أحمد السيد النجار
محمد عبد الهادي علام
مصر تنقذ ذهب السودان
15 مارس 2016
طارق الشيخ

رنة مميزة على تليفونى المحمول تعلن وصول رسالة تحمل أخبارا جديدة : "السودان يتحفظ على اختيار أحمد أبو الغيط كأمين عام للجامعة العربية"! قفز الخبر الصغير المزعج على شاشة تليفونى المحمول ليثير عجبى وقلقى.


وعلى الرغم من إنتهاء التحفظ السودانى باختيار سعادة السفير أحمد أبو الغيط أمينا عاما لجامعة الدول العربية، فقد تسلل القلق إلى نفسى لما فى تلك الخطوة السودانية من إشارة إلى عدم الإرتياح إلى أحد إختيارات مصر.

وبغض النظر عن التحفظات والإيماءات والتناقضات داخل أروقة الجامعة العربية تحديدا، وداخل آليات العمل العربى المشترك بوجه عام، فإن هناك حدثا هاما كانت له دلالاته التى يجب أن يسلط عليها الضوء بدلا من إستهلاك الضوء فى تسليطه على أمور هامشية تستنزف جهد العالم العربى بوجه عام والجامعة العربية على وجه التحديد.

وللعجب فقد شهد شهر فبراير الماضى محاولة دولية محسوبة ودقيقة كانت تستهدف السيطرة على ذهب السودان. وعلى الرغم من غرابة الأمر فإنه حدث فعلا. ولكن عناية الدول الصديقة للسودان وفى مقدمتها الشقيق الأكبر المتمثل فى جمهورية مصر العربية ممثل العرب فى مجلس الأمن حاليا (ومن قبلها بالطبع عناية الله) أفشلت المخطط.

فوسط حالة عدم الإستقرار التى تجتاح المنطقة وجهود تحقيق السلام فى سوريا، والصراع فى العراق واليمن، وعمليات نقل نشاط تنظيم "داعش" من سوريا والعراق إلى ليبيا، خرجت الولايات المتحدة علينا وعلى العالم بورقة السودان ودارفور مرة أخرى!

فقد إستغل الطرف الأمريكى إجتماع مجلس الأمن لإتخاذ قرار شبه روتينى بتمديد مهمة لجنة خبراء رصد الانتهاكات لحظر الأسلحة التابعة للأمم المتحدة فى دارفور لعام آخر، وزجت بتوصية أعدتها فى مُسودة القرار بفرض عقوبات على الأفراد والكيانات التى تجبى رسوما من عمال مناجم الذهب، أو الأفراد والكيانات التى تقوم بأعمال تنقيب غير مسموح بها والاتجار بالذهب فى دارفور. وباعتبارها مكلفة بصياغة مشروع القرار، عمدت أمريكا الى إدخال الفقرات الأربعة التى تتعلق بالتعدين فى دارفور.

واقترح المشروع الأمريكى اعتبار التنقيب غير الحكومى فى دارفور أحد مصادر استمرار النزاع المسلح، بما يستوجب فرض عقوبات ضد الأشخاص المتورطين فى تجارة الذهب غير المشروعة.

وعلى الفور أدرك أعضاء مجلس الأمن ـ وفى مقدمتهم مصر ـ أن مشروع القرار هو محاولة لتضييق الخناق على الحكومة السودانية فى مجال التعدين، وفرض حصار أشد قسوة على السودان وشعبه وما يترتب عليه ذلك من آثار مدمرة لإقتصاده المرهق المستنزف أساسا بفعل الصراعات الداخلية وعمليات التضييق الدولية.

فمن المعروف أن هناك حربا يخوضها الجيش السودانى ضد متمردين فى دارفور، منذ عام 2003. كما يخوض حربا مماثلة ضد متمردين آخرين فى ولايتى جنوب كردفان والنيل الأزرق، المتاخمتين لدولة جنوب السودان، منذ عام 2011.

والعلاقة متوترة بين واشنطن وحكومة الرئيس السودانى عمر البشير، منذ وصوله للسلطة عام 1989، حيث أدرجت الولايات المتحدة السودان ضمن قائمة "الدول الراعية للإرهاب"، وفرضت عليه عقوبات اقتصادية قاسية منذ عام 1997.

وبعد الضغوط التى مورست على الخرطوم حتى تتم عملية فصل جنوب السودان بثرواته الطبيعية والبشرية عن شماله، بات الذهب مصدرا من المصادر الرئيسية للعملة الأجنبية للسودان، وتتوقع الحكومة هناك أن يصل إنتاج الذهب إلى 100 طن فى عام 2016.

ورفضت كل من : مصر وروسيا والصين وفنزويلا وأنجولا والسنغال وماليزيا الموافقة على الصيغة الأمريكية المعدلة. وفشلت المحاولة الأمريكية لتتراجع واشنطن على مضض ويصدر القرار بالإجماع بعد حذف الإضافة التى أدخلتها.

وهكذا نجت السودان من فرض وصاية دولية على ذهبها الذى تستخرجه من دارفور وتغطى به جانبا ليس بالقليل من احتياجاتها.

وهكذا بدا من الواضح أن الوقت قد حان لأن تتجمع الدول العربية، فى ظل الجامعة العربية وقيادتها الجديدة، وتتحد لإنقاذ ثرواتها وشعوبها بل وأراضيها من الضياع والتفتت.

دارت تلك الأفكار فى ذهنى فنحيت تليفونى المحمول جانبا ونظرت إلى الأفق فى صمت.