أحمد السيد النجار
محمد عبد الهادي علام
طقوس الإنجاب
7 مايو 2016
فؤاد مرسى

قدّر المجتمع المصرى قيمة الإنجاب، وأعلى من شأن المرأة الخصيبة، وصاغ الأمثال المعبرة عن هذه الرغبة المتوالدة: « لما قالوا دا ولد.. انشد حيلى وانسند». والرجل الشعبى يحب المرأة التى يقال لها:


« اصباح الخير تحبل..اصباح الخير تولد »، والمرأة « اللى ما عندها بنية.. تصير موتتها خفية». والأهزوجة الشعبية تقول: يوم ماقالوا دى بنية .. قلت ياليـله هنيةتكنس لى وتفرش لي.. وتملا لى البيـت ميَّه



وخشيت العاقر أن يرتبط زوجها بأخرى، طلباً للولد، فراحت تسعى إلى اكتساب ما حرمتها الطبيعة منه بالطرق الآمنة أو غيرها، مما تكتنفه المخاطر التى قد تودى بحياة المرأة نفسها. وقد تتعجل المتزوجة حديثا، التى تأخرت بشارة حملها وتسرع للامتثال لهذه الوصفات، دون أن يكون لديها عيب حقيقى، فإذا ما تحقق الحمل بعد ذلك أرجعته الجماعة الشعبية إلى نجاعة هذه الوصفات، ومن ثم تلقى رواجا ويتكاثر شيوعها.



طريقة الصدمات :



بعض السيدات يعتقدن أن عدم إنجابهن يعود إلى خلل فى وضع الأجهزة التناسلية عندهن، ويقر لديهن الظن بأنهن لو تعرضن لصدمة عنيفة فإن انفعال الجسد بها قد يعيد العضو المختل إلى وضعه الطبيعى، من هنا نشأت فكرة الدحرجة من فوق مرتفع، وتكتسب بعض الأماكن ذات الطبيعة المقدسة شهرة واسعة فى هذا المضمار، مثلما يحدث فى محيط ضريح السبع بنات الكائن بأعلى تل رملى بقرية البهنسا بمحافظة المنيا، حيث يتحول كل يوم جمعة إلى مسرح لأداء هذا الطقس، ويشهد توافد المئات عليه من طالبات الإنجاب، اللواتى ما إن يفرغن من الدحرجة حتى يقمن بزيارة الضريح ليحصل ما فعلنه على بركة صاحبات الضريح، رغم أن البنات السبع الشائع دفنهن فى هذا المكان كن عذراوات.تقاليد الطقس الذى يفضل حدوثه بعد الفجر أو المغرب بساعة أو وقت صلاة الجمعة؛ تبدأ بزيارة الأضرحة التى يعتقد أنها للبنات السبع، والدوران حولها، بعدها يقوم بالتدحرج على المنحدر الرملي، ثم تأتى بعد ذلك عملية «المِخَاطِيّة» حيث يخطو المرء ذهابا وإيابا فوق بئر موجودة بالمنطقة يبلغ عمقها نحو خمسة وعشرين مترا، بعدها يتجه إلى شجرة تعرف باسم شجرة مريم، يقال إن السيدة مريم العذراء استراحت فى ظلالها أثناء رحلة العائلة المقدسة بمصر، ويلتقط منها وريقات يحتفظ بها إلى جانب بعض الحصى الذى يقوم بالتقاطه من محيط المكان، على سبيل التبرك. وقد يضطر المرء إلى زيارة المكان وأداء الطقس ذاته أكثر من مرة حتى يتحقق مراده.



ويشار هنا أن « البهنسا » تمتعت بخصوصية تاريخية فى المعتقد الشعبى المصرى المرتبط بالخصوبة والإنجاب، تزكى هذا النوع من الممارسات تحديدا وتسبغ عليها شرعية تاريخية، فقد ذكر صاحب « فتوح البهنسا » أنه كان يوجد بوسط المدينة أيام الملك « سوريد بن سلهوك » تمثالا لامرأة جالسة وفى حجرها صبى كأنها ترضعه، وكان يعتقد أن كل امرأة أصابتها عِلَّة من العلل فى جسدها مسحت ذلك الموضع من تلك الصورة فيزول عنها جميع ما تجده من العلل والألم، وكذلك إن قل لبن المرأة من ثديها مسحت بيدها ثدى المرأة المصنوعة فيكثر لبنها، وكذلك إن أحبت يعطف عليها زوجها ومسحت وجه الصورة بزيت طيب ومسحت بها وجهها، وقالت افعلن كذا وكذا يعطف عليكن زوجكن؛ عطف عليها زوجها وأحبها حبا شديدا، فإن أصاب ولدها شئ وفعلت مثل ذلك بصورة الصبى برئ الولد بإذن الله تعالى.



