عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
جـــــلب الحـــــــبيب
5 سبتمبر 2017
فتحى مـحـمود;

الصدفة وحدها قادتنى لمتابعة حوار بين فتاة من الواضح أن ثقافتها محدودة وأحد سحرة الأعمال السفلية (هكذا يعرف عن نفسه)، كانت الفتاة ترغب فى عمل لجلب الحبيب الذى تعشقه وإعادته إليها بعد أن هجرها، بينما الساحر ـ وهو من أصل مصرى ويعيش فى أوروبا ومثقف وصريح جدا ولا تنطبق عليه الصورة النمطية التى نعرفها عن المشعوذين ـ يسألها إذا كانت تريد جلب فقط أم جلب وسلب إرادة (أى جعلها تتحكم فى حبيبها كيفما تشاء)، وطلب منها مبلغ ألف دولار تدفع نصفها مقدما مقابل عملية الجلب فقط، وحدث خلاف على طريقة الدفع بين الجانبين فتدخل ساحر آخر من القاهرة عارضا على الفتاة القيام بالعمل المطلوب مقابل أقل من هذا المبلغ بكثير وجلب الحبيب خلال أيام قليلة.

الساحر الأول ـ الذي يبدو أنه متمكن بالفعل من عمله ـ شرح بصراحة أنه يعمل بالسحر السفلى ويتعامل مع الجان والطلاسم والنجسات ومن يرغب فى التعامل معه على هذا الأساس أهلا وسهلا، وأن عملية جلب الحبيب لا تتم قبل ٢١ يوما ومن يقل بأقل من ذلك هو نصاب، وأن من يزعم العلاج الروحانى بالقرآن وفى نفس الوقت يمارس الأعمال الخاصة بجلب الحبيب والربط وزواج العانس وغيرها من الأعمال هو نصاب أيضا لأن السحر الحقيقي لهذه الأعمال هو سحر سفلى خاص بالجان والنجسات ومن يتعامل مع القرآن لا يتعامل فى الوقت نفسه مع السحر السفلى، فهما عالمان مختلفان.

ورفع ساحرنا سقف التحدى بذكر تفاصيل إحدى طرق جلب الحبيب موضحا أنه لا يمكن لأى شخص تنفيذ هذه الطريقة إلا إذا كان ملتزما بكل قواعد السحر السفلى ومنها أن يكون الساحر على نجاسة وجنابة وشرب خمر وقادر على التعامل مع العمار (الجن من سكان المكان) ولديه عهود معينة.

وبعيدا عن باقى الحوار الذى من الصعب نشر تفاصيله المثيرة فى هذا المقال، لفت انتباهي بعض الملاحظات المهمة، منها أن السعي لجذب حبيب رغما عن إرادته أو عبر التأثير عليه بوسيلة أو بأخري هو أمر يتنافى مع أبسط مفاهيم الحب، وستنتهى العلاقة بين الطرفين ـ إذا تمت ـ بمجرد أن يفيق أحدهما من وهم الإغراءات أو تأثير القوة القاهرة أو عملية التحايل التى تعرض لها، وإذا كنا نمتلك سحرة لديهم هذه الإمكانيات فى عملية «الجلب» لماذا لا يستخدمون قوتهم فى جلب السياح إلى مصر أو جلب المستثمرين، بل لماذا لا يستطيعون جلب الثروة والسعادة إلى أنفسهم ويتصدرون قائمة مليارديرات العالم؟

وإذا كان تصور بعضنا أن الحب يعنى الإستيلاء على المحبوب بأى وسيلة وأي ثمن، حتي لو كان الثمن تصرفات تغضب رب العزة، فإن زميلتنا المبدعة بالأهرام الأستاذة مى الخولى حسمت هذا الأمر فى عدة بوستات مهمة على صفحتها بالفيس بوك خلال عيد الأضحي، قالت فى أحدها:

حين تعلق قلب إبراهيم بإسماعيل، أمره الله بذبح هواه، وكان أمام خيارين لا ثالث لهما، إما أن يقدم حبه الله، على حبه إسماعيل، أو يقدم حبه لإسماعيل على حبه لله، قلب إبراهيم كان متلألئا يليق به أن يمتلئ بالله، الله أراد قلب إبراهيم، ولم يرد فيه شريك، وخيّر إبراهيم بينه وبين إسماعيل، فلما اختار إبراهيم الله طوعا، ترك الله له هواه فضلا، وفدى هواه بكبش عظيم .

