أحمد السيد النجار
محمد عبد الهادي علام
بريد الجمعة..يكتبه : أحـمـد البــرى
ماكينة الحلاقة !
15 أبريل 2016

أكتب إليك طلبا للمشورة، فلقد أعيانى التفكير فى حل لمشكلتي، ولم أصل بعد الى القرار المناسب، فأنا سيدة فى الثلاثين من عمري، نشأت فى أسرة كبيرة من أشهر عائلات إحدى محافظات وسط الدلتا، ولى أربعة أشقاء،


أنا أوسطهم، وكان والدى مديرا لإحدى الشركات الحكومية ثم رحل عن الحياة قبل أن يصل الى سن المعاش، وتعرضنا لصدمة شديدة وأغلقت أمى بابنا على أنفسنا، وكرست حياتها لتربيتنا، وبعد تخرجى فى الجامعة جاءنى مهندس شاب من نفس القرية بصحبة أهله، وطلب يدي، ولم يكن فيه ما يعيبه، فارتحت إليه، وتمت خطبتنا، ثم تزوجنا خلال ثلاثة شهور، والحق أننى وجدته كما تخيلته، وعرفت معه منذ اليوم الأول لزواجنا معنى المودة والرحمة والسكينة، وكنت أحس باطمئنان يفوق الوصف كلما نظرت إليه، وبادلنى الشعور نفسه، ونهلنا من الحب والعشق فى الأسابيع الأولى للزواج الكثير، ثم خالطنى الخوف والقلق من أن سعادتى لن تدوم، وأن حدثا جللا ينتظرني، وأخذت استعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وأودع زوجى فى الصباح بطبع قبلة على جبينه، فيربت على كتفي، ويقبل رأسي، ثم جاءت اللحظة القاتلة، فلقد دق جرس باب المنزل ذات يوم بعد أقل من ساعة من خروجه الى العمل، فأسرعت إليه، وقلبى يرتجف فإذا بالطارق يقول لى إن زوجى تعرض لحادث مرور، وتم نقله الى المستشفى القريب من بلدتنا مع آخرين أصيبوا فى الحادث نفسه، نتيجة تصادم سيارة الميكروباص التى كان يستقلها مع سيارة نقل بسبب رعونة سائقيهما، فأبلغت شقيقى الأكبر، وأسرة زوجي، وذهبنا جميعا الى المستشفي، فوجدناه ممددا على سرير فى غرفة العناية المركزة، وأبلغنا أحد الممرضين أن حالته خطيرة، وبعد نحو نصف الساعة انتحى أحد الأطباء بشقيقى جانبا، وأبلغه أن زوجى فاضت روحه الى بارئها، وأن هذه هى حال الدنيا، وكنت أراقب الموقف من بعيد، ولما سمع كلمات الطبيب وقع على الأرض، فأدركت ما كنت أخشاه، وهى أن زوجى وقرة عينى راح الى الأبد، فصرخت بصوت عال، وناديت عليه، ورجوته أن يرد علىّ، وبعدها فقدت الوعى تماما، ولم أشارك فى تشييع جثمانه، ولا تفاصيل ما حدث.. ولما استعدت وعيى بعد أيام وجدتنى فى بيت أسرتي، فكرهت الدنيا كلها، وأشفقت أمى لحالي، وحاول أشقائى التسرية عنى بمحاولة اصطحابى الى الحدائق، والخروج فى رحلات عائلية، ولكنى رفضت بإصرار مغادرة البيت، ومرت ثلاث سنوات وأنا على هذه الحال، وأمام إلحاحهم على خروجى معهم فى الزيارات العائلية، وافقت وشاركتهم فى العديد من المناسبات.



