناس إنى خلفتُ فيكم كتاب اللـه وسنتى وعترتى فالمضيّع لكتاب اللـه كالمضيع لسنتى والمضيّع لسنتى كالمضيع لعترتى أما إن ذلك لن يفترقا حتى اللقاء على الحوض»، ويأتى قول اللـه على لسان نبيه الكريم: «قل لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة فى القربى»، ويأتى الرسول صلى اللـه عليه وسلم إلى بيت علىّ ليقول: «السلام عليكم أهل البيت ورحمة اللـه وبركاته، إنما يريد اللـه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا»، وقوله «ينقطع يوم القيامة كل سبب ونسب إلا سببى ونسبى»..






وعن علىّ رضى اللـه عنه قوله: «شكوت إلى رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم حسد الناس لى فقال: أما ترضى أن تكون رابع أربعة هم أول من يدخل الجنة: أنا وأنت والحسن والحسين، وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا، وذرياتنا خلف أزواجنا»، وقوله صلى اللـه عليه وسلم: «والذى نفسى بيده، لا يؤمن عبد حتى يحبنى، ولا يحبنى حتى يحب ذريتى».

زائر سكينة حملتنى زيارته الحميمة لزيارتها على أرض الواقع وبين السطور لأجدها فى طفولتها اللاهية لم تكن تعى ما كابد آلها من هموم بمقتل جدها الإمام علىّ بسيف ابن ملجم فى أول سنة 40 هـ، أى قبل مولدها بسبع سنوات، ليلحق به عمها الحسن الذى كان قد تنازل عن الخلافة لمعاوية حقنًا لدماء المسلمين وارتيابًا فى ولاء العراق خاصة وقد سمعت عمن سأل عن حكم «دم البرغوث» هل ينقض الوضوء فأجابه من سئل من أى البلاد أنت؟ فقال: من العراق، فقال له: عجبًا لكم يا أهل العراق تقتلون ابن بنت رسول اللـه ولم تسألوا عن حرمة دمه وتسألون عن حرمة دم البرغوث!!



وكانت سكينة فى الثالثة عندما دارت الهمسات بأن الحسن قد مات مسمومًا بتدبير زوجته «جعدة بنت الأشعث بن قيس» مع بنى أُمية على طمع فى الزواج بعدها من يزيد بن معاوية، ويومها قال الحسن: «لقد سقيت السم مرات، ولكنى لم أسق سمًا أشد علىّ من هذا الذى سقيته هذه المرة حتى لفظت فى الليل قطعة من كبدى»، ويومها وقف أبوهريرة ينادى بصوت أجش من بين دموعه: يا أيها الناس مات اليوم حِبّ رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم... ويبايع والدها الحسين هو الآخر معاوية حتى لا تكون فتنة ليجلس بعدها فى مسجد جده بالمدينة يروى الحديث ويُفسّر أمور الدين ليتحلق من حوله المسلمون الذين يجدون فيه نفحات من نبيهم الكريم.. ولا تستقر الأحوال، فمعاوية فى دمشق على بعدها يظل ضامرًا جمرة المؤامرة ونسج خيوط الفتنة التى خضبت العالم الإسلامى الكبير بدماء القتلى والشهداء.. ولم يزل الشرخ الكريه للآن يبتلع أرواحًا متأرجحة تعبث بها رياح التعصب المدمر.



فى بيت سيدنا الحسين كانت هناك زوجات وأبناء.. الزوجة الرباب بنت امرئ القيس بن عدى التى أنجبت عبداللـه وسكينة، وليلى بنت أبى مرة بن عروة بن مسعود الثقفى التى أنجبت عليّا الأكبر، وسلاّمة بنت يزدجرد آخر ملوك الفرس التى أنجبت عليّا الأصغر (زين العابدين) وكانت قد سبيت مع أختين لها فى فتوح بلاد الفرس فجىء بهن إلى عُمر بن الخطاب مع بقية السبايا فأمر ببيع الجميع، لكن الإمام علىّ تدخل لإعفائهن من الموقف الأليم ودفع ما طلب منه فيهن ليختار لهن ثلاثة من شباب قريش الأفاضل الأولى لابنه الحسين وقد ولدت له عليّا الأصغر، والثانية لمحمد بن أبى بكر الصديق الذى ولدت له القاسم، والثالثة لعبداللـه بن عُمر فولدت له سالمًا،



