أحمد السيد النجار
محمد عبد الهادي علام
أرنى‭ ‬الله
24 يونيو 2016
‬توفيق‭ ‬الحكيم

كان‭ ‬فى‭ ‬سالف‭ ‬العصر‭ ‬والأوان‭ ‬رجل‭ ‬طيب‭ ‬السريرة‭ ‬صافى‭ ‬الضمير،‭ ‬رزقه‭ ‬الله‭ ‬طفلا‭ ‬ذكى‭ ‬الفؤاد‭ ‬ذلق‭ ‬اللسان‭.. ‬فكانت‭ ‬أمتع‭ ‬لحظاته‭ ‬ساعة‭ ‬يجلس‭ ‬إلى‭ ‬طفله‭ ‬يتحادثان‭ ‬كأنهما‭ ‬صديقان‭.. ‬فيلحظ‭ ‬كأن‭ ‬فارق‭ ‬السن‭ ‬وفاصل‭ ‬الزمن‭ ‬مرتفع‭ ‬من‭ ‬بينهما‭ ‬كستارة‭ ‬وهمية‭ ‬من‭ ‬حرير،‭ ‬فإذا‭ ‬هما‭ ‬متفقان‭ ‬متفاهمان،‭ ‬لهما‭ ‬عين‭ ‬العلم‭ ‬وعين‭ ‬الجهل‭ ‬بحقائق‭ ‬الوجود‭ ‬وجواهر‭ ‬الأشياء‭..‬


نظر‭ ‬الرجل‭ ‬يوما‭ ‬إلى‭ ‬طفله‭ ‬وقال‭:‬



ـ‭ ‬شكرا‭ ‬لله‭.. ‬أنت‭ ‬نعمة‭ ‬من‭ ‬الله‭!.‬



فقال‭ ‬الطفل‭:‬



ـ‭ ‬إنك‭ ‬يا‭ ‬أبت‭ ‬تتحدث‭ ‬كثيرا‭ ‬عن‭ ‬الله‭.. ‬أرنى‭ ‬الله‭!..‬



ـ‭ ‬ماذا‭ ‬تقول‭ ‬يابنى؟



لفظها‭ ‬الرجل‭ ‬فاغر‭ ‬الفم،‭ ‬ذاهل‭ ‬الفكر،‭ ‬فهذا‭ ‬طلب‭ ‬من‭ ‬الطفل‭ ‬غريب‭ ‬لايدرى‭ ‬بما‭ ‬يجيب‭ ‬عنه‭.. ‬وأطرق‭ ‬مليا‭.. ‬ثم‭ ‬التفت‭ ‬إلى‭ ‬ابنه‭ ‬مرددا‭ ‬كالمخاطب‭ ‬نفسه‭:‬



ـ‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬أريك‭ ‬الله؟‭.‬



ـ‭ ‬نعم‭.. ‬أرنى‭ ‬الله‭!..‬



ـ‭ ‬كيف‭ ‬أريك‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬أره‭ ‬أنا‭ ‬نفسى؟‭!.‬



ـ‭ ‬ولماذا‭ ‬يا‭ ‬أبت‭ ‬لم‭ ‬تره؟‭.‬



ـ‭ ‬لأنى‭ ‬لم‭ ‬أفكر‭ ‬فى‭ ‬ذلك‭ ‬قبل‭ ‬الآن‭.‬



ـ‭ ‬وإذا‭ ‬طلبت‭ ‬إليك‭ ‬أن‭ ‬تذهب‭ ‬لتراه‭.. ‬ثم‭ ‬ترينى‭ ‬إياه؟‭..‬



ـ‭ ‬سأفعل‭ ‬يابنى‭.. ‬سأفعل‭.‬



ونهض‭ ‬الرجل‭.. ‬ومضى‭ ‬لوقته‭ ‬وجعل‭ ‬يطوف‭ ‬بالمدينة‭ ‬يسأل‭ ‬الناس‭ ‬عن‭ ‬بغيته،‭ ‬فسخروا‭ ‬منه،‭ ‬فهم‭ ‬مشغولون‭ ‬عن‭ ‬الله‭ ‬ومشاهدته‭ ‬بأعمالهم‭ ‬الدنيوية‭.. ‬فذهب‭ ‬إلى‭ ‬رجال‭ ‬الدين‭ ‬فحاوروه‭ ‬وجادلوه‭ ‬بنصوص‭ ‬محفوظة،‭ ‬وصيغ‭ ‬موضوعة‭.. ‬فلم‭ ‬يخرج‭ ‬منهم‭ ‬بطائل‭.. ‬فتركهم‭ ‬يائسا‭.. ‬ومشى‭ ‬فى‭ ‬الطرقات‭ ‬مغموما‭ ‬يسأل‭ ‬نفسه‭: ‬أيعود‭ ‬إلى‭ ‬طفله‭ ‬كما‭ ‬ذهب‭ ‬خاوى‭ ‬اليد‭ ‬مما‭ ‬طلب؟‭.. ‬وأخيرا‭ ‬عثر‭ ‬بشيخ‭ ‬قال‭ ‬له‭:‬



