أحمد السيد النجار
محمد عبد الهادي علام
بريد الجمعة يكتبه:أحمد البرى
الشبح الأسود!
21 أكتوبر 2016
أحمد البرى;

أتابع بريدك بانتظام وأتأمل تجارب قرائه فى بحر الحياة متلاطم الأمواج، وأحاول استخلاص الدروس والعبر من كل تجربة فيه، ولما ضاقت بى السبل، وانسدت أمامى الأبواب، لم أجد سواك لكى أعرض عليه حكايتى مع المتاعب والآلام،


فأنا سيدة مسيحية، نشأت فى أسرة مترابطة بالاسكندرية، وعشنا فى كنف أب حنون ربانا أحسن تربية، فالتحقنا جميعا بالكليات المختلفة عملية ونظرية، وأم سهرت على راحتنا، وعلمتنا الفضيلة، وغرست فى نفوسنا الحب والتعاون والنقاء وحسن الظن فى الآخرين، ولذلك أحبنا الجميع، المسلمون والمسيحيون، ولا أبالغ إذا قلت لك إن المسلمين دائما كانوا لنا أكثر قربا ومودة من بعض أهالينا وأفراد عائلتنا، وقد رحل أبى عن الحياة بعد تخرجى فى الجامعة، وتولت أمى مسئوليتنا بمفردها، وجاءتنى عروض زواج كثيرة، ولم أجد بين من تقدموا لى وقتها فارس أحلامى الذى طالما تمنيت أن ارتبط به، وكلما عرضت عليّ والدتى أحدهم أتحدث معها بصراحة عن عدم رغبتى فى الزواج به، فلا تعيد الحديث معى بشأنه مرة أخري، إلى أن طرق بابى مهندس حر جذب أمى بكلامه الرائع وأسلوبه الرشيق، فأثنت عليه ووصفته بأنه إنسان طموح، ولديه مشروع كبير فى مجال السياحة، لكنى لم أرتح له، وبخلاف كل مرة يزورنا فيها أحد الخطّاب، فإنها أعادت الحديث معى أكثر من مرة حول العريس الأخير، فوجدتنى مضطرة لقبوله من منطلق أن أمى تعرف مصلحتي، وتخشى عليّ من الرفض المتكرر للعرسان، كما أن هذا الشاب بدا لنا مختلفا عن الآخرين، ونحن نتقارب معا فى المستويات المادية والاجتماعية والتعليمية، وهو من الشرقية، وشاءت الأقدار أن نلتقى عن طريق أحد المعارف، ويكبرنى بعشر سنوات، واعتبرت أن هذا الفارق فى العمر سيجعله أكثر خبرة بالحياة، وسوف يكون أكثر عقلانية من الشباب المماثلين له فى العمر الذين لم تصقلهم التجارب، ولم يكتسبوا الخبرات التى يستطيعون أن يواجهوا بها ما يعترضهم من عقبات.



وبعد فترة خطبة استمرت ستة أشهر تزوجته، فإذا بى اكتشف منذ اليوم الأول لزواجنا انه ممثل بارع، فلقد أزاح القناع الذى كان يرتديه عن وجهه القبيح، وأذاقنى أقسى أنواع العذاب من ضرب وركل بالأقدام، ولم يكن يتركنى إلا عندما تنزف أنفى دما، وأسأله: ماذا فعلت لك لكى تعذبنى وتهينني، فيرد بالتمادى فى ضربي.. وفشلت فى معرفة ما أرتكبه من أخطاء تجعله ينكل بى هذا التنكيل، وذات يوم جاءنى هائجا وأخذ يضرب رأسى فى الحائط حتى سال الدم منها، فصرخت بأعلى صوتي، وسمعنى جيرانى المسلمون، فسارع بعضهم الينا، ودقوا جرس الشقة، ولما فتح لهم الباب جذبوه بعيدا عنى بينما طلب البعض الآخر شرطة النجدة، فجاءت قوة حررت محضرا بالواقعة وللأسف تم حفظ المحضر بعد أن استخدم نفوذه ومعارفه، لعدم تحويله إلى القضاء، وبت تلك الليلة فى شقتي، وأنا فى أشد حالات الرعب، ومع بشائر الصباح جمعت بعض متعلقاتى الشخصية، وذهبت إلى بيت أسرتى للإقامة مع أمي، واتخذت قرارا بألا أعود إلى هذا المجنون بأى حال من الأحوال، وكان وقتها قد مر عام على زواجنا، ولم يمض شهر واحد حتى انتابتنى بعض المتاعب، فذهبت إلى الطبيب بصحبة والدتى فأخبرنى بأنى حامل، ونزل عليّ الخبر كالصاعقة، إذ سيأتى مولودى إلى الدنيا وأنا وأبوه على خلاف حاد، ولا تبدو فى الأفق أى بارقة أمل لإصلاح أحواله، وبعد أن هدأت قليلا أبلغته بحملي، فلم يكترث أو يهتم بأمري، وتجاهل تماما أننى زوجته، وتصرف فى ملابسى ومتعلقاتى الشخصية وعفشى الثمين ومجوهراتى ولم يعد لى حق مطالبته بها، بل باع أيضا شقة الزوجية وانتقل إلى سكن آخر مجهول، وبحث عنه أهلى دون جدوي، ثم عرف مكانه بعض معارفنا، والتقوا به، وحاولوا بكل الطرق الودية والدينية الضغط عليه لكى تعود المياه إلى مجاريها بيننا لكنه رفض رفضا قاطعا أى محاولات للصلح، ولم أجد سببا لعناده إلى هذا الحد وهو الذى كان يهيننى ويذيقنى العذاب أشكالا وألوانا دون أن أرتكب فى حقه إثما ولا جريرة.



