عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
فى ضرورة التكامل الحضارى
30 ديسمبر 2017
د. أحمد زايد


لاشك أن دعوة السيد الرئيس إلى الاهتمام بقضية التكامل الحضارى قد جاءت فى وقتها؛ فما يشهده العالم اليوم من تغيرات وتحديات تجعل هذه القضية فى مقدمة القضايا التى يجب أن تحظى باهتمام وطنى وإقليمى ودولى فى آن واحد. وعلى هذه الخلفية يأتى هذا المقال ليلقى الضوء على بعض جوانب هذه القضية، من خلال الإشارة إلى المخاطر التى تهدد السلم العالمى والمحلي، تلك المخاطر التى تجعل سؤال الوجود الإنسانى وسؤال الأمن الإنسانى من أهم الأسئلة التى تؤكد ضرورة الدعوة إلى بناء حضارة معاصرة تقوم على التبادلية والحوار والتكامل.



دعونا فى البداية نتأمل الحالة الاجتماعية والثقافية لعالمنا المعاصر. يمكننا هنا رصد أربعة تيارات تنذر بتفكك شديد وتباعد لا حدود له، كما تكشف عن قدرات هائلة على التهميش والاستبعاد تتخلق فى أتون صراعات ثقافية حادة. فرغم وجود جهود كثيرة تبذل عبر العالم من أجل التعايش والحوار فإن العالم قد شهد بعض التيارات التى تعاكس هذا الاتجاه نحو التكامل:



الأول، يرتبط بتيار فكرى يروج لفكرة صدام الحضارات، والتى راجت منذ صدور كتاب صموئيل هنتنجتون عام 1993م بعنوان «صدام الحضارات». وتقوم هذه الفكرة على أن العالم يدخل مرحلة جديدة من تاريخه، وهى مرحلة سوف لا يتأسس فيها الصراع على أسس أيديولوجية بقدر ما يتأسس على أسس ثقافية ودينية. ولقد عملت هذه الدعوة على تحفيز الصراع الثقافي، وعلى بلورة ميول فردية ومحلية نحو التحصن خلف الحدود الثقافية والدينية.



والثاني، تيار التطرف الدينى الذى ارتبط بنزعة ماضوية رجعية، وإعادة تفسير النصوص الدينية بطريقة تخدم مصالح جماعات سياسية منظمة، انتهج بعضها العنف لكى يحقق أهدافًا سياسية. ولقد خلق هذا التيار صورا من العنف والإرهاب تهدد فكرة التعايش الحضارى وتضرب بفكرة التنوع الخلاق عرض الحائط.



والثالث، يرتبط بتكاثر العنف والإرهاب، ليس فقط المتولد من تصورات دينية مغلوطة، بل المتولد أيضًا عن صور من الحرمان والفقر والاستبعاد الاجتماعي. ويتسم هذا العنف باتخاذه صورًا متجددة، ودخوله فى مجالات عديدة، وشموله لفئات جديدة. وتتزاوج هذه الأشكال من العنف مع التزايد المستمر للنزاعات والحروب ذات الصبغة الطائفية أو الدينية.



أما الرابع، فيرتبط بالتدفقات المعولمة التى تدخل فيها حركة رأس المال، والتكنولوجيا، والأفكار والمعلومات والإيديولوجيات والسلع وثقافة الاستهلاك. وثمة زعم بأن هذه التدفقات تخلق قدرًا من التشابه والتقارب بين البشر، ولكن الواقع يكشف عن أنها تبث أيضًا بذور الفرقة والانقسام والتباعد الثقافي. فقد تجعل العولمة العالم وكأن له واجهة توحده من أعلي، ولكنها تفرقه وتمزقه من أسفل، وتخلق فيه حالة من العراك الدائم حول الثقافة.