ـ‭ ‬‮»‬اذهب‭ ‬إلى‭ ‬طرف‭ ‬المدينة‭ ‬تجد‭ ‬ناسكا‭ ‬هرما‭ ‬لا‭ ‬يسأل‭ ‬الله‭ ‬شيئا‭ ‬إلا‭ ‬استجاب‭ ‬له‭.. ‬فربما‭ ‬تجد‭ ‬عنده‭ ‬بغيتك‭



فذهب‭ ‬الرجل‭ ‬توا‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬الناسك‭ ‬وقال‭ ‬له‭:‬



ـ‭ ‬جئتك‭ ‬فى‭ ‬أمر‭ ‬أرجو‭ ‬ألا‭ ‬تردنى‭ ‬عنه‭ ‬خائبا‭.‬



فرفع‭ ‬إليه‭ ‬الناسك‭ ‬رأسه‭ ‬بصوت‭ ‬عميق‭ ‬لطيف‭:‬



ـ‭ ‬أعرض‭ ‬حاجتك‭!.‬



ـ‭ ‬أريد‭ ‬أيها‭ ‬الناسك‭ ‬أن‭ ‬ترنى‭ ‬الله‭!..‬



فأطرق‭ ‬الناسك‭ ‬وأمسك‭ ‬لحيته‭ ‬البيضاء‭ ‬بيده‭ ‬وقال‭:‬



ـ‭ ‬أتعرف‭ ‬معنى‭ ‬ما‭ ‬تقول؟‭.‬



ـ‭ ‬نعم‭.. ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬ترينى‭ ‬الله‭!.‬



فقال‭ ‬الناسك‭ ‬بصوته‭ ‬العميق‭ ‬اللطيف‭:‬



ـ‭ ‬أيها‭ ‬الرجل‭!.. ‬إن‭ ‬الله‭ ‬لايرى‭ ‬بأدواتنا‭ ‬البصرية‭.. ‬ولايدرك‭ ‬بحواسنا‭ ‬الجسدية‭.. ‬وهل‭ ‬تسبر‭ ‬عمق‭ ‬البحر‭ ‬بالأصبع‭ ‬الذى‭ ‬يسبر‭ ‬عمق‭ ‬الكأس؟‭!‬



ـ‭ ‬وكيف‭ ‬أراه‭ ‬إذن؟‭.‬



ـ‭ ‬إذا‭ ‬تكشف‭ ‬هو‭ ‬لروحك‭.‬



ـ‭ ‬ومتى‭ ‬يتكشف‭ ‬لروحى؟



ـ‭ ‬إذا‭ ‬ظفرت‭ ‬بمحبته‭.‬



فسجد‭ ‬الرجل‭ ‬وعفر‭ ‬التراب‭ ‬جبته‭ ‬وأخذ‭ ‬يد‭ ‬الناسك‭ ‬وتوسل‭ ‬إليه‭ ‬ـ قائلا‭:‬