وذات يوم رأتنى واحدة من معارف أسرتي، فاقتربت منى وتحدثت معى فى أمور عامة، ثم قالت لى «أنت جميلة وحلوة، وهناك شباب كتير يتمنوك»، فشكرتها، وانصرفت من أمامها فمسألة الزواج بالنسبة لى كانت مرفوضة تماما، إذ من هو الذى سيحل محل زوجى وحبيبى رحمه الله، فصورته لا تفارق خيالي، ولا أتصور أننى من الممكن أن أكون لإنسان غيره، وفى اليوم التالى قالت لى والدتى إن هذه السيدة تمت لنا بصلة قرابة، وأنها تريدنى زوجة لابنها، وهو محاسب فى شركة كبري، وقد تزوج لمدة عام واحد فقط، ثم طلق زوجته لخلافات بينهما، وله منها ولد سوف يعيش معها، فرفضت مجرد المناقشة فى هذا الموضوع، فلجأت أمى الى شقيقى الأكبر، الذى جاءنى قائلا إننى صغيرة، وأن الزواج هو الأفضل بالنسبة لي، وأنه سوف يوفر لى فرصة لقاء هذا الشاب فى بيتنا، لكى أتعرف عليه، وأنه سيترك القرار النهائى لي، ولما التقيته وجدته شابا طيبا، فسألته عن سبب طلاقه لزوجته ولم يمض على زواجهما سوى عام واحد، وردَّ علىّ بأنه النصيب، ولم أقتنع بهذا الرد، وأبلغت أخى بأننى لن أرتبط به قبل أن أعرف السبب الحقيقى لانفصاله عن زوجته. خصوصا أننى عرفت أنها من عائلة معروفة فى احدى القرى المجاورة لقريتنا، وجميلة وتتمتع بأدب جم وأخلاق حميدة.



وزار شقيقى صديقا له، تربطه صلة قوية بهذا الشاب، فسأله عنه، وهل يعرف سبب طلاقه زوجته؟ فرد عليه، بأنه شاب لا غبار عليه، وهو مقيم للصلاة فى أوقاتها، ويشغل وظيفة مستقرة، ولدى أهله أملاك زراعية، والأسرة مرتاحة ماديا، وسمعتها فوق الشبهات، لكن العيب الوحيد فيه، هو الشك، إذ يتخيل فى أوقات كثيرة أن زوجته تعرف شخصا آخر، أو أن هناك من يزورها بعد خروجه الى العمل، ولذلك يجب التريث قبل الإقدام على الموافقة عليه، وانفعل أخى بشدة عليه، وقال له «أختى لا تعرف هذه المسائل»، فهدأ من روعه، وقال له: «ما أقوله لا يعنى أختك ولا غيرها، فأنا أشرح لك العيب الخطير الموجود فى صديقي، وانتهى لقاؤهما، وجاءنى أخى وأفاض فى الحديث عما دار بينه وبين صديقه، وقال لى إننى اذا كنت قد ارتحت إليه شخصيا، فإن المسألة التى تحدث عنها صديقه لا تهمنا ولا تعنينا لأنه واثق فيّ، فأومأت بالموافقة عليه، وعقدنا الزواج بعدها بأيام، وانتقلت الى بيته، ووجدته شابا طيبا، ويريد ارضائى بكل السبل، ولكن ظلت مسألة طلاق زوجته الأولى تشغلني، وتطلعت الى اليوم الذى اكتشف فيه سر هذا «الانفصال الغامض»، وحملت فى ابني، بعد شهر واحد، ثم لاحظت تغيرا واضحا على زوجي، إذ يعود من عمله فى غير الأوقات المعتاد عليها، ويتصل بى كل ساعة أو أقل، وتذكرت ما قاله صديق أخى عن شكوك زوجي، وأدركت أن المسألة ليست سهلة، فسعيت الى معرفة كل شىء عنه من زوجته الأولي، فذهبت إليها واحدة من عائلتنا تعرفها منذ سنوات الدراسة، وعرفت منها أنه كان دائم السؤال عمن دخل إليها فى غيابه، ومن خرج، وهل فتحت الباب لأحد أم لا، ثم فكر فى حيلة غبية على طريقة الأفلام القديمة، إذ ربط «دلفتي» باب الشقة بخيط رفيع، بحيث انها اذا فتحت الباب ينقطع على الفور، وهنا يدرك كذبها، وفى ذلك اليوم عاد فى موعده الطبيعى بعد انتهاء العمل، فلم يجد الخيط فسألها: هل فتحت الباب، فأجابت بالنفي، فصاح فيها وطلقها وسط ذهول أفراد أسرتيهما!!