أما الأماكن الأثرية بعمق الجنوب فكانت تشهد طقسا آخر، يتمحور حول فكرة الصدمة أيضا، حيث كانت تذهب العاقر إلى إحدى المعابد ليلا وتدخل على أحد التماثيل وتعانقه بشدة. وهذا الفعل يصيبها بخوف يزلزل جنباتها، ويرجف جسدها كله.



ثانى هذه الطقوس ينطوى على ما يثيره عالم المقابر من مخاوف تغذيها الحكايات المتوارثة عن الأصوات الغريبة التى تُسمع فيها ليلا، أو الكائنات المخيفة التى يعتقد ظهورها فى هذه الأماكن دون غيرها من مساكن الأحياء، وهو أمر يصيب المرء بالقلق ويؤهله لاستقبال المفاجآت المفزعة الشديد وهو المراد من هذا الطقس الذى تتوجه فيه السيدة العاقر وحدها لزيارة منطقة المقابر والطواف بها ليلا، شريطة أن تذهب إليها من طريق وتعود من طريق آخر، ودون أن يراها أحد.



يرتبط أيضا بعالم المقابر لجوء البعض إلى إلقاء جمجمة ميت فى وجه العاقر لإفزاعها، أو إحضار جمجمة تغتسل فوقها وتخطو عليها من ثلاث إلى سبع مرات، ثم تعيد الجمجمة إلى المقبرة التى أخذت منها، وهو طقس لا يخلو من رمزية الاعتقاد الراسخ فى أن الله تعالى يخلق الحى من الميت.



ثالث هذه الطقوس هو النوم تحت قطار مسرع، حيث تنام العاقر على عوارض (فلنكات) السكك الحديدية قبيل مجئ قطار مباشرة ويمر القطار عليها وهى ثابتة على وضعها دون أن تتحرك، بغية أن يرتج جسدها من هول هذه الصدمة المخيفة وبالتالى قد تصحح أوضاع أجهزتها التناسلية. وممارسة هذا الطقس ترتكن إلى حكاية شعبية عن سيدة لم تكن تنجب وفيما هى ماضية فوق قضبان السكك الحديدية، إذ فوجئت بقطار مسرع كاد أن يصدمها، فما كان منها إلا أن بسطت جسدها على الفلنكات، ومر القطار من فوقها دون أن تصاب بأذى، وبعد هذا الحادث بأيام رزقت بالحمل، فأرجعت حل عقدتها إلى ما تعرضت له من صدمة، وشاعت الحكاية بين الناس وصادفت تصديقا منهم أذاعها وروَّجها.



وفكرة الصدمة التى يعقبها زوال للمشكلة مشاعة فى كثير من الأوساط فقد أخبرتنى إحدى السيدات أنها كانت قد تأخرت فى الإنجاب، وذات يوم وبينما تقف فى طابور الخبز بانتظار دورها، إذ جاءها خبر وفاة أبيها وكانت ترتبط به ارتباطا شديدا، فاستقبلت الخبر بهلع استثار خلجاتها وانفعالها بشدة، وبعد رحيل الأب بأيام اكتشفت أنها تحمل جنينا بين ضلوعها.



المشاهرة:



وضعت الجماعة الشعبية مجموعة من المحاذير للعروس الحديثة، عليها أن تمتثل لها جيدا خلال الأربعين يوما الأولى من زواجها، حتى لا تشاهر (من المشاهرة) أو المعروف شعبيا بالكبسة، وهى إعاقتها عن الحمل. ويجدر ذكره أن مصطلح المشاهرة يتسع لمجالات أخرى، منها ما يصيب المرأة حديثة الولادة بانقطاع اللبن عن صدرها. والمحظورات فى حالات المشاهرة، تتضمن: عدم زيارة امرأة عاقر لعروس حديثة فى اليوم الأول من زواجها، أو لامرأة ولدت حديثا. يقول المثل: « لا ترضعيه أمام عقيم ليهرب الحليب ».



