عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
انقراض صحفى!
7 فبراير 2018
طارق الشيخ;

الصحافة تحديدا والإعلام بوجه عام يمثلان فى حالة حسن الاستخدام نواقيس للخطر وأدوات لحماية وتحسين المجتمعات، بينما هى فى حالة إساءة الاستخدام تعد من أدوات إحداث الانفلات فى المجتمع وصولا إلى تدميره مما جعل عبقريات الشر فى العالم تلجأ إليهما كوسيلة أساسية من وسائل الحروب النفسية (الحروب من الجيل الرابع والخامس).


وقد أدت تلك الحقيقة إلى اتجاه الكثير من دول العالم المتقدمة علميا إلى البحث عن وسيلة تضمن ولاء آلة الصحافة والإعلام بشكل شبه تام أملا فى تحويلها إلى آلات دعائية محضة وإلغاء أية خدمات تقدمها فى ظل الأحوال التقليدية مثل النقد المحايد والترفيه. وفى الآونة الأخيرة ظهر توجه يهدف إلى الاستعانة بالبرمجيات (البرامج الإلكترونية) والروبوت لمزاحمة العنصر البشرى فى العمل الصحفى. فهل يمكن أن يأتى اليوم الذى يكتب فيه الروبوت خبرا يعلن فيه "انقراض آخر صحفى بشرى"؟!!

فقد شهد الأسبوع الأخير من شهر يناير2018 إعلان تساى مينج تشاو رئيس وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا) إن الوكالة الرسمية للصين ستوفر للمستخدمين حول العالم خدمة أكثر ذكاء ودقة تقوم على أحدث وسائل تكنولوجيا المعلومات.

وجاء ذلك خلال مراسم تدشينه تطبيقا إخباريا جديدا كنواة لبناء غرفة أخبار "ذكية" تجسد التعاون بين الإنسان والآلة، وتركز على زيادة الإنتاج وفعالية التواصل عبر تطبيق التكنولوجيا مثل التجميع الذكى وتحليل المستخدمين والتعرف على الصور والتركيب الصوتى.

وكانت "شينخوا" سباقة بين وسائل الإعلام الصينية فى إقامة ما أطلقوا عليه الـ"عقل الإعلامى"، وهو نظام ذكى لجمع الأخبار وتحريرها يدمج بين الحوسبة السحابية وإنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعى. فالوكالة الصينية تعتزم بناء قاعدة بيانات للمعلومات باللغة الإنجليزية لتتمكن من تقديم معلومات متميزة حسب الطلب.

وجاء الإعلان الأخير بعد مرور عام بالتمام والكمال على إعلان حدث هام وتاريخى وجوهرى تمثل فى قيام "روبوت صحفى" بكتابة مقالته الأولى فى ثانية واحدة!

ففى يوم 23 ينايرعام 2017 ذكرت وسائل الإعلام الصينية أن خبراء صينيين تمكنوا من صنع أول "روبوت صحفي" في العالم قادرعلى كتابة المقالات.

ووفقا للموقع "استطاع الروبوت الجديد الذي أطلق عليه اسم "تشياو نان" كتابة أول مقالة صحفية ليصبح أول روبوت (صحفى) في العالم حيث تمكن من إنجاز المهمة الموكلة إليه وكتب نصا مؤلفا من 300 رمز كتابى في ظرف ثانية واحدة فقط".

وتعليقا على الإنجاز الجديد قال أحد العلماء الذين ساهموا في صناعة الروبوت : "إن هذا التطور الجديد لا يعني أن الروبوتات ستحل محل الإنسان في الأعمال الصحفية، فهذه الآلات غير قادرة على إجراء المقابلات الصحفية أو طرح الأسئلة على الناس، فهي مبرمجة للقيام بالمهمات البسيطة فقط". وأكد أن الإنجاز الجديد خطوة أولى لتطوير تقنيات الطباعة الآلية المبرمجة.

ويبدو أن أمر التخلص من الروح البشرية للصحافة (أى الصحفى البشرى) وتحويلها إلى مهنة آلية تقوم بها آلات (سواء كانت برامج الكترونية ـ برمجيات ـ أو روبوت) من الأمور التى يتم الإعداد لها منذ سنوات.

فقبل سنوات من النتائج التى توصل إليها الصينيون وتحديدا فى عام 2014 كان لصحيفة "لوس أنجلوس تايمز" السبق فى تغطية زلزال هز المدينة الأمريكية فى ذلك العام بفضل الانسان الآلى.

