عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
الكنيسة القبطية رمز من رموز الوطنية المصرية
5 يناير 2020
د. على الدين هلال


أتذكر أنه فى عام 1968 عندما كنت أعد رسالتى للدكتوراه ان قرأت كتاب اللورد كرومر بعنوان «مصر الحديثة» الذى صدر عام 1907 فى مجلدين ضخمين. وبالمناسبة، فإن المؤلف اللورد كرومر افلن بارنكهو مهندس السياسة البريطانية فى مصر الذى تولى منصب المندوب السامى البريطانى فى القاهرة خلال الفترة من 1882 إلى 1906 وكان الحاكم الفعلى للبلاد لمدة ربع قرن. وفى الفصل الخاص بسكان مصر، توقفت أمام الجزء الذى خصصه للأقباط الذى ذكر فيه أنه عندما دخل البريطانيون مصر توقعوا أن يجدوا منهم باعتبارهم نظراءهم فى الدين نوعا من التعاطف والتقارب، ولكن ذلك لم يتحقق وقال إنهم مصريون تماما مثل المسلمين وأنهم يشتركون معهم فى الصفات الذميمة. واتعفف عن كتابة الألفاظ التى أوردها التى تشير إلى عدم الصِدق فى القول وعدم الاهتمام بالنظافة، ووصل إلى نتيجة انه لا يوجد فارق فى مصر بين المسلم والقبطى وأن الفارق الوحيد بين الاثنين ان أحدهما يذهب للصلاة يوم الجمعة والآخر يذهب للصلاة يوم الأحد. تِلك هى شهادة كرومر فى أقباط مِصر عام 1907 التى اعتبرها وسِام فخرٍ على جبين كل المصريين. والتاريخ الوطنى للأقباط لا يقتصر عليهم كأفراد وحسب وإنما يمتد إلى دور الكنيسة المصرية ومواقف باباواتها ورجالها تجاه القضايا الوطنية التى واجهت بلادنا. فهى بحق كنيسة وطنية رفضت منذ نشأتها التبعية أو الالتحاق بأى جهة دينية أو مدنية خارج مصر، لذلك فهى إن كانت بالنسبة للمصرى القبطى دار للعبادة فإنها بالنسبة لكثير من المصريين المسلمين رمز من رموز الوطنية. استبعد كرومر الأقباط من مناصب الإدارة العليا فى ظل الاحتلال واستعان أساسا ببعض عناصر الشوام الذين قدموا على مصر للحياة فيها. وعندما سعى للتقرب من البابا كيرلس الخامس وعرض عليه أن يكون الأقباط تحت حماية التاج البريطانى كان رد البابا أن الأقباط والمسلمين منذ أقدم العصور يعيشون جنبا إلى جنب، ففى البيت الواحد يتعايشون معا، وفى المصلحة يجلسون على مكاتب مشتركة، ويأكلون من أرض طيبة واحدة، ويشربون من نيل واحد، وان هذا الرباط هو الذى يحمى الأقباط فى مصر. وبالمنطق نفسه، رفضت الكنيسة أحد التحفظات التى وردت فى اعلان 28 فبراير 1922 وهو الخاص بحماية الأقليات الدينية فى مصر ورفض الأعضاء الأقباط فى لجنة وضع دستور 1923 تخصيص مقاعد لهم فى البرلمان. وكان البابا على صلة بسعد زغلول، حيث يزوره ويدعو له بالتوفيق فى تحقيق الآمال الوطنية لمصر. واندمج الأقباط فى التيار الرئيسى لثورة 1919 واشترك القساوسة والكهنة فيها وكان أبرزهم سرجيوس الذى كان خطيب الثورة.



