عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
الدراما الأردنية تستعيد ماضيها العريق فى ثمانينيات القرن الماضى «أبو سماقة» يضغط بـ «ضوء أسود» على العصب العارى فى المجتمع
22 ديسمبر 2017
محمد حبوشة


تحاول الدراما الأردنية استعادة ألقها ورونقها - وقت أن كانت هى واحدة من الدراما الرائدة فى الوطن العربى- فعندما يعود المشاهد العربى بذاكرته إلى الوراء قليلا، سيجد إنها تميزت بخصوصية تختلف عن باقى الاعمال العربية خلال العقود التى مضت فى فترة ثمانينات وتسعينيات القرن الماضى، حيث جسدت أعمالها كثير من الخطابات والقصص العربية التاريخية وذات الطابع البدوى والريفى وغيرها،



ومن هنا كان فنانو الأردن يتغنون إلى وقت قريب بأمجادهم، ويذكرونا بالزمن الجميل، عندما كانت الدراما الاردنية المنافس الأول للدراما المصرية، وأن فنانى سوريا والخليج كانوا يتمنون الوجود فى أى دور فى المسلسلات الأردنية، وهنا يتوقف الزمن، حيث حصلت المؤامرة الكونية على الدراما الأردنية نتيجة موقف الأردن السياسى من حرب الخليج عام ١٩٩٠، وبالتالى مقاطعة خليجية لأعمالهم، تلتها مؤامرة داخلية قادتها مؤسسة الاذاعة و التلفزيون الأردنى، فى ظل غياب الانتماء الوطنى لدى مؤسسات الانتاج الخاصة، فكانت هذه الأسباب مجتمعة وراء تقهقر الدراما الاردنية وتراجعها إلى ذيل القائمة عربيا.



وعلى الرغم من أن شركات الإنتاج الخاصة فى الأردن تعزى توقف الإنتاجات الدرامية المحلية الى عدم قدرتها على تحقيق عائد مالى يغطى حتى تكلفة الانتاج، فالمسلسل الاردنى - بحسب هذه الشركات - غير مطلوب فى المحطات العربية، وعلى وجه التحديد فى المحطات الخليجية التى تعتبر السوق الأساسى للدراما السورية، حيث ترفض شركات الإعلان رعاية بث أى عمل يحمل الجنسية الأردنية «وفى هذا الصدد لابد لنا أن نستثنى بعض الأعمال البدوية التى تم إنتاجها بناء على مزاجية المحطات الخليجية وبصورة غير منتظمة، وبالتالى لا تشكل آلية عمل يمكن أن يبنى على أساسها قطاع إنتاجى» إضافة الى غياب أسماء أردنية تجذب المحطات أو المشاهد العربى، وبالطبع لابد من اسثناء بعض التجارب الفردية لنجوم مثل «صبا مبارك وإياد نصار ومنذر رياحنة»، اللذين غيروا وجهتهم إلى مصر ليتوجوا أبطالاً لأعمال مهمة بدلاً من ضياع مشروعهم الفنى بانتظار «الجديد» على الساحة الاردنية.