فقد ابتكر الصحفى والمبرمج، كين شوينكى، برنامج يكتب بشكل آلى قصة خبرية عند وقوع الزلازل. ووفقا لما قاله شوينكى فإن القصة الصحفية لا تتطلب سوى ثلاث دقائق حتى تنشر آليا على الموقع الالكترونى للصحف.

وبالفعل بدأت تشهد غرف الأخبار حول العالم استخداما متزايدا لـ "الصحفي الآلى".

ولأن صحيفة لوس انجلوس تايمز تعتمد على تكنولوجيا المعلومات، إذ تعتمد فى معلوماتها عن الزلازل على مصادر موثوقة، فقد تم وضع تلك المعلومات في قوالب جاهزة لإنتاج القصة الخبرية.

واستخدم هذا الابتكار في إنتاج قصص أخرى مثل الجرائم فى المدينة التي تتطلب فقط قرارا من رئيس التحرير إذا ما كانت القصة بحاجة لتدخل بشري أم لا. كما أصبح البرنامج يستخدم فى كتابة القصص الرياضية مثل نتائج المباريات.

ووصف الابتكار ـ منذ أربع سنوات مضت ـ بأن دوره "تكميلى" لأنه سيوفر الكثير من الوقت فيما يتعلق بقصص محددة حيث يمكنه تجميع المعلومات من مصادرها الموثوقة وينسقها بشكل جيد. وأكد شوينكي أن الابتكار لن يلغي وظيفة أي شخص بل سيجعل العمل أكثر متعة!

ولكن شهد شهر سبتمبر من عام 2017 نشر صحيفة "واشنطن بوست"الأمريكية ما قدر بـ 850 قصة صحفية بواسطة الروبوت "هيليوجراف"، حيث تم تسليط الضوء على الروبوت الجديد "هيليوجراف" (وهو برنامج داخلي يولد تلقائيا تقارير قصيرة لغرف الأخبار فى المؤسسات الصحفية بدلا من العنصر البشرى).

وبدأ الصحفيون فى الصراخ!! فقال أحدهم، "إن الروبوتات بالفعل تسطو الآن على وظائفنا". وتساءل إذا كان من الممكن أن تحل الروبوتات محل الصحفيين البشر الذين يجلبون القصص الإخبارية التى نقرأها كل يوم؟

وقد اعترفت بعض الصحف الأمريكية بأن الذكاء الاصطناعى موجود بالفعل فى غرف الأخبار، وهناك قصص عديدة تمت صياغتها بواسطة هذا الذكاء، وتم تسجيل استخدام صحيفة "واشنطن بوست" الروبوت لأول مرة خلال دورة الالعاب الأوليمبية فى ريو لتقديم معلومات مثل نتائج الميداليات. وتوسعت مهام هيليوجراف ليشمل الإبلاغ عن موضوع مثل سباقات الكونجرس وألعاب كرة القدم بالمدارس. وسرعان ما حذت صحف ومؤسسات إخبارية حذوها مثل "أسوشيتد بريس". وقيل إن الذكاء الاصطناعى فى غرف الأخبار ليس المقصود منه أن يحل محل الصحفيين، ولكن بدلا من ذلك يسمح لهم بوقت إضافي لتطوير وربط قصص الأكثر أهمية وذات الصلة!

فى تقرير نشر بمطلع 2018، لخص باحثون تحديات تقنية تقف فى وجه توظيف الذكاء الاصطناعى فى الصحافة، منها : توافر المعلومات، وصعوبة فهم البيانات الجديدة بواسطة الكمبيوتر، التحقق من صحة المعلومات، إعادة تعريف حقوق النشر والاستخدام العادل، صعوبة برمجة الأسلوب القصصى الذى يعتمد على الإبداع البشرى، حاجة الذكاء الاصطناعى للمدخلات البشرية.

وهكذا، وعلى الرغم من محاولات تقييد جوهر العمل الصحفى فى أنحاء العالم بوجه عام، والغربى منه تحديدا، فما تزال أمام "الصحفى البشرى" فرصة كبيرة ربما تدوم بضعة عقود قادمة خاصة فيما يتعلق بالإبداع والذكاء البشرى والنزاهة ومن قبلهم الرغبة فى الحفاظ على حرية الكلمة ومصلحة البشر، وهى أمور من الصعب أن تظهر لدى البرمجيات والآلات.