عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
بعد مرور عام على صدور القرار..
«الدمج التعليمى» حائر بين مجهودات الوزارة وشكاوى أولياء الأمور
11 سبتمبر 2018
تحقيق ــ دينا عمارة
التعليم لذوي الإعاقة حق


منذ عام مضى تم تعديل قرار دمج ذوى الإعاقة فى التعليم، وتعميمه على جميع المدارس، وإضافة بنود جديدة أدخلت الطمأنينة على قلوب أولياء أمورهم، وبالرغم من أن القرار صار واقعا، لكن لا يوجد ضمانات حقيقية لتطبيقه.



ولا ينكر أحد المجهودات التى تقوم بها وزارة التربية والتعليم على مدى عام لتوفير كل وسائل الدمج فى المدارس الحكومية والخاصة.. وفى نفس الوقت لا نستطيع تجاهل الشكاوى العديدة التى تصلنا بين الحين والآخر من أسر هؤلاء التلاميذ التى توضح الحجم الحقيقى لتطبيق وتنفيذ القرار.



طرحنا سؤالا على أحد «جروبات أولياء أمور الطلاب ذوى الإعاقة» حول المشكلات التى تواجههم عند التقدم لأبنائهم طبقا لقرار «الدمج» ورصدنا معاناتهم فى رحلة «استجداء» الحق فى التعليم لأبنائهم, مع التزامنا بعدم ذكر أسمائهم طبقا لرغبتهم.



يقول ولى أمر طالب من محافظة القاهرة: الفصل الواحد فى المدرسة الحكومية به أكثر من 70 طالبا, وصعب على المدرس متابعة هذا العدد الكبير من الطلاب دفعة واحدة, وبالتالى فإن الطفل ذا القدرات الاستيعابية الضعيفة يحتاج إلى مجهود خاص؟ أما المدرسة الخاصة ظلت «تراوغ» فى قبوله بحجة أن استيعابه ضعيف وأنها ليست مؤهلة للتعامل مع حالته.



ويكمل: طرقت باب مدرسة خاصة أخرى وفوجئت بأنها تقوم بفصل الطلاب ذوى الإعاقة فى مبنى بعيد تماما عن الطلاب الأصحاء ولا تسمح لهم بالاختلاط, والفصل الواحد يجمع إعاقات مختلفة, متسائلا: هل هذا دمج؟



ويقول ولى أمر آخر من محافظة قنا: «الكثير من المدارس الحكومية تنصحنا بالتقدم إلى مدارس التربية الخاصة، ويتعللون بأن المدرسة غير مجهزة لاستقبال التلاميذ من ذوى الإعاقة وأن وجودهم سوف يسبب مشكلات وصعوبات لهم وللإدارة فى محاولة للتنصل من المسئولية وتجنب تبعات تنفيذ قرار يعتبرونه صعبا، بل مستحيلا.



ويتفق معه فى الرأى ولى أمر آخر من محافظة سوهاج والذى قال: عدم وجود معلمين مؤهلين للتعامل مع الأطفال وتعليمهم مجرد «حجة» لإبعاد أطفالنا من ذوى الإعاقة.



ومن محافظة بورسعيد قال أحد أولياء الأمور: أصعب وأكثر التبريرات إيلاما لنا هو القول بأن أولياء أمور التلاميذ الآخرين يرفضون وبشدة وجود تلاميذ من ذوى الإعاقة معهم فى نفس الفصل, والمؤسف أن هذا الرفض يتبناه مجلس الأمناء وإدارة المدرسة.



مجهودات الوزارة وامتيازات القرار



حملنا هذه الشكاوى وتواصلنا مع د. هالة عبد السلام مدير الإدارة المركزية للتربية الخاصة بوزارة التربية والتعليم، وأكدت أن المدارس الحكومية ملزمة باستقبال جميع الطلاب ذوى الإعاقة طبقا للقرار الوزارى رقم 252 الصادر فى عام 2017 والذى ينص على أن جميع المدارس «دامجة» بما فيها الحكومية والخاصة والدولية ومدارس الفرصة الثانية, ومن حق الطالب ذى الإعاقة أن يدمج بأقرب مدرسة لمحل إقامته.






وأشارت د. هالة إلى المجهودات التى تقوم بها الوزارة لضمان الاستفادة القصوى من عملية الدمج, من أهمها برامج تأهيل المدرسين بالتعاون مع وزارة الاتصالات ومنظمة اليونسيف وبعض مؤسسات المجتمع المدنى, مشيرة إلى أنه قد تم بالفعل تدريب أكثر من 35 ألف معلم منذ عام 2015 وحتى الآن, كما أن هناك خطة لتدريب أكثر من 25 ألف معلم بحلول عام 2019 سواء فى مدارس الدمج أو فى مدارس التربية الخاصة, بجانب تأهيل مدرسى المعاهد القومية, كما أشارت إلى أن هناك نحو 700 غرفة مصادر لطلاب الدمج على مستوى الجمهورية, وهذا الرقم قليل بالمقارنة بعدد المدارس, وهناك خطة لزيادة أعداد هذه الغرف وتهيئتها بشكل يناسب احتياجات الطلاب, وأكدت وجود غرف للوسائط فى جميع المدارس الحكومية لتكون بديلة عن غرف المصادر.



وحول مدى نجاح منظومة الدمج فى المدارس الحكومية ترى د. هالة أن الدمج قرار ناجح ويتم تطبيقه بشكل جيد, غير أن الظروف السياسية التى مرت بها البلاد خلال السنوات السابقة أثرت بشكل كبير على شعور أولياء الأمور بالخدمة المقدمة, ولا نغفل مشكلة الكثافات العالية التى تعانيها الفصول.