ووضعت ابنتى ونور عيني، وتولت أمى مصاريفنا من مالها الخاص البسيط، ومرت سنوات لا ندرى عنه شيئا، وكبرت الطفلة، ولم يفكر فى رؤيتها أو السؤال عنها. أو أن يصرف عليها مليما واحدا على الرغم من قدرته المادية، فهو مهندس حر، ولديه شركات وشاليهات بالغردقة وشرم الشيخ ويؤجرها للسياح بالدولار، وساءت أحوال والدتى المادية، فباعت الشقة الكبيرة، التى كانت تجمع الأسرة، واشترت شقة أصغر منها فى المنطقة نفسها التى نعيش فيها، ووفرت مبلغا من المال لتسيير أمورنا ومواجهة متطلبات المعيشة، ورأت أيضا أن الشقة الجديدة فى مكان بعيد عن الشقة السابقة، وبالتالى لن يعرف طريقا إلينا، وهذا ما حدث بالفعل لمدة أربع سنوات، ثم فوجئت بأنه كان يحصل على أحكام غيابية ضدى برؤية ابنته فى الشرقية، مع أننى أعيش فى الاسكندرية، وأرغمتنى المحكمة على إعلامه بمكاني، فأرسلت عنوانى إلى المحكمة، وبمجرد علمه به، أمطرنى بعدد هائل من القضايا منها قضية ثبوت طلاق أمام شهود هم أخوته!، ثم طلقنى غيابيا وأثبت ذلك فى الشهر العقارى بعد أن قام بتغيير الطائفة التى ينتمى إليها لكى تتاح له فرصة تطليقي، وكبرت ابنتى والتحقت بالمدرسة، فى الوقت الذى لم يشعر فيه أبوها بأى مسئولية تجاهها، واضطررت فى النهاية إلى الاقرار أمام المحكمة بالطلاق، وأصابنى الهم والغم، وانتشرت الأورام فى جسمي، ولم يحرك وضعنا المؤلم شيئا لديه، ولم آخذ منه أى مليم حتى عن طريق المحكمة.



وبعد أربع سنوات من الطلاق، صحوت ذات يوم على خبر مفزع، إذ وجدته فى العمارة المواجهة للعمارة التى نقطن بها، وعلمت أنه اشتراها بالكامل، وانتقل للاقامة فى الاسكندرية نهائيا، وتوالت المفاجآت حيث اكتشفت زواجه من شابة سنها عشرون سنة، وهو الآن فى سن الخمسين، ولما نظرت إليها وعرفت اسمها إذا بها خالة صديقة طفلتى بالمدرسة، وكنت أستضيفها لتأكل من أكلنا وتشرب من شربنا، وأخفت هذا الزواج الغريب عنا تماما، وكنا نذهب معا إلى الكنيسة لأداء الصلاة، ولا نعلم بما تفعله دون علمنا، وأخذت أضرب كفا بكف مما ارتكبته هذه اللئيمة التى سيطرت على والد ابنتي، ولا أدرى كيف تزوجته، وما الذى استند عليه فى زواجه من أخري؟.. هل استخدم أوراقا مزورة؟ وهل لجأ إلى الأكاذيب لتمرير الزواج؟



