عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
صاحب المصنع
5 أكتوبر 2018
منال السيد


وحدها عالية التى تذوب فى خشب غرفة نومها، رائحة الطلاء الشفاف، موجات جذوع الخشب التى اختارتها مع الرجل الذى بلا اسم. الوقت كان مايو وكأن الصيف هو رحم قصتها؛ فيه دائما البدايات. كل شىء معد ليصنعا بيتا، كل شيء إلا الأثاث لا يملكان شيئا..حائران ومبتهجان ونائمان فوق ماء الوقائع، لم يشعرا بالزحام، كل الأماكن محض ديكور جديد لبطل وبطلة والفيلم خلاب.. ممرات المترو مجرد وسيلة لسماع صوت تنفسهما بوضوح، محمد نجيب محطة مترو فريدة جدا لا يستخدمها الكثيرون ويحبها العشاق لصمتها النسبى الذى يتيح لهما سماع صوتيهما بدقة..الضحكات البسيطة..



هو كان ممسكا بيديها كأنها كنز الله فى أرضه، وهى نائمة بين أصابعه مثل فرخ بزغب رطب.. لا أمل بعيدا عن دفء يديه ولا حياة..حين دخلا على صاحب مصنع الأثاث دخلت معهما رائحة الحب فتشبع الهواء بالياسمين.. المشهد متكرر بالنسبة لصاحب مصنع لإنتاج الأسرة وغرف النوم.. زبائنه ينحصرون فى العشاق وأصحاب الفنادق..بحكم خبرته كان يخرج بائعا مختلفا كل مرة.. درب نفسه على قراءة وجوه العشاق... أصحاب الفنادق يأتون بمال أكثر وحجم شغل يغطى المصنع لفترة معقولة.. اللقاء معهم ينتهى عادة بعد دقائق، السعر والخامة والعدد، دقائق ويبدأ أمر الشغل.. العشاق الذين يصنعون عشا للزوجية يأتون له بهدايا جميلة داخل أعينهم وأحيانا ينقبض.. قليلون من يستطيعون إدخاله فى قصتهم.. عالية دخلت مع الرجل الذى بلا اسم، تماما كما تدخل اللاجئات خجولة وقوية ومشبعة بحكاية ما.. فيما بدا خطيبها وكأنه ستارة من زجاج وهواء، ستارة تغلفها وفى الوقت نفسه ترك ابتسامتها وعطرها لم تحبسهما.. حينما ظهرا لصاحب المصنع شعر أن ثمة بنت ضعيفة يحميها رجل أضعف.. لكنه مستعد للموت قبل أن تؤذى.. كتفه مستعد وذراعاه يكبران كلما تحركت الفتاة مستعدتان لاحتضانها فى أى لحظة.. منذ فترة لم يدخل عليه عاشقان.. حتى إن صاحب المصنع المسكين عرض عليهما تشكيلات من غرف النوم وتمنى من قلبه أن يصنع لهما سريرا من خشب يغيبان فوقه ويذوقان الجنة.. وكانت النظرات فى عينيهما تخلع الروح فتمنى لو بقيا قليلا فتحضر قصته الخاصة فى الهواء الذى دخل معهما.. ليس كلاما رومانسيا.- يقول الرجل فى صمته العابرـ.( ليس هراء يا أحبائى محترقى القلوب. بل هو السحر الذى مررتم به جميعا ذات يوم وارتجفت أرواحكم كلما تشممت عطر القلوب الخضراء الجديدة. ليس شعورا جيدا دائما ربما الميتون لا يريحهم رؤية الأحياء، نحن الذين نفترض ذلك. الميتون الذين يغلقون أعينهم ليلا على لا شيء ويفتحونها صباحا على لا شىء، الميتون الذين يفعلون كل الأشياء عنوة؛ غسل الأسنان صباحا، رشفات الشاى نظراتهم الحزينة للزجاج.. أى زجاج. الميتون الذين يعيشون فقط كلما مرت ذكرى بدوائر رءوسهم حين كانوا أحياء، لفتح الباب معنى، وللمصافحة معنى، لنور السماء معنى وللبريق على موج فى الليل، أى ليل،طعم الأرز الساخن بجوار الحبيب، لدفء الكتف مع الكتف، وذوبان الرأس فى صدر له رائحة النعيم. أى جحيم يحيا فيه محترقو القلوب و أى رجفة تنتابهم لرؤية الحياة تدب بجوار جثثهم المتحركة..)



كان صاحب المصنع ليس معجبا بهما كزبونين سيعطيانه مالا لكنه أحب شكل عالية وهى تخرج ورقة صغيرة من حقيبتها وترسم أضلاعا وستائر ومفارش وفازات ورد.. رسم ابتدعته لغرفة النوم و أضافت مرآة لم تكن فى التصميم الاصلى.



قال البائع لكن هذا ممكن.



قالتها عالية كمن تسأل زميلا فى الكلية وليس صاحب مصنع الموبيليا الذى يكبرها وحبيبها بسنوات تكفى لتفحم قلبه.



الرجل نظر لعالية ثم لحبيبها الذى بلا اسم ذلك الذى يتابع عالية بمودة منزوعة الشهوة وعين تذوب فى براءة الوردات بقماش ملابسها.



أخرج صاحب المصنع قلمه الرصاص وأخذ يرسم معها..خط من عندها وخط من عنده اكتمل الرسم. لم تصدق عالية النتيجة، وحبيبها الذى بلا اسم قبل جبينها برمش من عينيه وطرد فكرة احتضانها كى لا تنكسر بين ضلوعه.



أعطى العربون للرجل الذى ذهبا بجزء من وعيه وتركا له غلالة من شجن.. مهنة قاسية إن كان لديك قلب متفحم أن ترى وردتين من ذكر وأنثى يدخلان إليك كى تصنع لهما مخدعا..تمر سنوات طويلة قبل أن يخمش قلبه هكذا، مما جعله يجرى إلى عماله وقبل أن يفيق من سكر الشجن نادى فى عمال المصنع..أريد هذه الغرفة (مد يده بورقة عالية التى رسمتها)كانت ترتعش بيده.. أريدها فى سته أيام.



جميل جميل.. تصحو عالية بعد عقد من السنوات، تفتح عينها فتشاهد غرفتها الخشبية.. تتبادلان التحية كمؤنثتين عاقلتين تسرى محبة بينهما وكتمان أسرار. عالية والغرفة الخشبية كلتاهما لن تخبرا أحدا عن أشجار الجنات التى نبتت فوق الفراش و لا عن أصوات العصافير..



عالية والغرفة لن تتكلما عن الرجل الذى جمع ملابسه من أرفف الغرفة الخشبية فغرقت فى حيرة. لم يغادرها مطلقا.. هل يترك آدم الأول حواءه. كلتاهما تصمتان على اللوعة وتراقبان جفاف القلب يوما بعد يوم. ففى الوقت الذى لم تفلح السنوات كى ينسى صاحب مصنع الأثاث وجه عالية وحبيبها.. استطاعت ذات السنوات أن تفحم قلب عالية وتجعله محض قطعة من خشب محروق.. تماما مثل قلب الرجل صاحب المصنع... إياه.