سمعت هذا الكلام وأيقنت أن الدور عليّ، ثم كانت الواقعة التى هزت استقرارنا، إذ قال لى ذات صباح بعد أن تناول طعام الإفطار، إنه ذاهب الى عمله، فدعوت له بالسلامة، وكنت وقتها فى المطبخ أعد كوبا من الشاي، وبعد أن شربته بدأت فى ترتيب البيت، وفى أثناء تنظيفى أرضية حجرة النوم، فوجئت به خارجا من تحت السرير وقد أصابه الخجل، وأصابنى الذهول من فعلته الوضيعة، فصحت فيه الآن أدركت أن مطلقتك كانت على حق من «اللوث» الذى أصاب عقلك، وجمعت ملابسى وكلى إصرار على ترك البيت، فخر تحت قدمىّ يرجونى أن أسامحه، وألا أخبر أحدا بما فعله، وبعد تفكير امتثلت لرغبته، ولكن قلبى انكسر، وتذكرت الفارق الشاسع بينه وبين زوجى الراحل، رحمه الله، وانخرطت فى أحزانى من جديد، وعندما جاءنى أخوتى فى الزيارات المعتادة لاحظوا أننى قلقة ومتوترة، وقالت لى أمى بعدها: أشعر يا ابنتى أنك تخفين عنى شيئا، فرددت عليها: لا شىء وربما اننى أعانى بعض الإجهاد بسبب الحمل، ثم وضعت ابنى الذى جاء «نسخة» من أبيه من حيث الشكل، وفرح به كثيرا، وتصورت أن قدوم ابنه الثانى بعد ابنه الأكبر من زوجته الأولى سيجعله أكثر عقلانية، ويزيل «الوهم» الذى يعانيه والشكوك التى تسيطر عليه، وللأسف هيهات لمثله أن يتغير إذ عادت إليه الشكوك من جديد، وتعددت أساليب مراقبتى حتى وأنا فى المنزل، وأصبح دائم التفتيش فى هاتفى المحمول، وكل هذا برغم اننى لا أخرج إلا فى صحبته ولا أفتح الباب لأحد، وأعيش فى سياج حديدى فرضته على نفسى منذ رحيل زوجى الأول، ولم يكن زواجى منه سوى استجابة لضغوط أسرتي.



وأخيرا جاءت الواقعة الفاصلة، عندما عاد ذات يوم من الخارج قاصدا الحمام، وأخذ يقلب فى أدوات الحلاقة، التى تركها فى الصباح كما هي، وقال لى «من الذى استخدم هذه الماكينة فى غيابي؟.. فلم أتمالك نفسى وقلت له «انت مجنون»!، فحتى لو افترضنا أن شخصا دخل فى غيابك هل سيكون بحاجة لكى يحلق ذقنه بماكينتك؟.. طلقني!، وخرجت الى بيت أهلى حاملة ابني، ولم آخذ شيئا من متعلقاتي، ورويت لهم ما حدث فاعتذر لى شقيقى الأكبر، قائلا: «إن صديقى كان على حق عندما أخبرنى بحالة «الشك المرضي» التى يعانيها هذا الشاب، لكننا لم ندرك وقتها أن الأمر مستفحل الى هذه الدرجة»، وعزمت على الطلاق، وجاء أخى به وبالمأذون وتم طلاقنا، وخلال فترة العدة بعث بالكثيرين لإعادة المياه الى مجاريها، فأكدت لهم أننى لن أعود إليه، ولن أكرر الزواج مدى الحياة، وسوف أكرس عمرى كله لرعاية ابنى الذى ليس له ذنب فيما يفعله أبوه.



ومرت شهور، وعرفت بعدها أن مطلقته الأولى عادت إليه، بعد أن تدخل أقاربهما للصلح بينهما، خصوصا أنها كانت ترغب فى ذلك، ومبررها أنه لا غبار عليه من كل الوجوه المادية والأسرية والأخلاقية والدينية، فهو يعرف ربه جيدا، ومجتهد فى عمله، ولسانه يفيض دائما بالكلمات العذبة، ولا يعرف الضرب ولا السباب، ولكن يعيبه وجه واحد فقط هو «الشك»، ولذلك رأت أن تتجاوز عن هذا العيب مقابل المزايا الأخرى الكثيرة، أما بالنسبة لى فمازلت أرى أن عيبه الوحيد هذا كفيل بنسف الحياة الزوجية فى أى لحظة، علاوة على العذاب النفسى الذى لا نهاية له.