وفى العيد الأول لقيام ثورة 1952، ظهر البابا يوساب الثانى الى جوار اللواء محمد نجيب رئيس مجلس قيادة الثورة بهذه المناسبة. ومع تولى البابا كيرلس السادس كرسى المرقسية عام 1959، توثقت العلاقة الشخصية بين البابا والرئيس عبد الناصر التى وصفها الأستاذ هيكل بانها اتسمت بالإعجاب المتبادل. وبعد حرب 1967، دعم البابا الموقف المصرى والقوات المسلحة، وناشد الكنائس فى إفريقيا التدخل لدى حكوماتها لقطع العلاقات مع إسرائيل، ورفض زيارة القدس وأصدر قرارا بمنع الاقباط من زيارتها. وعبر عن حزنه العميق لوفاة الرئيس عبد الناصر بانه حزن أعظم من أن يعبر عنه أو ينطق به.



توفى البابا فى العام التالى لموت عبد الناصر وتولى المنصب البابا شنودة الثالث، الذى امر فى العيد الأول لانتصار حرب أكتوبر بأن تقرع جميع الكنائس أجراسها وأن تقام القداسات على أرواح شهداء الحرب. وعندما كان البابا شنودة فى زيارة للولايات المتحدة وسألوه عن إمكان قيامه بزيارة القدس لزيارة الأماكن المقدسة كانت إجابته: لن أزور القدس إلا ويدى فى يد شيخ الأزهر. وجدير بالذكر أنه ربطته مع الامام الأكبر فضيلة الشيخ سيد طنطاوى صِلة مودة ومحبة عميقتين والتى تعرفت عليها شخصيا من خلال معرفتى بالرجلين والاستماع إليهما. كان البابا شنودة من عشاق مِصر والوحدة الوطنية لشعبها، وفى خطاب له فى أكتوبر 1977 قال: مصر هى أغنيتنا الحلوة ومصر هى وطننا المبارك. وفى محاضرة له عن الوحدة الوطنية قال: إن الوحدة الوطنية فى مصر حقيقة اجتماعية وتاريخية ثابتة ومستقرة وليس المساس بها إلا نوعا من المغامرة تعود بالخسارة المؤكدة على أصحابها. وأضاف: إن وحدة مصر والمصريين من أسرار هذا البلد الخالد، فلا خوف على مصر ولا تشابه بينها وبين غيرها. وكانت كلمته البليغة التى رددها كثيرون من بعده وهى أن «مصر ليست وطنا نعيش فيه بل وطن يعيش فينا». وعلى دربه، جاء البابا تواضروس الثانى فى عام 2012، ورغم تعرض عدد كبير من الكنائس للاعتداءات الطائفية فى فترة حكم الاخوان، فقد تمسك البابا بأواصر الوحدة الوطنية ـ قائلا: وطن بلا كنائس أفضل من كنائس بلا وطن، مشيرا الى ان حرق الكنائس هى تضحية بسيطة يقدمها الاقباط الى الوطن بصبر وحب. ودعا الكنائس القبطية فى المهجر إلى أن تشرح ما حدث فى مصر فى 30 يونيو وأنها ثورة شعبية، مؤكدا أنه شارك فى مشهد 3 يوليو باعتباره مواطنا مصريا. وعندما وقع الاعتداء الإرهابى على الكنيسة البطرسية فى 2016، أكد البابا دعمه جهود الدولة فى حربها ضد الإرهاب، وان هذا الحدث لن يؤثر على وحدة أبناء الوطن الواحد.



وخلال استقباله المستشارة الألمانية ميركل فى مارس 2017، أكد لها ان مصر تسير على طريق تأكيد المواطنة وعدم التمييز وأننا جميعا كمصريين مسلمين ومسيحيين نشارك فى بناء مصر الحديثة. وتكرر الموقف نفسه عندما وقع الحادث الإرهابى على مسجد الروضة بالعريش فى 2017 عندما امر الكنائس بان تقرع اجراسها حزنا على أرواح الشهداء وتضامنا مع أبناء الوطن. واستمرارا لموقف الكنيسة الرافض الاحتلال الإسرائيلى لمدينة القدس، أصدر البابا بيانا برفض قرار الإدارة الأمريكية نقل سفارتها الى القدس.