إننى أرى زوجى السابق شبحا أسود أمامى فى صحوى ومنامي، ويطاردنى فى كل تحركاتى حتى انه لم يعد يغمض لى جفن، وأنهض من عز النوم على هذا الشبح الذى يريد أن يفتك بى وبابنتي، فأضيء نور حجرتنا، وأدعو ربنا أن يزيل هذه الغمة الجاثمة فوق صدرينا، فلقد صارت حياتى كوابيس مزعجة، ولا أجد طريقا للخلاص منها، ولا أدرى ماذا أفعل لكى لا أرى هذه السيدة التى أحالت حياتنا إلى جحيم، فهى تتعمد أن تظهر فى الشباك مرة والبلكونة مرات خلال اليوم الواحد، وتبدو فى أتم زينتها وشبه عارية، ويحاول هو عن طريق دفعها لإقامة علاقات مع الجيران أن يتلصص علينا ويعرف أخبارنا، ويراقبنا فى كل خطوة نخطوها حتى ضقت ذرعا بتصرفاتهما، فالشعور بعدم الأمان شيء مرعب، ولا أريد شيئا سوى ابعادهما عن طريقنا، فالمضايقات لنا مستمرة، وهو لا يكلم ابنته ولا يهتم بأمرها، ومع ذلك لايتركنا فى حالنا، فهل ترى سبيلا إلى خلاصنا من هذا العذاب؟







ولكاتبة هذه الرسالة أقول :



لم تكن هناك أسس راسخة لزواجك منذ البداية إذ كان يتعين عليك أن تصرى على موقفك بعدم الارتباط بمن لا ترتاحين إليه، ولا تجدين فيه الزوج المناسب الذى تقضين معه بقية عمرك، فهذه المسألة ليست محل تجارب، وعلى الأسرة دائما التفرقة بين الكلام المعسول الذى يتخذه البعض حيلة للإيقاع بمن يريدون الفوز بهن، والكلام الواقعى الذى يضع النقاط فوق الحروف، فالزواج كيان متكامل. وهو فى الدين المسيحى رباط روحى بين رجل واحد، وامرأة واحدة، ويتساوى فيه الاثنان ويكملان بعضهما ويؤكد ذلك ما جاء فى الإنجيل من أن الرجل يترك أباه وأمه، ويلتصق بامرأته، ويكونان جسدا واحدا، بمعنى أنهما يذوبان فى المحبة المتبادلة والتفاهم، والمرأة هى النصف الآخر للرجل وبهما معا تدوم الرابطة الزوجية، وينجبان ذرية صالحة تتربى فى مخافة الله، فأين الرجل الذى دفعتك والدتك للزواج به من ذلك؟ بالطبع لم تجديه عند كلامه المعسول، ولم تشعرى معه بالأمان العاطفى ولا السكينة المفروض أن تسود بين الأزواج، ولم يعمل بوصية المسيح «كونوا دائما محبين لزوجاتكم»، وحتى لو أن موقفه تجاهك كان رد فعل لتصرفات منك لم ترضه كان عليه أن يراعى ظروفك، ويكون صبوراً معك، ولو فعل ذلك لقرّب المسافات بينكما، إذ كنت وقتها سوف تحسين بحبه لك وخوفه عليك.



إن الإنسان الطبيعى يثور ويهدأ، ويفرح ويحزن، وعندما ينتابه الضيق، من أمر ما لا يكون رد فعله فوريا، وإنما يتريث بعض الوقت، ويبحث عن موعد مناسب لمناقشة المسألة التى أزعجته أو أثرت فيه بشكل سلبي، وقد فاتكما أن من أهم العوامل التى تساعد فى تحقيق السعادة الزوجية، عدم الإفراط فى الحديث عن المشكلات، فكثرة تناولها تسبب التوتر والقلق النفسي، وعدم الإكثار من الكلام عن مسئوليات البيت الاجتماعية التى تتمثل فى مصروف المنزل، وبالاضافة الى ذلك فإن السعى إلى قضاء إجازة فى مكان هادئ يساعد على ردم المشكلات الزوجية، كذلك يلجأ البعض إلى التقليل من قدر زوجاتهم، كأن ينتقد الزوج شكل زوجته، أو يشير إلى أن وجهها بات شاحبا، وأنها لا تهتم بنفسها، وأى زوجة لا تتقبل ذلك من زوجها، وتكون انتقاداته لها عامل ضغط على الحياة الزوجية، ولو تبادل الاثنان الرد على بعضهما، تزيد الخلافات ويصبح من الصعب رأب الصدع الذى يصيب حياتهما معا، نتيجة هذه التصرفات الطائشة.