ولأن الدراما لم تعد عنصراً من عناصر التسلية وحسب، بل أصبحت فى العديد من الدول وجها من الوجوه الحضارية والثقافية للتطور والانفتاح على الاخر، وأحد عناصر الجذب السياحى بامتياز «تركيا مثالا» ، فضلا عن كونها صناعة مهمة تحقق الدخل الجيد لآلاف الأسر، كما أصبح الفنانون بالفعل سفراء يمثلون دولهم فى المنظمات والمحافل الدولية، والوصول إلى هذه المستويات لم يكن يوماً وليد اللحظة، بل يأتى بناء على تجارب تراكمية وأخطاء وعقبات، يتجاوزها العاملون فى هذا المجال بعد أن يعترفوا بها ويتعلموا منها، وهذا للأسف ليس الطريق الذى اختارته الدراما الأردنية، حيث بقيت عالقة تتفاخر بريادتها المنسية وقدراتها المهملة ولعنة الحظ العاثر، إلى أن استطاعت مؤخرا أن تفيق من كبوتها الحالية بالدخول فى تجارب إنتاجية مشتركة، يمكن أن تعتدل بموجبها الصورة الذهنية فى مخيلة الجمهور الأردنى والعربى والمحطات الفضائية على حد سواء، كما حدث العام الماضى «رمضان 2016» حيث تحققت طفرة نسبية فى الإنتاج كميًا، إذ قدم مخرجون أردنيون ثلاثة مسلسلات تاريخية، هى «السلطان والشاه» لمحمد عزيزيه، و»مالك بن الريب» لمحمد لطفى، و»سمرقند» لإياد الخزوز، وفى رمضان 2017 قدم المنتج عصام حجاوى صاحب «حنايا الغيث» و»الدمعة الحمراء» مسلسله البدوى الرائع «العقاب والعفراء» فى قصة تدور حول صراع الحب والحرب فى البادية، من بطولة «نسرين طافش وعبد المحسن النمر» بسيناريو محكم للكاتبة نورا الدعجة، والمخرجة «رولا الحجة»، وقدم التليفزيون الأردنى مسلسل مودرن بعنوان «ضوء أسود» للكاتب «محمد أبو سماقة» والذى يكشف عن المستور داخل المجتمع الأردنى حول تجارة المخدرات وأثرها على الشباب، فى إطار ما يسمى بـ «الجرأة الاجتماعية» التى لم تعتدها الدراما الأردنية منذ مسلسل «شمس الأغوار»، من إنتاج التلفزيون الأردنى عام 1979، سيناريو محمود الزيودى، وشارك فيه نخبة من الفنانين الأردنيين على رأسهم «نبيل المشينى، أسامة المشينى، جولييت عواد، جميل عواد، يوسف الجمل، حسن ابراهيم، محمد القبانى، تيسير عطية، أمل الدباس، رشيدة الدجانى، ربيع شهاب، يوسف يوسف، وآخرون»، حيث عالج العمل حكاية «الأرض والانسان» التى اعتمدها الكاتب «محمود الزيودى» والمخرج «سعود الفياض» فى عرض مشاكل المزارعين فى منطقة الأغوار، وقضايا تسويق المنتج الزراعى، وتحكم الوسطاء، وجنى الأرباح من شقاء المزارعين البسطاء.وإذا كان «الزيودى» قد ركز على واقعية المجتمع الأردنى فى سبعينيات القرن الماضى دون العزف على الجراح، فإن الكاتب الأردنى «محمد أبو سماقه» اتخذ من جرأة الطرح وملامسة هموم المواطن الأردنى سبيلا لتناول قضايا مجتمعية ملحة، بالضغط على العصب العارى فى المجتمع فى مسلسله «ضوء أسود» الذى عرض فى رمضان الماضى ممثلا للدراما الحديثة أو المودرن - بحسب تعبير صناعه - من خلال عرض حى للأنماط الاستهلاكية ومنظومة القيم الاجتماعية، وما طرأ عليها من حالات تبدل واختلالات جوهرية أدت بالضرورة إلى سعى الناس إلى تحقيق المكاسب المادية على حساب القيم، وكذلك استعدادهم لتقديم تنازلات شخصية فى سبيل تحقيق أهداف مادية سريعة، ويعالج العمل من جهة أخرى مسار التهريب وعصابات المخدرات، كذلك طرح مشكلة «الجوكر» كنوع من المخدرات القاتلة، فضلا عن تناول البعد الاجتماعى لأطفال التوحد. صحيح أن «أبوسماقة» حاول بأسلوب أدبى درامى عبر قصته التى «تحكى الواقع دون رتوش» أن يمزج بين شاعرية اللغة وقوة تقنيات الحوار، وأسرف كثيرا فى جمالية بناء شخصيات العمل الدرامى، وذلك بمزج بين الواقعية النقدية والدراما