ـ‭ ‬أيها‭ ‬الناسك‭ ‬الصالح‭.. ‬سل‭ ‬الله‭ ‬أن‭ ‬يرزقنى‭ ‬شيئا‭ ‬من‭ ‬محبته‭.‬



فجذب‭ ‬الناسك‭ ‬يده‭ ‬برفق‭ ‬وقال‭:‬



ـ‭ ‬تواضع‭ ‬أيها‭ ‬الرجل‭ ‬واطلب‭ ‬قليل‭ ‬القليل‭.‬



ـ‭ ‬فلأطلب‭ ‬إذن‭ ‬مقدار‭ ‬درهم‭ ‬من‭ ‬محبته‭.‬



ـ‭ ‬يا‭ ‬للطمع‭!.. ‬هذا‭ ‬كثير‭.. ‬كثير‭..‬



ـ‭ ‬ربع‭ ‬درهم‭ ‬إذن؟‭.‬



ـ‭ ‬تواضع‭.. ‬تواضع‭..‬



ـ‭ ‬مثقال‭ ‬ذرة‭ ‬من‭ ‬محبته‭.‬



ـ‭ ‬لاتطيق‭ ‬مثقال‭ ‬ذرة‭ ‬منها‭.‬



ـ‭ ‬نصف‭ ‬ذرة‭ ‬إذن؟



ـ‭ ‬ربما‭..‬



ورفع‭ ‬الناسك‭ ‬رأسه‭ ‬إلى‭ ‬السماء‭ ‬وقال‭:‬



ـ‭ ‬يا رب‭.. ‬ارزقه‭ ‬نصف‭ ‬ذرة‭ ‬من‭ ‬محبتك‭!.‬



وقام‭ ‬الرجل‭ ‬وانصرف‭.. ‬ومرت‭ ‬الأيام‭.. ‬وإذا‭ ‬أسرة‭ ‬الرجل‭ ‬وطفله‭ ‬وأصحابه‭ ‬يأتون‭ ‬إلى‭ ‬الناسك‭ ‬ويفضون‭ ‬إليه‭ ‬بأن‭ ‬الرجل‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬إلى‭ ‬منزله‭ ‬وأهله‭ ‬منذ‭ ‬تركه،‭ ‬وأنه‭ ‬اختفى‭ ‬ولايدرى‭ ‬أحد‭ ‬مكانه‭.. ‬فنهض‭ ‬معهم‭ ‬الناسك‭ ‬قلقا،‭ ‬ولبثوا‭ ‬يبحثون‭ ‬عنه‭ ‬زمنا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬صادفوا‭ ‬جماعة‭ ‬من‭ ‬الرعاة‭ ‬قالوا‭ ‬لهم‭: ‬إن‭ ‬الرجل‭ ‬جن‭ ‬وذهب‭ ‬إلى‭ ‬الجبال‭ ‬ودلوهم‭ ‬على‭ ‬مكانه‭.. ‬فمضوا‭ ‬إليه‭ ‬فوجدوه‭ ‬قائما‭ ‬على‭ ‬صخرة‭.. ‬شاخصا‭ ‬ببصره‭ ‬إلى‭ ‬السماء‭ ‬فسلموا‭ ‬عليه‭ ‬فلم‭ ‬يرد‭ ‬السلام‭.. ‬فتقدم‭ ‬الناسك‭ ‬إليه‭ ‬قائلا‭:‬



ـ‭ ‬انتبه‭ ‬إلىّ‭.. ‬أنا‭ ‬الناسك‭.. ‬فلم‭ ‬يتحرك‭ ‬الرجل،‭ ‬فتقدم‭ ‬إليه‭ ‬طفله‭ ‬جزعا،‭ ‬وقال‭ ‬بصوته‭ ‬الصغير‭ ‬الحنون‭:‬



ـ‭ ‬يا‭ ‬أبت‭.. ‬ألا‭ ‬تعرفنى؟



فلم‭ ‬يبد‭ ‬حراكا‭.. ‬وصاحت‭ ‬أسرته‭ ‬وذووه‭ ‬من‭ ‬حوله‭ ‬محاولين‭ ‬إيقاظه،‭ ‬ولكن‭ ‬الناسك‭ ‬هز‭ ‬رأسه‭ ‬قانطا‭ ‬وقال‭ ‬لهم‭:‬



ـ‭ ‬لاجدوى‭!.. ‬كيف‭ ‬يسمع‭ ‬كلام‭ ‬الآدميين‭ ‬من‭ ‬كان‭ ‬فى‭ ‬قلبه‭ ‬مقدار‭ ‬نصف‭ ‬ذرة‭ ‬من‭ ‬محبة‭ ‬الله‭!‬؟‭.. ‬والله‭ ‬لو‭ ‬قطعتموه‭ ‬بالمنشار‭ ‬لما‭ ‬علم‭ ‬بذلك‭!..‬



وأخذ‭ ‬الطفل‭ ‬يصيح‭ ‬ويقول‭:‬



ـ‭ ‬الذنب‭ ‬ذنبى‭.. ‬أنا‭ ‬الذى‭ ‬سألته‭ ‬أن‭ ‬يرنى‭ ‬الله‭!..‬



فالتفت‭ ‬إليه‭ ‬الناسك‭ ‬وقال‭ ‬وكأنه‭ ‬يخاطب‭ ‬نفسه‭:‬



ـ‭ ‬أرأيت؟‭ ‬إن‭ ‬نصف‭ ‬ذرة‭ ‬من‭ ‬نور‭ ‬الله‭ ‬تكفى‭ ‬لتحطيم‭ ‬تركيبنا‭ ‬الآدمى‭ ‬وإتلاف‭ ‬جهازنا‭ ‬العقلى‭!.‬