وكان زين العابدين أكبر من أخته سكينة بنحو عشر سنوات فأدرك مقتل الجد الإمام علىّ ثم استشهاد الحسين الأب وآل البيت فى كربلاء ليغدو بعدها من أشهر البكائين فى التاريخ الإسلامى، وجاءت كنيته الأصغر تمييزًا عن أخيه علىّ الأكبر ابن الزوجة ليلى بنت أبى مرة بن عروة بن مسعود الثقفى الصحابى الجليل، أما الأخ الرابع لسكينة فاسمه جعفر وأمه من قبيلة «بَلىِ» من قريش، وأخته لأبيه «فاطمة» ست الحسن والجمال التى ورثت خشونة المعاملة من أمها «أم اسحاق» التى كانت قد تزوجت من الحسن بن على بن أبى طالب لتلد له ابنه «طلحة»، لتتزوج بعدها من الحسين لتلد فاطمة، ولعل زواجها بالشقيقين ما أكسبها جفوة وصرامة فى تعاملها مع زوجها الثانى الحسين ليقول عنها: «واللـه لربما حملت منى ووضعت وما تكلمنى»..



وبهذا فإن إخوة السيدة سكينة هم: «عبداللـه» شقيقها، و«على» الأكبر، و«على» الأصغر، و«جعفر» و«فاطمة»، ويرى القوم أن الحسين فى ذلك مقل فى الخلفة حتى ليقال إنه من العجب أن يكون له ولد وما رُئى إلا عاكفًا على العبادة والجهاد..



فى الطريق إلى المذبحة.. كربلاء.. خرجت مكة كلها تشيع الحسين بعدما أتته بيعة نفاق من العراق قوامها أربعون ألف رجل، وحاول الكثيرون أن يحولوا دون استصحابه لآل بيته محذرين: «إن أهل العراق هم الذين قتلوا أباه وأخرجوا أخاه، وذكروه برأى الإمام الشهيد فيهم، لكنه أبى قائلا: «لم أخرج مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح فى أمة جدى.. آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر..»، وكان الوداع للركب الحسينى فى طريقه المحفوف بالمكاره خاصة وأن رعونة يزيد وجبروت سلطته لن تدع الحسين يفلت سالمًا فليس له حلم أبيه معاوية أو نضج خبرته.. وعلى مشارف العراق يلتقى الجيشان.. جند العراق ألف مقاتل فى تزايد والركب الحسينى لا يتجاوز بضعة وسبعين من آل البيت وأصحاب الحسين..



فى ليلتهم الأولى يطوف الحسين بمخيم النساء، حيث السيدة زينب أخت الحسين، وزوجه الرباب بنت امرئ القيس، وبنتاه سكينة وفاطمة.. نظر إليهن الحسين ثم قال: إذا قتلت فلا تشق إحداكن علىّ جيبًا، ولا تخمش وجهًا، ولا تقل هجرًا.. ورنا إلى سكينة الباكية ليقول: سيطول بعدى عنك يا سكينة، فهلا ادخرت البكاء لغدٍ.. وما غدُ ببعيد.. وزاد عدد حملة السيوف التى تدفقت من الكوفة حتى بلغت ـ فى بعض الروايات ـ عشرين ألفًا!.. وتنزع سكينة من خيمتها عنوة لإجبارها على مشاهدة الأشلاء.. الأب والأعمام والأخ الشقيق عبداللـه وأخواها لأبيها علىّ الأكبر وجعفر وأولاد عمها أبى بكر وعبداللـه والقاسم وبنى العم والدماء الطاهرة الزكية فيضان تطفو على سطحه قطوف الرياحين الذبيحة.. الكل قتلى مرة واحدة فى يوم تعس واحد تاريخه المقيت التاسع من محرم سنة 61هـ.. جسد الشريف الحسين تلقى من طعنات الغدر ثلاثًا وثلاثين طعنة، ومن ضربات الغل أربعًا وثلاثين.. سكينة الملتاعة انتزعوها بقسوة ليلحقوها بركب السبايا ويُساق الركب المكلوم للكوفة ليعلو صوت نحيبها:



إن الحسين غداة الطفِّ يرشقه

ريب المنون فما إن يخطئ الحدقة

بكـــف شـــرّ عـــباد الـلـه كــلهم

نسل البغايا وجيش المرقة الفسقة



ويجاوبها عويل الرباب أمها الأرملة الثكلى التى ماتت كمدًا على الزوج بعد عام واحد:

إن الذى كـان نـورًا يستضاء به بكربلاء قـتيل غـير مـدفــون

سبط النبى، جزاك اللـه صالحة عنا جُنِّبت خسران الموازين

قد كنت لى جبلا صعبًا ألوذ به وكنت تصحبنا بالرحم والدين

من لليتامى ومن للسائلين ومن يُغنى ويؤوى إليه كل مسكين



بنات النبى سبايا ممزقات الجيوب حواسر الوجوه يتقدمهن حملة الرءوس الطاهرة على أسنة الرماح.. رأس الحسين وثمانية وسبعون من إخوته وبنيه وبنى أخيه وأبناء عمومته وأصحابه.. ولا ينجو من المذبحة سوى علىّ بن الحسين زين العابدين الذى خبأته عمته زينب مريضًا فى حضنها.



ورغم كل ما قيل عن عدد أزواج السيدة سكينة، فحقيقة الأمر أن ابنة الحسين التى تلاحقت من حولها الأحداث الجسام متدافعة نحو ذروة الفاجعة لم تكن متفرغة لمسائل الزواج، فهناك والدها الذى ما كان يأنس إلا بها ولا يستريح إلا إليها.. فى التواريخ المتناقضة المتنافرة المتضاربة غير المقبولة عقلا، يزوجها الأصبهانى وابن سعد فى الطبقات والذهبى وفى دائرة المعارف والأغانى للأصفهانى من أربعة إلى خمسة أزواج، وفى صفحة واحدة من الأغانى كمثال تقرأ أربع روايات متناقضة متضاربة سردها أبوالفرج متتابعة، ثم لا شىء أكثر من هذا السرد، وفى الترجمة العربية لدائرة المعارف الإسلامية تلد سكينة لمصعب بنتا تتزوج من عمها شقيق مصعب ــ والأم رباب التى أهلكها الحزن على زوجها الحسين فماتت بعده بعام واحد ــ تُبعث على صفحات الأغانى لتشهد مصرع مصعب بعد سنة 70هـ، وترفض زواج بنتها سكينة من قاتله!!!



وهنا لنا وقفة بقراءة نقدية نجد أن رحلة زواج سكينة لم تبدأ إلا بمصعب ابن الزبير الذى تزوجته بعد مقتل أبيها الإمام وهى فى عنفوان الصبا، وان زواج مصعب منها أمنية قديمة لديه يرويها كتاب «عيون الأخبار» من أن أربعة من رجالات قريش هم «عبداللـه بن عمر، وعروة بن الزبير، ومصعب بن الزبير، وعبدالملك بن مروان، اجتمعوا بفناء الكعبة، فقال لهم مصعب: تمنّوا.. فقالوا: (إبدأ أنت).. فقال: ولاية العراق، وزواجى من سكينة بنت الحسين، ومن عائشة بنت طلحة بن عبداللـه، وتمنى عروة بن الزبير أن يكون راوية للحديث، وتمنى عبدالملك الخلافة، وتمنى عبداللـه بن عمر الجنة، ونال مصعب أمنيته الأولى بزواج عائشة غادة قريش الجميلة التى خلد اسمها شعراء الحجاز ومنهم عمر بن أبى ربيعة فى قصائد رددتها المغنيات، والتى شاع فيها كلمة أبى هريرة عندما رآها لأول مرة: «سبحان اللـه، كأنها من الحور العين»..