الاستعراضية المتحركة، كى يستحوذ على انتباه الجمهور الذى يتماهى فى لحظة ما مع الاحداث والوقائع، ويخرج عفويا من الزمن العادى ليلامس زمنا دراميا مليئا بالدهشة والانبهار والخوف والحدس، وليعود بعدها لاستئناف حياته الطبيعية، لكن أداء بعض الممثلين على قدر خبرتهم العريضة مثل «عبير عيسى» لم تمكنه من تحقيق هدفه فى الاستحواذ على مشاعر الجمهور، على نحو يشير إلى أن جسد الممثل هو جسد الشخصية التى يمثلها، فيما تبدو بطلة المسلسل الفنانة الشابة «علا مضاعين» بإطلالة جديدة تؤكد أنها ممثلة موهوبة وقادمة على الطريق، ويبدو أنها تشتغل على نفسها وعلى أدواتها الفنية، وتتمتّع بحضور جذّاب وطبيعى على الشاشة، وطموحة ومتجددة فى الأدوار التى تقدّمها عادةً، فقد نجحت فى الذهاب بنا نحو مقاربة العلاقة بين أداء الممثل وبين المناخ الدرامى الذى ينقله للمشاهد، عبر فرجة لعبية فطرية طفلية قائمة على التمثيل التلقائى، والتشخيص اللعبى الحر، وهى هنا تتكئ على التمثيل التلقائى، والارتجال العفوى الطبيعى، والإكثار من الألعاب الفطرية المتنوعة المبنية على المحاكاة والتقليد، والاهتمام بالتخييل الإيهامى، والانسياق وراء التشخيص الذاتى الاعتباطى، لكنها فى الوقت ذاته ينقصها تمارين أكثر على المهارات الصوتية. وعلى أن المسلسل يواكب ما تمر به المنطقة العربية والعالم من شيوع الأفكار الشيطانية فى القتل والتدمير والاتجار بالسموم والبشر والأفكار الدينية، وهى أفكار ربما تجذب عدداً من الشباب الذين يجدونها فرصة للتعويض النفسى، وهذا المسلسل هو عبارة عن جزء أول من ثلاثية درامية تعالج جملة من القضايا الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، بحسب كاتب العمل «محمد أبو سماقة»، يليه الجزء الثانى بعنوان «نهاية مؤجلة» والجزء الثالث الذى يحمل عنوان «ظلال الخريف»، إلا إنه يعد نقلة نوعية للسيطره على عقول الشباب الاردنيين، مما شكل اتجاها فكريا لدى الشباب بأنه أصبح التلفزيون الأردنى يواكب العصر الفنى، وظهور أعمال دراما على مستوى عالى ومتقدم فنيا على مستوى الوطن العربى، فى إطار اجتماعى مودرن وجريء يناقش أخطر مشاكل وقضايا الشباب الأردنيين والعرب بصورة جديدة، حيث تناقش أحداثه مشاكل الشباب النفسية والعاطفية والعائلية والاقتصادية، فتوقعهم فى براثن الطامعين وتجار المخدرات عبر عائلة أردنية عادية تواجه الحياة بوجهات نظر متعدّدة بين جيل الآباء والأمهات وجيل أبنائهم وبناتهم الشباب الذين يصارعون حواجز مرئية وخفيّة، إلى جانب معاصرتهم صراع رجال الأعمال، كما إنه يعدّ أول عمل درامى أردنى يلقى الضوء على احتياجات مرضى التوحد فى الأردن بأسلوب إنسانى عميق.



ومن الناحية الإخراجية، حاول «شعلان الدباس» أن يخرج العمل بصورة أقرب ما تكون إلى الصورة السينمائية مع الاعتماد على الكادر المتحرك غير الثابت بدون أن يفقد الحدث الدرامى معناه فى كثير من المشاهد، لكنه أخفق للأسف فى مناطق أخرى كثيرة طغى عليها «تقليدية الصورة» التى بدت كأنها تواكب مرحلة قديمة للدراما الأردنية، حيث نلمس من خلال سير الأحداث الولادة بالمفاجآت اضطراب الرؤى النفسية وتأرجح المواقف، والاستناد إلى ذلك الضوء الذى يبدو فى حقيقته أسود بالرغم من كل بريقه الذى يسحر الشخوص ويسير بهم إلى مناطق ليست فى الحسبان، الأمر الذى انعكس على أداء بعض الممثلين، بينهم أصحاب خبرة فى ميل جارف إلى الخطابة والتصنّع، ما يعكس عدم قدرة المخرج على قيادة فريق العمل على النحو الصحيح.. لتبقى فكرة العمل وجرأة التناول من جانب المؤلف «أبو سماقة» هى أبرز ما جاء فى المسلسل.