عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
موقع العلوم الاجتماعية من وباء كورونا
15 فبراير 2020
د. ســامــح فــوزى


تناولت فى مقال سابق بعنوان: وداعا للتخصص.. مرحبا بالمعرفة المتعددة, (الأهرام 1 فبراير 2020)، المعرفة البينية التى تتولد من تلاقى العلوم، وتزايد الحاجة إليها فى ضوء تداخل أهداف التنمية المستديمة، وتعقد المشكلات فى المجتمع، التى لم يعد التخصص العلمى الدقيق كافيا للتصدى لها. هذه الأهداف السبعة عشر تشكل الأجندة الكونية التى يأمل المجتمع الدولى فى تحقيقها عام 2030، وهى فى مجملها ترمى إلى الحد من الفقر، والحفاظ على البيئة، والأمن الغذائى، وتتسم بالتداخل بحيث يؤدى تحقيق أحدها إلى نتائج ايجابية على صعيد الأهداف الأخرى. ولكن الظاهر أن المعرفة البينية ليست فقط من أجل تحقيق التنمية، ولكن أيضا من أجل مواجهة الأوبئة أيضا.



يقدم الانتشار السريع لفيروس كورونا فى الصين وخارجها مثالا لأهمية المعرفة البينية، أى المعرفة خارج التخصص العلمى الضيق، والبحث عن مناطق التقاء بين حقول معرفية متباينة. إذ بالرغم من أن المرض يندرج بداهة فى إطار الطب، ويشمل دراسة الفيروسات، وطرق انتشارها، والسيطرة عليها، إلا أن العلوم الاجتماعية أصبح لها نصيب فى تفسير وتحليل عوامل انتشارها، واقتراح أساليب مواجهتها. إذا نظرنا إلى الإجراءات التى تتخذها الصين ودول أخرى لمواجهة فيروس كورونا نجدها تتراوح ما بين عزل ملايين الناس اجتماعيا، وإغلاق مدن أو ضواح بأكملها، وحظر السفر إلى المناطق المنكوبة برا وجوا، والتوسع فى بناء المستشفيات للتعامل مع تزايد حالات الإصابة بالمرض، وفحص المسافرين عند وصولهم من مناطق يتفشى فيها المرض، الخ، هذا فضلا عن برامج توعية إعلامية وثقافية لقطاعات عريضة من الجمهور بهدف الوقاية من المرض. هذه الإجراءات إذا كانت فى ظاهرها تتعلق بالطب العلاجى، والوقائى، إلا أنها تتصل بالمجتمع، ومؤسساته، وثقافته، والعلاقات الاجتماعية السائدة فيه، وهو ما يشكل مجال دراسة العلوم الاجتماعية. وهناك لدى الجماعة العلمية مخزون من الخبرات المتراكمة من الدراسات الاجتماعية التى أجريت على المجتمعات التى فى حالة مواجهة مع الأوبئة مثل الأيدز، والايبولا، والانماط المتحورة للإنفلونزا على مدى العقدين الماضيين، ومن خلالها نتبين إلى أى حد يمكن للمجتمع أن يدافع عن نفسه، أو يقلل من التأثير الفتاك للأوبئة عليه.



أهم الدروس المستخلصة من هذه الدراسات هو ضرورة دراسة بنية المجتمعات من حيث الوضع الاقتصادى، والاختلافات الاجتماعية، وتحديد الشرائح السكانية الأكثر تأثرا، ومستوى الوعى الثقافى للناس، والخبرة التاريخية فى التعامل مع الأمراض السريعة الانتشار والتأثير، الخ، والسبب وراء ذلك أن الناس لا يتأثرون بالأوبئة على نحو متساو، ولكن الوضع الاقتصادى الاجتماعى له تأثير لا ينكر، ومستوى الفقر والغنى له اعتبار اساسى. وبالتالى من يقوم بتصميم أساليب مواجهة المرض سواء من حيث إغلاق مدن أو عزل مناطق بأكملها أو توفير العلاج المناسب ينبغى أن يأخذ فى الاعتبار مستوى التأثر الاجتماعى والاقتصادى لقطاعات من السكان التى لا تحتمل ذلك. هناك تباين بالتأكيد بين مدينة وأخرى، وبين الريف والحضر فى مستوى البنية الاجتماعية والوضع الاقتصادى، والقدرة على مواجهة الأوبئة. من هنا فإن تصميم إجراءات المواجهة يتعين أن يأخذ فى اعتباره ظروف المجتمعات، وتقليل وطأة ذلك على الشرائح السكانية الضعيفة أو المهمشة. هناك عدد من المحاور تٌبرز دور العلوم الاجتماعية فى تصميم إجراءات مواجهة الأمراض الوبائية، منها المتابعة الإعلامية، والتقارير الصحفية الاستقصائية، التى تنشر الحقائق، وتنبه إلى المخاطر، وتواجه الهلع المبالغ فيه، وبخاصة دور وسائل التواصل الاجتماعى التى إن كان لها دور مهم فى نشر المعرفة لحظيا أسرع من أى وسيلة إعلامية أخرى، إلا أنها قد تنطوى على آراء ومعلومات مغلوطة أو حتى عنصرية تنتشر على نطاق واسع. من ناحية أخرى فإن العلوم الاجتماعية تدرس خصوصية المجتمعات، خاصة الريفية التى تزداد فيها علاقة الانسان بالحيوان، وأيضا مراجعة أوضاع المراكز الصحية المنتشرة فى أماكن متعددة، والتى قد تعانى قلة الإمكانات أو غياب العناصر البشرية الكفء القادرة على إدارتها، أو التواصل الجيد مع المجتمعات المجاورة، المسألة ليست فقط امكانات طبية، بقدر ما هى قدرات اتصالية مع المستفيدين، وقياس تطلعاتهم، ومواجهة مشكلاتهم، والتفاعل الايجابى مع شكواهم. وتقدم أيضا العلوم الاجتماعية أدوات مهمة فى فهم المجتمعات، ليس فقط على صعيد الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، كما سبق القول، ولكن أيضا اكتشاف المساحات التى يمكن أن يتلاقى عندها المواطنون، وتنظيم الجهود التطوعية، وبناء الشبكات الاجتماعية التى تساعد على تقديم المساندة الإنسانية للفئات المتضررة، وتطوير العلاقات بين المواطنين، وبناء جسور التواصل فى المجتمعات التى عادة ما تؤدى الأوبئة، وما يرتبط بها من مخاوف ومآس، إلى التأثير سلبيا عليها، ودفع الناس إلى الانكماش، والانغلاق.