ونوهت د. هالة إلى أن اتجاه بعض أولياء الأمور إلى المدارس الخاصة ليس معناه التقصير من جانب المدارس الحكومية, وإنما هى رغبة شخصية فى توفير خدمة تعليمية بشكل مختلف, مؤكدة أن التعليم الحكومى لديه وسائل إتاحة متوافرة للطلاب ربما لم تتوافر فى بعض المدراس الخاصة.



وترى د. هالة أن القرار رقم 252 لسنة 2017 جاء ببعض الامتيازات من أهمها السماح للمستشفيات الحكومية والجامعية بإجراء اختبارات الذكاء للطلاب وهو ما ساعد بشكل كبير فى القضاء على قوائم الانتظار فى التأمين الصحى, كما أن طالب الدمج كان ملزما بإجراء اختبار الذكاء كل عام لتقديمه إلى المدرسة, ولكن تعديل القرار تضمن إجراء الكشف الطبى مرة واحدة فى العمر لأصحاب الإعاقات التالية (متلازمة داون, توحد, شلل دماغي), أما بالنسبة لباقى الحالات فالكشف الطبى يتم مع بداية كل مرحلة دراسية.



وترى د. هالة أن هذه الامتيازات أدت إلى تزايد أعداد طلاب الدمج بشكل كبير, فقد تم دمج نحو 37800 طالب فى مدارس التعليم العام والفنى منذ عام 2015 وحتى عام 2018, كما تم هذا العام أيضا دمج 3 حالات إعاقات «جسم زجاجي» لم يكن يتضمنها القرار.



ونوهت د. هالة إلى أن الوزارة بصدد افتتاح أول فصلين أوائل العام الدراسى الحالى فى القاهرة والجيزة (بنسبة 10% المقررة فى التعديل وبحد أقصى 4 طلاب فى الفصل) للإعاقات المزدوجة والمتعددة وخاصة السمع بصرية, والذى يصعب التعامل معهم إلا من خلال متخصصين مدربين, واستعدت له الوزارة بتدريب 30 مدرسا بالتعاون مع إحدى مؤسسات المجتمع المدنى وإحدى الشركات الأمريكية.



وأوضحت د. هالة أن التجربة لن تنجح دون نشر الوعى بثقافة الدمج, والوزارة بالفعل تقوم بحملات توعية بالتعاون مع منظمة اليونسيف, كما أشارت إلى أنه يتم حاليا التنظيم لأول ملتقى عربى ثقافى رياضى لمدارس التربية الخاصة فى أكتوبر المقبل بشرم الشيخ, تنظمه وزارة التربية والتعليم وبحضور ورعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي.






الشروط الصحيحة للنجاح



«الأهرام» تواصلت أيضا مع بعض الخبراء الأكاديميين وأطباء علم النفس للوقوف على جدوى هذه التجربة من الناحية النفسية, فقد رأى د.وليد نادى - مدير الأكاديمية المصرية للتربية الخاصة - أن قرار الدمج من البداية غير منطقى وبعيد تماما عن أرض الواقع, نظرا لأن معظم المدارس ليست مؤهلة لاستقبال الطلاب ذوى الإعاقة من حيث التجهيزات والمبانى وغرف المصادر.



وبالنسبة لتأثير الدمج على الأطفال الأصحاء يقول د. وليد: معظم هؤلاء الأطفال قد تربوا على أن المعاق يجب تجنبه, ويناشد القائمين على الدمج بالوزارة عدم التسرع فى تعميم التجربة وتطبيقها فى بعض المحافظات والمدارس المؤهلة لضمان نجاحها, وحتى لا تصبح مجرد «دمج على ورق».



أما محمد أبوطالب (كفيف ومدرس حاسب آلى فى مركز نور البصيرة بجامعة سوهاج) يقول: كنت أتوقع أن يلقى قرار الدمج تجاوبا واهتماما بتطبيقه على الوجه الأمثل، لكنه يظل «حبرا على ورق» إلا فى بعض المدارس الخاصة التى تقبل حالات معينة وبرسوم إضافية غير معلنة, كتبرع مثلا, وإذا كنا ننادى بمجتمع دامج لذوى الإعاقة، فالتعليم هو الأساس.. لذلك يرى محمد ضرورة تطبيق القرار وتفعيله بشكل إجبارى حتى لا تتنصل منه أى مدرسة، أو تجد أخرى مبررات وحججا واهية فى تطبيقه, ومن يمتنع يعاقب بقوة القانون!



أما د. جمال فرويز ــ أستاذ الطب النفسى بجامعة القاهرة- يرى أن فكرة الدمج بصفة عامة جيدة إذا ما توافرت لها الشروط الصحيحة للنجاح, مثل الدعم النفسى المستمر للطالب ذى الإعاقة وتأهيل الطلبة الأصحاء نفسيا خاصة بالنسبة للمراحل الابتدائية حول كيفية التعامل مع طفل معاق وتقبل إعاقته بشكل إيجابي, وتوعيته بعدم السخرية من ذوى الإعاقة, حتى لا يؤثر سلبيا على نفسيته ويؤدى إلى تأخر حالته.



ويضيف د. جمال: لابد أيضا من توافر مدرسين على درجة عالية من التدريب للتعامل مع حالات الدمج والتحلى بالصبر والثبات الانفعالي, وأشار إلى أنه لا يفضل الدمج فى حالات الإعاقات الذهنية الحادة أو التوحد أو فرط الحركة، ويمكن الدمج للإعاقات البسيطة كالسمعية والبصرية والحركية ولكن أيضا بنسب معينة.