عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
دولة التلاوة القرآنية فى مصر
18 فبراير 2020
فتحى محمود


عندما وصل الشيخ عبد الباسط عبد الصمد إلى مطار حلب فى 31 مايو 1956، كانت الجماهير الغفيرة فى استقباله، وخرجت سيارته من المطار فى موكب كبير ضم أكثر من مائة سيارة، وحسب وصف جريدة صوت العرب السورية فإن هذا اليوم تحول إلى عيد، واكتظ الجامع الأموى الكبير بآلاف الرجال والنساء فى مشهد لم يحدث منذ عهد الأمير سيف الدولة الحمدانى (915 ــ 967م) للاستماع إلى الشيخ عبد الباسط وهو يتلو القرآن الكريم.



هذا المشهد تكرر فى كثير من دول العالم خلال الزيارات التى يقوم بها أساطين دولة التلاوة بمصر من كبار مقرئى القرآن الكريم إلى تلك الدول، واصبحت اسماء مثل الشيخ مصطفى إسماعيل والشيخ عبد الباسط عبد الصمد والشيخ محمود خليل الحصرى وغيرهم الكثير ممن تربعوا على عرش دولة التلاوة رأس حربة لقوة مصر الناعمة على مدى عقود طويلة، تستقبلهم الجماهير فى دول العالم المختلفة استقبال الفاتحين، ويمنحهم الزعماء الأوسمة والنياشين، حتى سادت مقولة إن القرآن نزل فى مكة وقرئ فى مصر. وباتت دولة التلاوة جزءا من الهوية المصرية، حتى شهدت السنوات الأخيرة ظهور عدد من الفضائيات العربية المتخصصة فى بث التلاوات القرآنية بأصوات غير مصرية، وانتشرت تلك الأصوات عبر الوسائط الإعلامية المختلفة مدعومة بإمكانات مادية ضخمة، فسيطرت على آذان قطاعات لا يستهان بها من الجمهور المصرى، وبتشجيع من العائدين من العمل فى بعض الدول العربية، رغم التزام هؤلاء المقرئين ببعض طرق التلاوة غير المنتشرة فى مصر، والتى لم يكن يستخدمها عادة المقرئون المصريون، ولم تستطع إذاعة القرآن الكريم الدفاع عن دولة التلاوة فى مصر بعد أن تسللت إليها الإعلانات وتقلصت مساحات قراءة القرآن، كما بات اعتماد الجمهور على الفضائيات أكثر من الإذاعة حتى لو كان الهدف هو فقط سماع تلاوات القرآن الكريم. ولذلك فإن من حقنا الاحتفاء بنبأ إطلاق الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية فضائية جديدة تحمل اسم: مصر قرآن كريم، لتعرض تلاوات القرآن الكريم لأشهر الأصوات المصرية التى تربت على أيديها أجيال كاملة فى العالم الإسلامى، خاصة أن القناة الجديدة ستكون بوابة لاكتشاف أصوات جديدة فى قراءة القرآن والإنشاد، وستخلو من أى خريطة برامجية ليكون البث بالكامل خاصا بآيات الذكر الحكيم فقط. إن هذه الخطوة تمثل جزءا مهما من عملية استعادة الهوية المصرية والحفاظ عليها، ودعما كبيرا لدولة التلاوة ودورها الريادى على رأس القوة الناعمة المصرية، وهو أمر نحتاجه الآن بقوة فى ظل التحديات التى واجهتها الهوية المصرية بأشكال مختلفة خلال العقود الأخيرة، سواء بتغلغل ثقافات أخرى فى بنية المجتمع المصرى مدعومة بتمويل خارجى، أو نتيجة تأثر بعض المصريين بعملهم سنوات طويلة فى بيئات أخرى تحمل ثقافة مختلفة حتى لو كانت تنتمى لنفس الدين واللغة، أو بسبب ثورة التكنولوجيا والاتصالات الحديثة التى حولت العالم بكامله إلى قرية صغيرة، وشاعت فكرة الهوية المفتوحة كإحدى نتائج العولمة التى اعتبرها البعض استعمارا ثقافيا بديلا للاستعمار التقليدى.