وكانت عائشة قبل ارتباطها بمصعب قد تزوجت من عبداللـه بن عبدالرحمن بن أبى بكر الصديق الذى صبر على شراستها حتى مات كمدًا فما فتحت فاها عليه حزنًا رغم أنه كان قد أنجب منها أربعة بنين.. وما أن غدت أرملة حتى أرسل مصعب إليها المغنية المشهورة عزة الميلاء الخبيرة بشئون النساء لتختبر جمالها بعدما أثقلتها الأيام بأعباء الحمل والولادة، فعادت إليه لتقول: «واللـه ما رأيت مثلها مقبلة ومدبرة، نقية الثغر وصفحة الوجه، فرعاء الشعر لفّاء الجسم، ممتلئة الصدر خميصة البطن.. ولكن فيها للأمانة عيبان: أولهما يواريه الخمار والآخر يواريه خفّ القدم وهما: عظم الأذن والقدم.. ولم يجد مصعب فى العيبين مانعًا فأقدم على الزواج بعائشة بمهر قدره خمسمائة درهم وأهدى الميلاء مثلها..



ولأنه كان قد تسلم ولاية العراق والآن تزوج من عائشة بنت طلحة فلم يبق أمامه سوى تحقيق أمنيته الثالثة: زواج سكينة ليجمع ما بين جميلتى زمانه.. ويترك مصعب أخبار دلال عائشة تلوكها الألسن كنوع من التباهى ومنها أنه دخل عليها يومًا وهى نائمة ومعه ثمانى لؤلؤات قيمتها عشرون ألف دينار، فنبهها ونثر اللؤلؤ فى حجرها، فقالت بدلال وهى تشيح بوجهها غاضبة: نومتى كانت أحب إلىّ من هذا اللؤلؤ.. ويمنح مصعب للشعبى عشرة آلاف درهم وثلاثين ثوبًا مكافأة ليحكى عن جمال عائشة بعدما سمح له برؤيتها من خلف الأستار..



والآن وقد بلغه أن سكينة قد كفت عن الزهد والعزوف عن الزواج فشد رحاله إلى المدينة ليتقدم خاطبًا إلى أخيها زين العابدين عليّ بن الحسين يطلب مصاهرته.. وقبل كـلاهما.. ابن الحسين وسكينة ليقدم لها مصعب ألف ألف درهم صداقًا ويزيد عليها أربعين ألفًا لشقيقها، وكان ذلك معدله فى الصداق مثلما أعطى من قبل عائشة بنت طلحة.. ويضيق الناس بالإسراف ليكتب الشاعر السلولى أبياتًا تقول:



أبلغ أمير المؤمنين رسالة من ناصح لك لا يريد خداعًا

مهر الفتاة بألف ألف كامل وتبيت سادات الجنود جياعًا

ولو لأبى حفص أقول مقالتي وأبث ما أنبأتكم لارتاعا



وأبو حفص هو عمر بن الخطاب، وكان مصعب يومها أميرًا على البصرة، فبعث إليه أخوه عبداللـه بن الزبير يعزله ويستدعيه إليه ليُؤنبه.. وتسافر العروس إلى العراق لتلقى ضرتها عائشة فى بيت مصعب لتخرسها بلقب «ذات الأذنين» ولا يلمس الزوج قدر عواطف سكينة تجاهه إلا فى موقف وداعه لها عند ذهابه للقتال عندما تصرخ من خلفه: «واحزناه عليك يا مصعب».. فيعود إليها يسألها بلهفة: «أكان كل هذا لى بين جوانحك؟!» فتجيبه: «أجل.. وما خفى أعظم..».



فى قصر الإمارة بالكوفة تنتفض بنت سيد الشهداء حزنًا.. ويحهم ها هنا.. غدروا بجدها الإمام، ثم يتموها صغيرة، والآن رملوها شابة.. ويسألها المعزون من أهل الكوفة الصبر فترد: «اللـه يعلم أنى أبغضكم، قتلتم جدى عليّا، ذبحتم أبى الحسين، وطعنتم زوجى مصعبًا.. يتمتمونى صغيرة ورملتمونى كبيرة.. وخرجت سكينة من العراق جميعها..