لقد أقلمت حياتى على ما أنا فيه، وهو يصرف على ابنه، ويوفر له كل طلباته، ويزوره فى بيت شقيقى الأكبر، وفى الزيارات الأخيرة كرر محاولاته مع شقيقى لإعادتى الى عصمته فى منزل مستقل، مع الاحتفاظ بزوجته الأولي، وهى لا تمانع فى ذلك، بل وتعتبرنى أختا لها، لكنى صرخت فيه: «كفاية كده انت عايز إيه تاني»، فصمت شقيقى ولم يرد، ثم فوجئت بمجىء كل أشقائى ووالدتي، وبعض أقاربي، بدعوة من أمي، والتفوا حولي، وأخذوا يثنون علىّ، ويقولون لى ما المانع أن تعودى إليه مادمت ستعيشين فى شقة بعيدا عن زوجته الأولي، فعلى الأقل سوف ينشأ ابنكما فى كنفكما، ولا يتشتت بينك وبينه، أما مسألة الشك لديه، فسوف تزول بمرور الأيام، وانفض الاجتماع دون أن أجيبهم بالقبول أو الرفض.



وأصدقك القول إننى زهدت فى الرجال، ولا أرغب فى العودة الى مطلقي، فمن تملكت منه الشكوك خصوصا فى «المسألة الجسدية» هيهات أن يتغير، ولا يمكن اعتبار ان ما يفعله من باب الغيرة، أو حتى وسيلة من باب معرفة هل زوجته تحبه أم لا؟، فهناك وسائل عديدة لاختبار الحب والاخلاص لشريك الحياة، ليس من بينها الشك فيه، لذلك أرى أنه لن يتغير، وسوف يكرر نفس الشكوك سواء مع زوجته الأولى التى عادت الى عصمته، والتى أحسب أنها عادت إليه بضغوط أهلها، أو معى اذا عدت إليه لكى ينشأ ابننا بيننا كما يرى كل من حولي، ووقتها سوف يقضى على البقية الباقية من تماسكى فى مواجهة عواصف الحياة، فبماذا تشير عليّ؟



< ولكاتبة هذه الرسالة أقول:







قد يبرر البعض سلوك زوجك بأنه نوع من الغيرة، لكنه ليس كذلك، فالشك يختلف تماما عن الغيرة، وهناك خلط غير مبرر بينهما، إذ إن الغيرة تعد دليلا على الحب، وهى مكون رئيسى من مكونات العلاقة الزوجية، بينما الشك حالة مرضية تؤدى إلى انهيار هذه العلاقة، وتزداد حدته عندما يبدأ الزوجان استنتاج الأمور ويكتفى كل طرف بما يستخلصه لنفسه من معتقدات تجاه شريك حياته، فتظهر الصراعات الزوجية الخطيرة، ولو أن كلا منهما توقف عن حالة «التخمين» التى لا أساس لها فى الواقع وإنما يهيؤها له خياله المريض، وبنى جسور الثقة مع الآخر، لاستطاعا معا أن يقدا وثاق هذا الشك، ويطرداه خارج علاقتهما معا، وأن يبنيا حياة زوجية سعيدة، كما أن الصراحة هى الدعامة الكبرى التى يقوم عليها الزواج، ولذلك كان ينبغى عليك أن تكشفى له عن عيوبه من أول لحظة، وأن تخبريه ولو عن طريق شقيقك بما علمه من شكه فى زوجته الأولى، والأسباب التى دعته إلى ذلك، وما إذا كان الأمر يشكل حالة مرضية لديه، أو أنه يملك الدلائل التى تؤكد شكه فيها بعيدا عن مسألة الخيط الرفيع الذى أغلق به باب الشقة، فالمصارحة تبصر الإنسان بما يغيب عنه، وأعتقد أن الدنيا كلها تسبح فى واد، بينما يسبح هو فى واد آخر، ولم يجد من يعمل على إفاقته من الحالة التى ألمت به، فهو حتى هذه اللحظة لا يدرك حجم المرض النفسى الذى ألم به، ولا أحسب أنه سيتعافى منه بين يوم وليلة، ولكنى على الأقل من الممكن مواجهته بالحقيقة التى يتصورها غائبة عن الآخرين، وهى أن شكوكه ليست فى محلها بالنسبة لكليكما أنت وزوجته الأولى، وأنه يتمتع بمميزات كثيرة، فلماذا لا تكتمل صفاته الرائعة بإزالة هذه «النقطة السوداء» من تكوينه؟.. نعم هذه هى الخطوة الأولى على طريق إصلاحه.