إن بث هذه الفضائية الجديدة يأتى قبل أسابيع قليلة من الاحتفال بذكرى تأسيس إذاعة القرآن الكريم التى بدأت البث يوم 25 مارس عام 1964، كأول إذاعة دينية متخصصة فى العالمين العربى والإسلامى، وجاء قرار إنشائها وسط تحديات مشابهة أيضا تواجه الهوية الإسلامية والعربية، عندما اكتشف بعض علماء الأزهر نسخاً محرفة من القرآن الكريم فى بعض الدول الإفريقية، مع ضياع بعض التسجيلات المهمة للمقرئين لبعض أجزاء القرآن الكريم، فظهرت فكرة تسجيل القرآن الكريم كاملا صوتيا للمرة الأولى منذ ظهور الإسلام، وعرض الدكتور محمد عبد القادر حاتم وزير الإعلام والإرشاد القومى وقتها الموقف على الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الذى وافق على الفور على إنشاء إذاعة لبث المصحف المرتل الذى سجله المجلس الأعلى للشئون الإسلامية للشيخ محمود خليل الحصرى، ووجه بأن تبث على موجتين قصيرة ومتوسطة ليغطى إرسالها الوطن العربى بالكامل وجزءا من قارة إفريقيا، وشارك فيها بعد ذلك كبار المقرئين، كما كانت أول من أذاع المصحف المعلم الذى قدم فكرته وطريقته الشيخ محمود خليل الحصرى، وكانت تقوم فكرته على تلاوة الشيخ الآية ثلاث مرات يرددها خلفه فى كل مرة التلاميذ الموجودون لحفظ القرآن، وحظى المصحف المعلم باهتمام كبير فى العالمين العربى والإسلامى، وظلت إذاعة القرآن الكريم لعقود طويلة البوابة الملكية أمام دولة التلاوة فى مصر للعبور إلى العالم الخارجى، ورأس حربة للقوة الناعمة المصرية التى تغلغلت فى وجدان كل عربى من المحيط إلى الخليج. وقد يكون انطلاق فضائية مصرية للقرآن الكريم فرصة للاهتمام بقراء ومحفظى القرآن الذين يتجاوز عددهم الآلاف العشرة فى نقابة القراء، يحتاجون إلى دعم مادى ورعاية صحية واجتماعية، وفرصة أيضا لاكتشاف أصوات جديدة تتاح لها فرصة التعلم بشكل صحيح على يد كبار المشايخ الأجلاء ليكون لدينا أجيال جديدة متعاقبة تكمل مسيرة دولة التلاوة فى مصر، وتحافظ على الريادة المصرية فى هذا المجال، وتمثل حائط صد لمحاولات طمس الهوية المصرية فى هذا السياق. لقد أعلنت القناة الوليدة أنها ستعرض تلاوات نادرة لمشايخ القراء المصريين من بينهم الشيخ عبد الباسط عبد الصمد والشيخ على محمود والشيخ محمد صديق المنشاوى والشيخ محمود على البنا والشيخ محمد رفعت والنقشبندى وغيرهم، وهو أمر سيحظى بلاشك باهتمام كبير من الرأى العام المصرى والعربى والإسلامى أيضا، فهذه الكنوز تمثل رصيدا كبيرا من قوة مصر وريادتها ومكانتها المتقدمة، التى ينبغى أن نهتم باستثمارها بشكل صحيح، فهى جزء من تراثنا وهويتنا وقوتنا الناعمة.



إن محاولات دعم مقرئين غير مصريين لدى الرأى العام لفرض ثقافة معينة مازالت مستمرة عبر مواقع الانترنت والسوشيال ميديا، بزيادة عدد المتابعين عن طريق برامج معينة لا تمثل حقيقة الوضع، لكن الاهتمام بدولة التلاوة يعيد لنا الريادة ويحافظ على الهوية.