عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
أزمة ضمير
2 مارس 2018
000


أنا رجل على المعاش, متزوج ولدى أبناء وأحفاد, وكنت مديرا عاما لاحدى الإدارات التعليمية، وبرغم أن سن الستين يمثل مشكلة للكثيرين, فإننى رأيت الحياة بعين أخري, وحدّثت زملائى فى ذلك خلال الحفل الذى أقاموه لتوديعى وقلت لهم إننى غير حزين لإحالتى الى التقاعد لإيمانى بأن الحياة سوف تبدأ معى بعد الستين, ونظرت إلى المرحلة الجديدة فى عمرى من باب المرح مع الأحفاد والأبناء الذين شغلتنى عنهم هموم الوظيفة.



ولم يمض شهر واحد حتى اتخذت حياتى منحنى آخر غير الطريق الذى تصورته, فلقد استيقظت ذات يوم على هاتف زوج ابنتى الذى اخبرنى بأنها شعرت فجأة بضيق فى التنفس وصعوبة فى البلع, وأنه نقلها إلى مستشفى شهير جدا, وهرولت إلى الطبيب الاخصائي، وسألته عن حالتها فأخبرنى بأنها مصابة بورم خبيث فى الغدد الليمفاوية, ولابد من استئصاله فى اسرع وقت, ولكن قبل إجراء الجراحة يجب إجهاض حملها لخطورته على صحتها، وتركت ابنتى أولادها الثلاثة فى رعاية جدتهم, بينما أنا وزوجها قررنا البقاء معها فى المستشفى إلى أن تمر الوعكة الصحية ـ التى ألمت بها ـ فى سلام, وتعود إلى سابق عهدها ونشاطها.. إلى هنا تبدو الأمور عادية، وتدخل فى باب القضاء والقدر، وأجريت لها جراحتان رجعت بعدهما إلى منزلها, ولم تمر أيام حتى عادت إليها الأورام الخبيثة من جديد, وقال لى الطبيب المعالج إن الحل يكمن فى العلاج الكيميائي, وعندما حان موعد الجلسة الأولى امتنعت ابنتى عن الذهاب إلى المستشفي, وقالت لى إنها اتخذت قرارها باللجوء إلى التداوى بالاعشاب بحجة أن العلاج الكيميائى يؤثر سلبا على الكبد والكلي, واستغربت جدا كلامها، وهى المتعلمة والمثقفة, بل والمدهش أن زوجها هو الآخر اقتنع بما تريده. وبذلنا أنا ووالدتها قصارى جهدنا لكى نقنعها بأن ما سوف تقدم عليه هو خطوة غير مأمونة العواقب, وأن من يلجأون إلى الأعشاب لا يخضعون لإشراف وزارة الصحة, وأنه ليست هناك أى تأكيدات بجدوى هذا النوع من العلاج، وبدأ أحد اقارب زوجها فى إرسال جرعات الأعشاب إليها، بل إنها انجرفت وراء إعلانات المدّعين على احد جدران القاهرة بأن لديهم «جهاز إزالة الألم».. هكذا بالنص كما يقولون.. واخذت عدة جلسات هناك بواقع جلستين فى الأسبوع. وهدانى تفكيرى إلى استشارى كبير فسألته عن هذا الجهاز السحري, فقال لى إن هذا غش وتضليل ومتاجرة بآلام المرضي، لكن ابنتى مضت فى طريقها الذى رسمته لنفسها ولم تعر ما أقوله أدنى اهتمام، وانعكس ذلك على حالتى الصحية وأصبت بحالة اكتئاب شديدة, كما أصيبت ابنتى بحالة نفسية سيئة وأفرطت فى تعاطى أدوية الاكتئاب والمهدئات، ولم يكن أمامى أى حل سوى أن أترك ابنتى فيما تمضى فيه من باب أن الاقتناع بالدواء يمثل نصف العلاج, وبعد تسعة أشهر كاملة أيقنت ابنتى ان من يعالجونها بالأعشاب نصابون، فهم يصرفون لها اعشابا ليس لها اى تصنيف طبى، وفرحت جدا أنها ادركت ذلك حتى ولو أن اقتناعها بما قلته لها قد جاء متأخرا، ولكن لم يدم الوقت طويلا، إذ شاهدت على شاشة إحدى القنوات الفضائية اعلانا عن أن العسل الجبلى يشفى من السرطان ويقوى جهاز المناعة فأسرعت بشرائه, ولم تنقطع عن التردد عن جهاز إزالة الالم!، وبعد مرور عام تحولت ابنتى إلى هيكل عظمى, وضقت ذرعا بتصرفاتها، ورجوتها أن تسلك الطريق الطبى المعروف فى العلاج بعيدا عن تلك القنوات الفضائية التى اخترقت كل القوانين ومواثيق الشرف الاعلامية والتى لا تجد من يوقف بث سمومها وليس أدويتها، فهل توجه إليها كلمة تنتشلها من الضياع, وهل توجه كلمة أيضا إلى الاطباء المتخصصين لكى يدلوا برأيهم فى قضية العلاج بالأعشاب التى طال الحديث عنها, ومازالت تجد آذانا صاغية لدى البعض ممن يتلمسون أى خطوة جديدة تخفف عنهم بعض متاعبهم؟، وأين المسئولون من هذا العبث الطبى والإعلامى؟