فسلام الله على قلوب الإبراهيميين التي لا يليق بها إلا حب الله لا ينازعنه فيها هوى، كلما ضعفوا ومالوا إلى من دونه ذبح الله عنهم هواهم، ذلك يوم حق فيه للإبراهيميين أن ينتشوا بحبيب يغار على قلوبهم، وهو من هو.. فاذبح هواك يكن لك.

وأضافت مى الخولى: من أحب بحواسه فله ما أحب، ومن أحب بقلبه فربما يكن له ما أراد، أما من تخطي حبه حواسه وقلبه إلى روحه، فقد بات لزاما عليه أن يعود من طريقه الطويل كسير روح مستنفد طاقة، مهزوما، لا عوض له، وذلك الذي خذلك هو لا شيء ولا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، ولو ملك نفع نفسه للزم قدميك، إنما هو أداة الله، يعاقبك بها ذاتها، لأن الروح من أمره وله، وما كان عليك أن تسلم أمرها لمن دونه، كان عليك أن توقف انزلاقك العظيم نحو الهاوية، أما وإنك لم تفعل، فكان لزاما عليك أن تعود مخذولا، حتي لا تعتمد سندا غير الله، ولا تبحث عن أنس بغير الله ، وحتي تطيب جراحاتك بذكر الله، تماما كما كنت تطيب لرؤية الحبيب، وحتي ترقص روحك داخل صدرك في معية الله وحضرته تماما كما كنت تنتشي إذا ما صافاك الحبيب وجلست إليه تحدثه، وحتي تنتظر مواعيد الصلوات تماما كانتظارك مواعيد اللقا مع حبيبك، مشتاقا في أبهي حلية وزينته.

وبمناسبة حديث مى الخولى، اتذكر واقعة مهمة قد تكون محبطة لعشاق قصيدة الأطلال التى أبدعها الدكتور إبراهيم ناجى وشدت بها أم كلثوم واستلهمها كثير من العشاق للتعبير عن حالهم، فالبطلة الحقيقية لهذه القصيدة ليست إحدى الممثلات كما شاع لدى البعض، لكن جارة قديمة لناجي فى حى شبرا تدعى عطيات محمود عشقها بشدة قبل أن يسافر لدراسة الطب وتتفرق بهم السبل، وظلت لسنوات طويلة ملهمته فى كتابة كثير من القصائد العاطفية، وفى أحد الأيام دخل ناجى محل جروبى بوسط القاهرة لشراء علبة شوكولاتة لصحفية كان مدعوا على الغذاء لديها، واقتربت منه سيدة وسألته هل هو الدكتور ناجى، فقال نعم، فسألته ألا تعرفنى؟ فأجاب بالنفى، وعندها قالت له أنها جارتهم القديمة عطيات، وأصيب ناجى بحالة من الذهول أن يصل به الأمر أن يقابل معشوقته ولا يتعرف عليها، واعتذر لها عن غفلته، وذهب إلى منزل الصحفية المدعو به وهو فى حالة اضطراب نفسى، ولم يتناول الغذاء وإنما جلس ليكتب الأطلال:

يافؤادى رحم الله الهوى

كان صرحا من خيال فهوى

‫<‬ كلمـــات:

فخَالِفْ هَوَاكَ فإنَّ الهوَى.. يقودُ النفوسَ إلى ما يعابُ

الإمام الشافعى