عندما وقعت حادثة الطائرة المصرية القادمة من باريس إلى القاهرة تساءل الكثيرون فى مصر عن الطريقة التى تعامل بها الإعلام العالمى مع التطورات المختلفة للحادث. وأصبح مطروحا الفارق الكبير مع المعالجة الإعلامية لسقوط الطائرة الروسية الذاهبة من شرم الشيخ إلى موسكو؛ فقد جرى إدانة مصر تلميحا أو تصريحا سواء كانت الطائرة أجنبية أو مصرية، أو كانت الطائرة منطلقة من مطار مصرى أو مطار أجنبي. ورغم الوضوح الكبير فى الحقائق الأساسية حول نوعية الطائرة ومدى حداثتها، والمسار الذى اتخذته، وتاريخ وتدريب الطيارين؛ فإن أسئلة المحررين والمذيعين الأجانب، فضلا عن إجابات الخبراء والمحللين، كان عليها ظلال من الشك أن مصر والمصريين عليهم من اللوم نوعا أو آخر. ولم يكن ذلك بالجديد، ولا كان جديدا عملية التفتيش الفورية فى تاريخ حوادث الطيران وخاصة تلك المتعلقة بمصر للطيران؛ ولا كان جديدا خلط الأوراق المستمر، ومادام أن حادث الطائرة الروسية جرى فى مصر، والطائرة 804 القادمة من باريس كانت مصرية، فإن هناك علاقات جرى ربطها بالإرهاب مرة، وبظنون غير معروفة مرة أخري. الحالة هذه مرتبطة ارتباطا وثيقا بسمعة الدولة، فلم تحصل مصر على ذات المعاملة الإعلامية التى حصلت عليها فرنسا، ولا حتى ماليزيا؛ وإنما ظلل على الفضاء الإعلامى أمور حول الفارق التقنى وربما العقلى بين دول الشمال والأخرى من الجنوب؛ وما بين دول استعمرها الإرهاب الديني، وأخرى تقع فريسة له. مثل هذه الحالة ليست جديدة علينا، وربما آن أوان الفحص الجدى لحالة السمعة المصرية فى الخارج والتى لن يخفى على أحد أن جودتها جزء من الثقة فى مصر وقدراتها، وأحد الأمور الضرورية للاستثمار وعودة السياحة إلى مصر، مضافا لها فوائد كثيرة أخري. وفى المقدمة فربما كان هناك أمران ينبغى التنبيه لهما:
الأول، أن الإعلام فى العالم هو من الأمور المهمة والمؤثرة فى أمور التقدم والتخلف، والاستثمار والبعد عنه، والحرب والسلام، وغيرها من القضايا الكبري. وفق ذلك فإن الإعلام العالمى يمثل طاقة جبارة بالصوت والصورة والرأي، وهو وحش جبار يحتاج دائما من يغذيه بالأنباء والتحليلات والقصص أحسنها وأسوئها، والمهم أكثرها درامية وسبقا. ولا يجوز مع هذا الإعلام طرح القول ااشمعنيب أو الحديث عن فضيلة الانتظار أو تأجيل إظهار حقائق بعينها لأننا نعتقد بأهميتها المحدودة. وفى واقعة بعينها مثل حادث الرحلة 804 فإن القصة أو Narrative وما يؤيدها من صور ومعلومات هو الحاكم لحركة الإعلام منذ وقوع الواقعة، وحتى حدوث واقعة أخرى تجذب الإعلام العالمى إلى مكان آخر. والثاني، وربما لا يخص مصر مباشرة وإنما يشملها مع بقية الدول العربية والإسلامية، وهو أن ظلال وأشباح حادث 11 سبتمبر وما تبعها من عمليات إرهابية فى العالم الغربى وآخرها تلك التى جرت فى باريس وبروكسل، سوف تصب علينا اتهامات مبطنة وصريحة. باختصار أصبح العرب والمسلمون «مسجلين خطرين» بطريقة أو بأخري، وهم ليسوا فقط مصدرا للإرهاب، وإنما للصراعات الأبدية، والأحقاد التاريخية، فضلا عن النازحين واللاجئين.