< ولكاتب هذه الرسالة أقول:



ما أكثر الرسائل التى أتلقاها فى هذه المسألة الخطيرة، والتى تتشابه مع بعضها فى المضمون، وأبدأ تعليقى على رسالتك بكلماتك التى وصفت بها رؤيتك للحياة، فهى كلمات بليغة حقا، لكننا كبشر نجزع إذا أصابنا مكروه, ونتذكر الله عز وجل فنبتهل إليه أن يفرج كربنا وينجينا مما نحن فيه، ومهما تضرر الإنسان مما أصابه، فإن ما يكرهه قد يكون خيرا له, وفى ذلك يقول الحق تبارك وتعالي: «وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ»(البقرة 216)، ولذلك فإن على ابنتك أن تتقبل ما هى فيه, وأن تطلب العلاج لدى الاطباء الأخصائيين, وألا تلتفت إلى ما يشاع عن أدوية لا أمل فيها.. أما الفضائيات التى تتحدث عن العلاج بالأعشاب دون سند أو دليل علمي, فإن مسئوليتها تقع على المجلس الأعلى للإعلام الذى يجب أن يخاطب أصحاب هذه القنوات بضرورة الالتزام بمواثيق الشرف الاعلامية, وعلى وزارة الصحة أيضا أن تصادر هذه الأعشاب وتحاسب من يبيعونها, وهم غالبا يتخذون من الأوكار مكانا لممارسة نشاطهم، إذ لا تجد عنوانا لهذه المراكز التى تدعى العلاج بالأعشاب, بل إنك تتصل بها عن طريق تليفونات محمولة فيأتونك بما تريد دون أن تعرف لهم مكانا!



إنها أزمة ضمير قبل أن تكون مشكلة مجتمع، وإذا غاب الضمير فتوقع اى شيء.. وهؤلاء المتاجرون بصحة الناس سوف يلقون مصيرا مؤلما, وقد يعجل الله بحسابهم فى الدنيا، وربما يؤخرهم إلى يوم تشخص فيه الأبصار، وأقول لابنتك اهدئى بالا, وثقى بأن الله سوف ييسر لك أمورك, وسوف يختار ما هو أفضل لك فاستمعى إلى نصيحة والديك, والتزمى العلاج لدى الأطباء والمستشفيات المعتمدة من وزارة الصحة ونقابة الأطباء، وأسال الله لك الشفاء العاجل.