وإذا بزواج جديد فى الطريق ـ كما جاء فى كتاب الأغانى ـ من الأصبغ بن عبدالعزيز بن مروان، شقيق عُمر بن عبدالعزيز رضى اللـه عنه وكان واليًا على مصر قام ببناء مدينة لها اسماها الأصبغ وانتظر الرد فأتاه الرد من عمه عبدالملك الذى كتب إليه يخيره بين إحدى اثنتين: ولاية مصر، أو الزواج من بنت الإمام الحسين فيستجيب الأصبغ للخيار الأول، وغالبًا ما تغيب الإشارة عن مثل هذا الزواج أو الخطبة أو الصداق فى كتب المؤرخين الثقاة، كمثل التوسع فى سرد قصة زواجها من عثمان بن عبداللـه بن حكيم بن حزام الذى مات عنها لتترمل مرة أخرى بعدما أنجبت له صغيرتها ربيحة التى كانت تزينها بالدر..



ويأتيها خاطب جديد هو «زيد بن عمرو بن عثمان بن عفان» الذى يسألها قبوله زوجًا بأى شرط تشاء فاشترطت: أولا ألا يمس امرأة سواها، ثانيًا ألا يحول بينها وبين شىء فى ماله، والثالث ألا يمنعها من الخروج إلى أى مكان تريد، فإن أخلّ بأحد هذه الشروط فهى منه حرة.. وكانت سكينة قد بلغت الأربعين فى هذا الوقت، ورغم غرابة الشروط فهى جائزة شرعًا.. ويقبل زيد شروطها فينزل عن حريته وعن ماله وقد اشتهر ببخله، وعن مهابته ولو كان حفيد ذى النورين أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وتروى النوادر حول زواج «أبخل قرشى» من الهاشمية الكريمة وتتضارب الآراء فى صدق الحكايات التى تنتهى بالطلاق.



سكينة التى تجالس الأعيان من رجالات قريش، ويجتمع لديها الشعراء، وتصغى إلى المغنين، وتسيطر على المجتمع الأدبى دون أن تتخلى عن اعتزازها بمنزلتها العالية، أو يزايلها وعيها لموضعها من بيت النبوة، عرف عنها اعتزازها بجمالها وأناقتها، وطرتها السكينية المبتدعة، وفى وصف شجاعتها أن ظهرت أسفل عينها ندبة ظلت تتسع حتى انتشرت على جانب وجهها وعينها، وكان من مواليها مولى رومى يدعى «درافيس» ذو خبرة بالطب والجراحة، فشكت إليه ما يكاد يشوه جمالها فسألها إذا ما كانت تصبر على الألم حتى يعالجها فأجابته بلا تردد: الآن..



فشق درافين جلد وجهها حتى ظهرت عروقها وكان الورم تحت الحدقة، فنفذ إليه وهى لا تئن حتى فرغ وبرئت منه ليترك أثرًا أصبح من علامات جمال وجهها، ومن تحكمها فى عواطفها وهى ترمى الجمرات لما سقطت من يدها الحصاة السابعة رمت خاتمها الثمين بدلا من الحصاة، ومن نوادر ظرفها ما كان يتناقله المجتمع حتى أن عُمر بن عبدالعزيز رغم صرامته ووقار هيبته ظل يضحك لإحدى نوادر سكينة حتى يمسك بطنه وهو يومئذ وال على المدينة، وكانت تستدعى «عزة الميلاء» لتغنيها القصائد وتمنحها الأساور الذهبية، وتقيم الولائم لأصحاب الأصوات الجميلة ليغنوا على سطح دارها، حتى لقد اجتمع الكثيرون ليسمعوا المطرب «حنين» فسقط الرواق على من تحته وأخرجوا سالمين لكن حنين مات تحت الردم.