والحقيقة أنه لا تخلو أى أسرة من الخلافات البسيطة، والمهم أن يتداركها الزوجان قبل فوات الأوان، وتكون مناقشاتهما معا مستمرة عن طريق تضييق الفجوات بينهما، ولا تتحول إلى مشاجرات عقيمة، فالشجار العقيم هو ذلك الشجار الذى يوسع الهوة بين الزوجين دون أن يحل سبب المشكلة، ولذلك تستفحل الخلافات بينهما، وتستفحل مشاعر الأسى والخصام والغضب الشديد والكراهية، وفى كثير من الأحيان سوء المعاملة والعنف والطلاق، وأحسب أن ذلك هو ما حدث بينكما، إذ افتقدتما المهارة اللازمة لمناقشة المشكلات وتسويتها، لكنك فعلت ما فى استطاعتك لإعادة المياه إلى مجاريها بينكما، فلم يستجب لنداء العقل والحكمة، وبحث عن حيلة للخلاص منك بتغيير الطائفة التى ينتمى إليها، وما إلى ذلك من الأمور الدينية والقضائية التى ليس باستطاعتنا التدخل فيها، أو إبداء آراء بشأنها، فلقد حاولت أن ترممى علاقتكما بعد كل ما اعتراها من شروخ، وأمنت بأنك تستطيعين أن ترضى الله بصرف النظر عن تصرفاته، ولذلك وافقت على العودة إليه، فإذا به يرفض تماما جميع محاولات الصلح، ويحصل على الطلاق عن طريق القضاء.



وبالطبع فقد فات أوان عودة علاقتكما الزوجية، لكن وجود إبنة بينكما يحتم على كل منكما الاعتراف بالأمر الواقع، وأن يتوب عن خطيئته، ويصحح مساره، وعلى والد طفلتك أن يتحمل مسئوليتها، وأن يتوقف عن الكيد لك، فلقد مر على انفصالكما اثنا عشر عاما، وهى فترة كفيلة بأن تنسيكما الخلافات القديمة، ولا تزعجى نفسك بما إذا كان زواجه من تلك السيدة صحيحا أم باطلا، فأمامك مهمة كبرى هى ابنتك، وعليه أن يتكفل بكل شئونها، وإذا لم يفعل ذلك من تلقاء نفسه، فإن القضاء سوف يلزمه بمسئوليته عنها، ولا أدرى كيف يطاوعه قلبه أن يتخلى عن فلذة كبده، وهو يعيش فى ثراء كبير بامتلاكه العمارات والشاليهات، فى الوقت الذى لاتجد فيه ابنته ما يقيم أودها.. فليتق الله فيها، وليبعد السيدة التى ارتبط بها عن طريقك، وليعلم أن من غدرت بصديقتها لن تكون أمينة معه، وقد تتخلى عنه فى أى لحظة عندما تنال منه ما تريد، وسوف يعض نواجذ الندم على ما اقترفه فى حقك. فدعيه وشأنه وسوف يفتح الله لك أبواب الراحة والطمأنينة وكل ما عليك أن تأخذى بالأسباب، وأحسب أن هناك محامين فضلاء يمكنهم أن يدرسوا قضيتك ويحاولوا استعادة حق ابنتك، وبالتأكيد فإن القضاء سوف ينصفك لأنك صاحبة حق، وسيتم أخذ التعهدات اللازمة عليه بعدم التعرض لك، ومادام يسكن فى العمارة المواجهة لكم، فإنه لا يحتاج إلى ساعات للرؤية، فابنته أمام ناظريه ليل نهار، وأصبح عليه أن يتولى تربيتها تربية صالحة ولا يسيء إليك عندما تكون فى صحبته، وعليك أيضا ألا تسيئى إليه، وقولى لابنتك: إن الخلافات واردة بين كل الأزواج، وأن انفصالكما كان حتميا من أجل راحة الطرفين، وأسأل الله أن يرزقك الأمان والسكينة، وإليه سبحانه وتعالى تصير الأمور.