أيضا فإن التفتيش اليومى لشريك الحياة من أهم العوامل التى تزرع بذور الشك بين الطرفين، والأمر سواء بالنسبة للزوجة دائمة التفتيش فى متعلقات زوجها، وكذلك بالنسبة للزوج الذى لا يهدأ له بال لمعرفة كل صغيرة وكبيرة فى يوميات زوجته، كما فعل معك عندما كان يفاجئك بالحضور من العمل فى غير الأوقات المعتادة، أو يدَّعى الخروج، وهو نائم تحت السرير، وتفتيشه الدائم للمنزل، ثم دخوله الحمام لاستطلاع وضع «ماكينة الحلاقة»!، ولم يفهم أن تصرفاته الطائشة سوف تقطع رابط الحنان الذى يربط بينكما، وبالتالى يخيم على حياتكما انعدام الثقة، والشك فى الأقوال والسلوك.



وهناك طرق كثيرة لاختبار الحب بين الزوجين ليس منها الشك فى السلوك، وتحضرنى قصة حدثت لرجل فى البادية، حينما تزوج للمرة الثانية من امرأة كان لديه قبلها زوجة وأولاد، وبعد فترة من زواجه شك فى حبها له، ولم يكن هذا الشك مبنيا إلا على أوهام من وحى خياله صورها له شعوره بأن هذه الزوجة لا تميل له، إذ إنها لم تكن تحدثه إلا نادرا، كما أنه لم يرها تضحك أو تبتسم أمامه مطلقا وتسرب إليه إحساس بأنه كانت لديها رغبة برجل غيره قبل أن ترتبط به، وسبب له هذا الشك قلقا لم يتبدد إلا بعد لجوئه إلى امرأة عجوز أخبرها بأمر زوجته طالبا منها طريقة يتأكد بها من مشاعرها نحوه فقالت له العجوز، عليك أن تصطاد أفعى وتخيط فمها وتضعها فوق صدرك فى أثناء نومك، وعندما تحاول زوجتك إيقاظك اصطنع الموت وأبلغنى بالنتيجة، ففعل ما أشارت به عليه وحينما جاءت زوجته لتوقظه من النوم لم ينهض أو يتحرك، فرفعت الغطاء عنه، ولما رأت الأفعى ظنت أنها لدغته ومات، فأخذت تصرخ وتنادى على ابنه من زوجته الأولى واسمه (زيد)، ومن هول الصدمة أنشدت هذه القصيدة:



يا زيد.. رد الزمل بأهل عبرتى



على أبوك عينى ما يبطل هميلها



أعليت كم من سابق قد عثرتها



بعود القنا والخيل عجل جفيلها



وأعليت كم من هجمة قد شعيتها



صباح... وإلا شعتها من مقيلها



وأعليت كم من خفرة فى غيا الصبا



تمناك يا وافى الخصايل خليلها



سقاى ذود الجار لا غاب جارد



وأخو جارته لا غاب عنها حليلها



لا مرخى عينه يطالع لزومها



ولا سايل عنها ولا مستسيلها



وبعد أن سمع زوجها هذه الكلمات الرائعة، تأكد من مشاعر زوجته وعرف مدى الحب الذى تخفيه حياء لا أكثر، ونهض من فراشه فرحا ليبشرها بأنه لم يمت، لكن الزوجة توارت حياء لأنها كشفت عن مشاعرها، فهى كامرأة بدوية تخجل من البوح بمشاعرها بهذا الشكل المباشر.. وعندما عرفت أن الأمر ليس أكثر من خدعة لاختبارها، أقسمت ألا تعود إليه إلا بشرطين هما (أن يكلم الحجر الحجر، وأن يكلم العود العود)! وهى تقصد استحالة أن تعود إليه مرة أخرى، فانتابته حيرة أكبر أو مثلما نقول (جه يكحلها عماها) وعاد إلى العجوز وروى لها ما حدث، فقالت له: أحضر الرحى، والرحى معروفة وهى تستعمل فى طحن حبوب الحنطة وغيرها، وتطلق صوتا عند استخدامها، وعادة ما تجاوبها النساء بالغناء، هذا عن الحجر، أما العود فذكرت له الربابة وأضافت إذا كانت لزوجتك رغبة بك فستعود إليك وفعلا عادت له زوجته بهذه الطريقة.



إذن اختبار الحب والإخلاص من الممكن إجراؤه بوسائل عديدة، وليس عن طريق الشك، فالشك يولد البغض والكراهية، والحياة الزوجية لا تكتمل إلا باندماج روح بروح، وعقل بعقل، وجسد بجسد، وكلها تحقق التفاهم والتكافؤ بين الزوجين، وكان ذلك أدعى إلى ديمومة الحياة الزوجية، والقدرة على استيعاب الأخطاء التى يقعان فيها، فهى لا تخلو من المنغصات، والعقلاء دائما هم الذين يتجاوزون عن كل ما يثير الشكوك، ويبحث الريبة فى النفوس، والسعادة الزوجية ربما تكون فى متناولنا لكننا دائما نصرف النظر عنها، وأتذكر ما قاله الأديب الكبير الراحل توفيق الحكيم فى إحدى رواياته من أن مجموعة توجهوا إلى ربهم يدعونه ويسألونه أن يمنحهم السعادة، فجاءهم ملك وقال لهم: ما هى السعادة التى تطلبونها؟.. فقالوا: نريد أن نكون مرتاحين، فيأتينا كل ما نتمناه، فتحقق لهم مبتغاهم، ولكن أمسهم صار مثل يومهم، مثل غدهم، ومع الوقت تسرب إليهم الملل، ورجعوا يدعون ربهم، وهم خجولون، وقالوا يارب: نريد أن نعود كما كنا، نجوع يوما، ونشبع يوما، ونرضى يوما، ونسخط يوما، ونحزن ونفرح، وتعود حياتنا إلى طبيعتها، وهكذا سألوا حالتهم الأولى، لأنها أهون عندهم من هذا الملل.



ولذلك لا أظن أنك ستكونين سعيدة إذا استمرت حياتك على النمط الذى أنت عليه الآن، فوجودك وحيدة مع ابنك، وحياتك التى تمضى على وتيرة واحدة سوف تؤدى بك حتما إلى الملل، ووقتها سوف تنشدين زوجا وأسرة فيها الراحة والمعاناة، والحزن والفرح، ولكن بالطبع بعيدا عن الشك، ومادمت لا تنكرين على مطلقك خلقا ولا دينا، فأحسب أنه بإمكانك العودة إليه بشرط واضح لا لبس فيه، وهو ألا يعود إلى حالة الشك التى مارسها من قبل، ويمكن أن تستفسرى عن سلوكه مع زوجته الأولى منذ إعادتها إلى عصمته، وهل حدث أن شك فيها من جديد؟.. فإذا صبت الإجابات فى مصلحة أنه تعافى من شكوكه، وأنه بدأ مرحلة جديدة من حياته بفكر جديد، قائم على الثقة، فلا بأس أن تعودى إليه حتى ينشأ ابنك تحت رعايتكما معا، وليعلم أن الوالد له صورة تتسم بالإيجابية وعدم الخطأ فى نفوس الأبناء، وأنهم إذا علموا شيئا عن حالة الشك المرضية التى ألمت به، أو إذا استمرت أوضاعه كما هى، فسوف يتخبطون فى الحياة، بل ستتغير المفاهيم الراسخة فى نفوسهم، ولن تثبت بعض المبادئ التى يجب أن يتعلموها.



وإذا تأكدت من كل ذلك وأنه أصبح بالفعل شخصا آخر، عودى إليه، وأسأل الله أن ينعم عليكما بحياة زوجية سعيدة ومشرقة بعيدا عن الشك، والله هو المستعان.