ولأنهم الرجال الذين قاموا بكتابة فنون تاريخ العرب فإنهم قد قصروا المجال الفنى للمرأة العربية على الرثاء وقلّ إن اعترفوا بها شاعرة غير راثية.. فعلوها مع الخنساء ومع ستين شاعرة أخرى، وفعلوها مع الرباب بنت امرئ القيس أم السيدة سكينة عندما قالوا إنها شاعرة، لكنهم لم يحفظوا لنا من شعرها سوى بضعة أبيات فى رثاء الحسين زوجها.. على أن التاريخ الأدبى وإن أسقط شعر سكينة فى غير الرثاء، فقد اعترف بها ــ كما تؤكد الدكتورة بنت الشاطئ فى مؤلفها عن الشاعرات العربيات ــ اعتز بمكانتها السامقة التى لم يعترف بمثلها لغيرها فى مختلف العصور حين ألقى إليها مقاليد الحكم بين أمراء الفن فى الشِعر والغناء،



حيث أُقرّ لها واعتُرف بها على عرش السيطرة الأدبية على عصرها فى مجال النقد الأدبى حين فرضت عليه شخصيتها الفريدة، وبهرته بذوقها الفنى الأصيل الذى هيأ لها أن تكون ذات بصر دقيق بفن القول، وفقه لبيان العربية فى التعبير، وكانت الأصالة هى الطابع المميز لها ذوقًا وحسًا، بعدما كانت الطابع المميز لها نسبًا وجمالا وأناقة، ولقد اجتمع لديها فى ضيافتها أيامًا كل من فطاحل الشعراء مثل جرير والفرزدق وكُثيِّر ونصيب فقعدت حين تراهم ولا يرونها، وتسمع كـلامهم، ثم أخرجت وصيفة لها قد روت الأشعار والأحاديث، فقالت: أيكم (الفرزدق)؟ فقال لها: هاآنذا، فرددت قصائده ناقدة محللة عاتبة على إفشاء أسرار الحبيبة، ثم منحته ألف دينار ليلحق بأهله، وكذلك فعلت مع الشاعر (جرير) الذى شرحت له نقاط الضعف فى قصيدته، ومنحته ألفًا ليلحق بسابقه، وسألت بعدها عن الشاعر (كُثَيِّر) لتسمعه أبياتًا من قصائده أعجبت بها ومنحته ثلاثة آلاف ثم صرفته، وسألت عن الشاعر نُصيب لتقرأ قصيدته وتنقده وتمنحه الألف، وبعدها الشاعر «جميل» الذى أسمعته بيتين من شعره قال فيهما:



ألا ليت شعرى هل أبيتن ليلة بوادى القرى إنى إذ السعيد

لكــل حــديث بينهن بشـاشة وكــل قــتيل عــندهن شـهـيد



فقامت سكينة بنقده لأنه جعل حديثهن صخبًا وقتلاهن شهداء إلا أنها منحته الألف دينار.. لقد كانت واعية للشِعر حافظة تعرف مآخذ الشعراء وتقسو فى محاسبتهم على عثراتهم.. ويمتد العمر بالسيدة سكينة حتى تشارف العقد الثامن من حياتها لترحل فى سنة 117هـ ومولدها فى 47هـ، تاركة من بعدها كلمة الحق فى كل ما يروى عنها أمانة فى ضمير التاريخ..



ويحضرنى فى هذا السياق عندما سافرت إلى قبرص وتلقيت دعوة لزيارة ضريح السيدة حليمة مرضعة رسول اللـه فى العاصمة نيقوسيا، لأجد المحيطين يتبتلون حول المشهد الذهبى، وحين بدا ارتيابى فى حقيقة صاحبة الضريح، أخرجنى من حيرتى مسئول الضريح بقوله: ليس هناك ما يمنع من أن تكون هناك قبلة وجدانية تتجمع حولها أفئدة المريدين فى كل مكان..



ومن هنا تكثر السكينات.. سكينة بالمدينة ـ التى تأخر فى الصلاة عليها والى المدينة خالد بن عبدالملك فقام بتأجيل الصلاة حتى العصر ثم العشاء وعندما حلت العتمة غلب الناس النوم فأمر عليّ بن الحسين من جاءه بطيب فأتى بالمحاجر والبخور والطيب والعود بأربعمائة دينار ليوقدوها حول النعش ليصلوا عليها مع الفجر دونما يأتى والى المدينة ـ وسكينة أخرى بالشام، وثالثة بنت على زين العابدين بن الحسين، وسكينة التى أنجبتها أمها سكينة من زوجها مصعب والتى زوجتها من شقيق مصعب وتوفيت فى سن مبكرة، ولم تذكر دائرة المعارف فى الترجمة العربية مراجعها، التى يرجح أنها نقلتها عن كتاب «الأغانى» مع تحريف فى النقل يجعل بنت مصعب تتزوج من عمها شقيق مصعب وهو غير مقبول شرعًا،