فيما يخص مصر مباشرة فإن وقوع الأحداث المختلفة، والأغلب السيئة، هو من طبائع المرحلة التاريخية التى نمر بها بعد عهد الثورات. ومن ثم فإن كل الوقائع الجديدة لا يجرى التعامل معها من قبل الإعلام العالمى وفق جدارتها الذاتية، وإنما فى إطار بيئة تعود إلى وقائع قديمة لا تزال مؤثرة فى الذهنية الغربية تحديدا وجرى تصنيفها وتبويبها تحت عناوين تلقى بظلالها سلبيا على كل ما هو جديد. وللأسف فإنه رغم الإمكانات الإعلامية الكبيرة والهائلة لدى الدولة المصرية، فإننا فشلنا فى تغيير حالة سمعتنا الإعلامية من صورة سلبية إلى أخرى إيجابية. فالخطيئة الأصلية الأولى لما نواجهه الآن يعود إلى نظرة العالم لما حدث فى 30 يونيو 2013 وما وضع عليه من عنوان «الانقلاب»، وأفضل ما نحصل عليه هو إضافة أنه حدث بعد بعض من التحركات الشعبية؛ ولكن بعد القول إن التغيير جرى لأول رئيس مصرى مدنى منتخب!. هذه التركيبة من التعبيرات لها صدى غير صديق لمصر لأنها لا تتعرض لما فعله الإخوان فى الحكم، ولا لإعلان مرسى الدستورى الديكتاتوري، ولا لحصار المحكمة الدستورية العليا، ولا لعام من التراجع فى كل المجالات، ولا للصلات بين جماعة الإخوان والجماعات الإرهابية المختلفة، ولا للتوقيعات التى جمعتها «تمرد» على ضرورة الانتخابات المبكرة، ولا لشكل الجبهة الوطنية التى تكونت لتضع خريطة الطريق فى 3 يوليو، ولا التفويض الذى حصل عليه الفريق السيسى فى 26 يوليو، ولا مهلة الأسبوع التى منحتها القوات المسلحة المصرية للقوى المدنية لكى تصل إلى حل، ومن بعدها مهلة 48 ساعة لذات الهدف. ببساطة فإن القصة المصرية عن ثورة يونيو وملابساتها ظلت غامضة بالنسبة للعالم، ونجح الإخوان، وغيرهم فى وضع لافتة سلبية للحدث كله. الخطيئة الإعلامية الثانية ليست منبتة الصلة عن الخطيئة الإعلامية الأصلية لأنها اتصلت بما جرى لعمليات العنف التى انتهت بما عرف بأحداث رابعة حيث سادت فى البداية القصة الإخوانية، ثم عززتها بعد ذلك قصة المنظمة الأمريكية «هيومان رايتس واتش» بحيث صارت وقائعها، وأرقامها هى المعتمدة فى الإعلام الدولي. ولم يكن فيها لا أن الإخوان هم الذين بدأوا بعمليات التجمهر فى الميادين المصرية اعتبارا من 21 يونيو أى قبل يومين من البيان الأول للقوات المسلحة، وأن الاعتصام فى رابعة استمر 53 يوما أصيبت فيه العاصمة بالشلل؛ ولا أن الإخوان قالوا بصراحة وبوضوح إنهم سيلجأون للعنف والقتل والحرق، وأن ما قالوا به طبقوه حرفيا، ولمن يريد أن يعرف تفاصيل أكثر غابت عن الرواية العالمية سوف يجدها فى تقرير الدكتور فؤاد عبد المنعم رياض الذى لأسباب غير مفهومة لم يترجم ولم يعرض عالميا.
الخطيئة الإعلامية الثالثة أن بعضا من السمعة لم يكن فقط مصدره الخارج، وإنما أسهم فيه الداخل بقرارات وإجراءات تحفظ عليها فيما يتعلق بحقوق الإنسان المجلس المصرى المختص بالقضية. وأسهم فيها أيضا شريحة غير قليلة من الشباب الإلكترونى الذى استخدم أدوات العصر فى التواصل مع العالم خالطا بين الحقيقى والزائف بعد أن اتسعت الشقة بين النظام السياسى من ناحية وبين الشباب والليبراليين من ناحية أخري.
الخطايا فيها ما هو أكثر، ونتائجها للأسف مؤسفة، ومع ذلك فإن العلاج ممكن، والمغفرة منها لازمة.