وتجر هذه الظروف العالم المعاصر إلى شفا الخطر، ليس فقطـ بما تسببه مشكلات التلوث والاحتباس الحرارى والنزعات الاستهلاكية من تحديات، ولكن ما يسببه التطرف والعنف من تحديات تتمثل فى نشر الأفكار الانقسامية وصور التطرف المختلفة. تلك الأفكار والصور التى تعيد من جديد أشباح الحرب والمجاعة، وما يرتبط بهما من تشريد للشعوب وزعزعة لاستقرارها. تبدو المجتمعات هنا وكأنها تسير فى تيار معكوس لا يستقيم مع سنة التطور؛ ولا يصل بحال إلى صورة التعاقد الاجتماعي، التى عرفناها فى كتابات الفلاسفة والمفكرين. لقد أكد هؤلاء، على مدار التاريخ، أن التعاقد الاجتماعى هو الأساس الجوهرى للعيش المشترك، وأن النظام والتكامل لا يتحققان إلا فى إطار من الرضا والاتفاق العام، فى نظام يقوم على التعددية من ناحية والتكامل الاجتماعى من ناحية أخري. وتجدر الإشارة إلى أن اختلاف الثقافات، والحضارات لا يجب أن ينتهى بحال إلى صراع وتصادم، بل يجب أن ينتهى إلى التقاء وشراكة. إن ثمة «مشتركًا ثقافيًا» عامًا يوجد بين الحضارات والثقافات الإنسانية. ولاشك أن البحث عن هذا المشترك وتأصيله فى قيم إنسانية عامة؛ كالعدل والمساواة والاستقامة والشفافية والنزاهة والتعاون والرحمة... إلى آخر هذه القيم العامة يعمل بمثابة الأرض المشتركة التى يلعب عليها الجميع ويأكل من خيرها الجميع على تنوع مشاربهم وثقافاتهم. ولقد أدرك العالم بعد أن خاض حربين عالميتين أهمية التعايش مع هذا التنوع. وقد جاء تأسيس الأمم المتحدة ومنظماتها المختلفة تحقيقا لمبدأ التعايش السلمى بين المجتمعات والثقافات. كما شهد العالم عبر منظماته الدولية والمدنية سعيا حثيثا نحو إبرام عدد من الاتفاقيات فى مجالات مختلفة (حقوق الإنسان، والطفل والمرأة، جنبا إلى جنب مع الاتفاقيات التى تنظم التجارة الدولية)، وقد هدفت هذه الاتفاقيات إلى خلق تعاون وتفاعل بين الحضارات المختلفة. ولقد كانت منظمة اليونسكو من أهم المنظمات الدولية التى أدركت أهمية التعاون والتلاقح بين الثقافات والحضارات، وأهمية الحوار البناء فيما بينها. ولذلك فقد أقدمت فى العام1995 على إصدار وثيقة مهمة بعنوان «التنوع البشرى الخلاق» تم إتباعها بإعلان عالمى صدر فى نوفمبر 2001 حول التنوع الثقافي، جاء فى مادته الأولى ما يفيد بأن التنوع الثقافى هو إرث للإنسانية وأكد فى مواد أخرى أهمية التنوع فى تحقيق التنمية والاستقرار. لقد حولت وثائق اليونسكو فكرة التنوع إلى فكرة محورية، بل إنها أصبحت مصدرا للقوة لا مصدرًا للضعف والفرقة، فهى الطريق الأسلم نحو إقامة علاقات تكامل وتعاون على أسس من المساواة والتكافل، التى تمنع تسلط أمة على أمة أو ثقافة على ثقافة، والتى تمنع أية جماعة من أن تفرض وصايتها على الجماعات الأخرى.



لقد كانت مصر منبعًا للحضارة الإنسانية، ومنها انبجس الضمير الإنسانى ناطقًا بقيم العدل والعمل والتعايش ونبذ العنف؛ ولقد تأثرت مصر المعاصرة بما تأثرت به دول أخرى من جراء التطرف والعنف الذى يباعد بين البشر. وإذ تدعو مصر الآن إلى الاهتمام بقضية التكامل الحضارى والثقافي، فإنها تذكر العالم بأن للحضارة قيمها النبيلة، وأن التعايش بما يحمله من تكامل وحوار خلاق هو الطريق إلى بناء المستقبل الذى ينعم فيه البشر بالسعادة وطيب العيش، وإن ما خالف ذلك هو طريق للفناء وليس طريقًا للبناء.