وعمومًا كثيرًا ما يحدث اللبس لما تعوده أهل البيت رضى اللـه عنهم من تكرار الاسم الواحد فى البيت الواحد مرتين وثلاث مرات، من قبيل التبرك والتيمن، ويكون من الحظ التمييز بلفظ الأكبر أو الكبرى، والأوسط أو الوسطى، والأصغر أو الصغرى، أو بالألقاب أحيانًا نحو: الصادق والأبلج والمحصن والمؤتمن، أو بنحو قولهم: المثنى والمثلث.. واللـه أعلم.. رضى اللـه عنهم جميعًا.



كيف نام هؤلاء تلك الليلة؟

كيف نام معاذ بن جبل تلك الليلة؟

عندما قال له الحبيب صلى اللـه عليه وسلم «واللـه يا معاذ إنى لأحبك».



كيف نام عبداللـه بن أويس تلك الليلة؟ عندما أعطاه الحبيب صلى اللـه عليه وسلم عصاه وقال له «بها أعرفك فى الجنة».

كيف نام بلال تلك الليلة؟ عندما قال له الحبيب صلى اللـه عليه وسلم «إنى أسمع دف نعليك فى الجنة»

كيف نامت خديجة تلك الليلة؟ بعدما قال لها الحبيب صلى اللـه عليه وسلم «إن جبريل.. يقرئك من اللـه السلام».

كيف نام أبوبكر تلك الليلة؟ لما تنزل أمين الوحى جبريل على خير البرية وقال له إن اللـه يقول لك «أبلغ صاحبك أنى راض عنه فهل هو راض عنى».

كيف نام أبى بن كعب تلك الليلة؟ بعدما قال له الحبيب صلى اللـه عليه وسلم: «إن اللـه أمرنى أن اقرأ عليك بعضًا من القرآن»، فقال أبى: آاللـه سمانى لك؟ فقال له الحبيب صلى اللـه عليه وسلم: نعم، فبكى وبكى وبكى.



كيف نام هؤلاء؟!

أخبرونى باللـه عليكم، بل كيف عاشوا بعدها..



وتشاء أنت من البشائر قطرة

ويشاء ربك أن يغيثك بالمطر

وتشاء أنت من الأمانى نجمة

ويشاء ربك أن يناولك القمر

وتشاء أنت من الحياة غنيمة

ويشاء ربك أن يسوق لك الدرر

وتظل تسعى جاهدًا فى همة

واللـه يعطى من يشاء إذا شكر

واللـه يمنع إن أراد بحكمة

لابد أن ترضى بما حكم القدر



يقول ابن القيم: «مهما بلغ تقصيرك فى العبادة، فلا تفرّط فى حسن الخلق، فقد يكون مفتاحك لدخول أعالى الجنان، أتظن أن الصالحين بلا ذنوب؟! إنهم فقط: استتروا ولم يُجاهروا، واستغفروا ولم يصّروا، واعترفوا ولم يبرروا، وأحسنوا بعدما أساءوا.. قيل لأحد السلف: كيف أنت ودينك؟ قال: تمزقه المعاصى، وأرقعه بالاستغفار.. ما أبلغ السؤال، وما أعمق الإجابة!



أيذكرنى وأنساه!

وليس الحب إلا هو..

وهل للقلب من أحد إذا ما الذنب أضناه

بصمت الليل يحفظنى ويرعانى بعيناه

وأدعوه فيسمعنى وتغرقنى عطاياه

رحيم ليس يتركنى إذا ما قلت أوّاه

قريب لست أدركه ولا تُدرَك خفاياه

وفى سمعى وفى بصرى دليل أنه اللـه

وأناجيه على خجل وأرجوه وأخشاه

وأدعوه ليرحمنى فيدركنى برحماه

لطيف لا يؤاخذنا وإن نحن عصيناه

رءوف لا يقطعنا وإن نحن قطعناه



هو اللـه.. هو اللـه.. وما للروح إلا هو.. «ابن القيم»