عدم دخول أحد العائدين من المقابر على العروس أو المرأة النفساء.



عدم زيارة الرجل حليق الذقن للواضعة حديثا، أو دخول أحد عليها وهو يحمل لحماً نيئا.



إذ إن هذه جميعا أمور قد تؤدى إلى إعاقة إنجاب المتزوجة حديثا، أو تُعثِّر اللبن فى صدر الوالدة حديثا.



وطقوس فك المشاهرة تختلف من مجتمع لآخر وفقا لخصائصه البيئية حينا، وآخر وفقا لنمط العادات والتقاليد السائدة فيه، وقد تختلط هذه الطقوس أو تشتبك وتتراسل فيما بينها فى محاولة لإزاحة الطارئ والعارض. من هذه الطقوس: مثل قيام سيدة لم تعد تحيض ( بلغت سن اليأس ) بجمع سبعة أنواع من البقوليات يطلق عليها ( السبع حبوب )، ثم تغلى هذه الحبوب وتغتسل بها العاقر يوم الجمعة وتلقى بمياه غسلها أمام أحد المساجد وقت صلاة الجمعة، ويرتبط بهذا الاعتقاد طقس آخر ينطوى على قيام العاقر بالاستحمام فوق جثة جنين أجهض فى شهره الرابع أو الخامس، ثم إلقاء مياه الاغتسال أيضا عند أحد الجوامع وقت صلاة الجمعة. ويظن فى الحالتين أنه كلما زاد عدد المارين فوق هذا الماء كلما كان احتمال شفائها من علتها أرجح.



وثمة من يلجأن إلى مذابح الحيوانات ويخطون فوق دماء إحدى الذبائح من ثلاث إلى سبع مرات، شريطة أن يدخلن من باب ويخرجن من آخر كذلك.



وقد يؤدى عدم المعرفة الشخصية بطريقة أو خطوات هذه الأنواع من الطقوس إلى اللجوء إلى بعض المشتغلات بهذه الأعمال، ومنهن من تقوم بشى بصلة وتقشيرها حتى آخر جزء فيها وهو ما يطلق عليه مصلح « الوِلد »، ثم تضعها فى رحم العاقر، أو تسوية عسل أسود على النار حتى يصبح متماسكا ثم يقطع إلى نتف صغيرة، تلف فى قطعة قماش من الصوف وتوضع فى المكان ذاته، وهذه الممارسات قد تضع العاقر فى طريق امرأة غير أمينة، فتدس لها حيوانات منوية من رجل آخر دون أن تدرى، وبالطبع حين يتحقق الحمل فإن شهرة تلك المرأة تزداد ويعلو كعبها بين الباحثات عن الإنجاب.



كما تظن بعض المجتمعات أن المرأة التى تتعرض لإجهاض باستمرار فإن ذلك يرجع إلى غضب قرينتها عليها وهى تعاقبها بضربها على ظهرها، ومن ثم لا يثبت حملها، وفى هذه الحالة يُطلب منها إحضار دجاجة سوداء وديك بلدى أحمر، ثم يقومون بذبحهما وطهيهما وتتناول المرأة المجهضة قطعة من كلاهما وتترك الباقى أمام باب شقتها، اعتقاداً أن هناك أرواحاً سوف تحل أثناء الليل وتتناول هذا الطعام، وفى الصباح يقومون بجمع العظام المتبقية من بسقايا الطعام وتدفن تحت عتبة المنزل، وبذلك تتم المصالحة بين المرأة وقرينتها، وهو شكل من أشكال القرابين للعالم غير المنظور الذى يعتقد أنه يؤثر فى عالم البشر.



ويعتقد أن معظم هذه الطقوس يشترط زيارة مقام أحد الأولياء عقب إتمامه مباشرة بغية الحصول على بركة الولى أو شفاعته. وفى كل الأحوال يبدو الأمر وكأنه سعى باتجاه استكمال دورة الحياة فالغالبية من أبناء المجتمعات الشعبية لا يشعرون أنهم قد تحققوا فعلا، إلا بعد أن ينجب إنسانا من صلبه يستكمل مسيرة الحياة ويخلد سيرته.