أحمد السيد النجار
محمد عبد الهادي علام
دراما الجنيه والدولار وجدوى الإجراءات الأخيرة
7 مارس 2016
أحمد السيد النجار



شكلت أزمة النقد الأجنبى فى مصر محركا للعديد من التغييرات فى الأشخاص والسياسات النقدية. لكن الأزمة لم تزل قائمة وهى ليست مسئولية البنك المركزى بقدر ما هى مسئولية السياسة الاقتصادية والتجارية والمالية. وهذه الأزمة تحتاج لمعالجة جذرها وهو العجز الكبير فى الموازين الخارجية نتيجة العجز الهائل فى الميزان التجاري. ووفقا للبيانات الرسمية الواردة فى النشرة الإحصائية الشهرية للبنك المركزي، بلغت قيمة العجز التجارى المصرى نحو 38.8 مليار دولار عام 2014/2015، مقارنة بنحو 34.1 مليار دولار عام 2013/2014، ونحو 30.7 مليار دولار عام 2012/2013. وقد بلغت قيمة هذا العجز نحو 10 مليارات دولار فى الربع الأول من عام 2015/2016. ورغم ضخامة تحويلات العاملين فى الخارج والإيرادات الخاصة بقناة السويس والسياحة قبل تدهورها الكبير مؤخرا، إلا أن ميزان الحساب الجارى أسفر عن عجز بلغ 12.2 مليار دولار عام 2014/201 مقارنة بنحو 2.7 مليار دولار عام 2013/2014، ونحو 6.4 مليار دولار عام 2012/2013.



وقد انصبت المعالجات الأخيرة لأزمة النقد الأجنبى على الملاحقة الأمنية للسوق السوداء التى أُعيد بعثها من جديد، وعلى رفع سعر الفائدة على الودائع الدولارية بما يتجاوز السعر السائد فى الأسواق المصرفية العالمية كآلية لجذب المدخرات الدولارية للمصريين العاملين فى الخارج.




 




وقد عقد مؤتمر صحفى مشترك بين وزارة الهجرة وشئون المصريين بالخارج والبنك المركزى تم خلاله الإعلان عن إصدار شهادة «بلادي» الدولارية للمصريين العاملين بالخارج بثلاثة آجال مختلفة. ويتم تحصيل الفائدة على الشهادات الثلاث بالدولار كل ستة أشهر. وهناك شهادات يبلغ أجلها عاما واحدا بفائدة 3.5%، وتُسترد قيمتها بالدولار عندما يحل أجلها بعد عام. وهناك شهادات أجلها 3 سنوات والفائدة عليها 4.5%. ويمكن لصاحب الشهادة أن يسحبها بالدولار بعد 6 شهور إذا أراد، أو ينتظر حتى نهاية أجلها ويحصل على قيمتها بالدولار فضلا عما حصل عليه من فوائد عنها. وهناك شهادة أخرى مدتها 5 سنوات ويبلغ سعر الفائدة عليها 5.5%، ويمكن لصاحبها أن يسحب قيمتها بعد عام واحد إذا أراد، أو ينتظر حتى نهاية أجلها ويسترد قيمتها بالدولار، فضلا عما حصل عليه من فوائد.



والحقيقة أن عنصر الجذب الأساسى فى تلك الشهادات هو سعر الفائدة المرتفع بأكثر كثيرا من المستويات السائدة فى السوق المصرفية والتى تشكل الفائدة على سندات الخزانة الأمريكية التى يبلغ أجلها 10 سنوات مؤشرا لها وهى تبلغ نحو 1.82% حاليا. بينما يبلغ سعر الفائدة على السندات المناظرة باليورو نحو 0.21% فقط فى الوقت الراهن. وإزاء تلك الحقيقة لم تكن هناك حاجة لتسمية تلك الشهادة بـ«بلادي» لأن المصلحة وليس الوازع الوطنى هو ما سيحرك شراءها فى ظل الشروط البالغة الكرم والمثيرة للجدل التى قدمتها بنوك الدولة لتلك الشهادات.



والحقيقة أن هناك تحفظين رئيسيين على هذه الشهادات: الأول أنها تدعم الدولار وليس الجنيه، حيث ان سعر الفائدة على أى عملة هو أحد العوامل الرئيسية المؤثرة على الطلب عليها والإيداع المصرفى بها. والشهادات الجديدة تقدم سعرا مرتفعا للفائدة على الدولار مقارنة بالأسعار السائدة فى السوق المصرفية العالمية أو بالعائد على الاستثمار الدولارى فى سندات الخزانة الأمريكية، وبالتالى فإنها تشجع على الاندفاع لشراء وحيازة الدولار وعدم تحويل المدخرات الدولارية إلى الجنيه المصري. وسوف يكون من مصلحة المصريين بالخارج أن يقوموا بشراء تلك الشهادات، وحتى المستثمرين العرب يمكنهم شراء تلك الشهادات ذات العائد المرتفع من خلال المصريين العاملين لديهم مع أخذ الضمانات اللازمة عليهم. والتحفظ الثانى هو أنه سيكون على البنوك الحكومية المصرية التى أصدرت الشهادات أن تدفع عنها فوائد أعلى كثيرا من العوائد التى يمكن أن تحصل عليها من توظيفها بما يعنى أنها عملية مالية خاسرة. والأمر بهذه الصورة يعنى أن الشهادات هى محاولة لمواجهة أزمة خانقة بتكلفة باهظة.



وللعلم فإن الكيان الصهيونى كان يصدر منذ اغتصاب فلسطين سندات فى الخارج وبالذات فى الولايات المتحدة. وكانت تلك السندات تسمى «سندات الواجب». وكانت الفائدة عليها أقل كثيرا من الفائدة السائدة فى السوق المصرفية، لذا كانت عمليات شرائها تتم بوازع الحفاظ على ذلك الكيان ودعمه، وتركزت جهات الشراء فى صناديق التأمينات والمؤسسات والشركات الداعمة للصهيونية وأيضا الأفراد، بالذات فى لحظات الحروب العدوانية التى يشنها الكيان الصهيونى ويحتاج خلالها لدعم المؤيدين له.



وقبل طرح أى مقترحات بشأن معالجة مأزق النقد الأجنبى وما يترتب عليه من تدهور سعر صرف الجنيه مقابل الدولار، لابد من المرور سريعا على أسباب هذا المأزق وتبعاته على سعر الصرف.



 



العجز والفائدة السلبية وراء تدهور الجنيه والاحتياطي



 



يعد العجز فى الميزان التجارى وميزان تجارة السلع والخدمات وميزان الحساب الجارى السبب الرئيسى وربما الوحيد لاستنزاف الاحتياطيات الدولية لمصر بشكل متكرر بعد كل مرة يتم تغذيتها فيها بالقروض أو الإيداعات. ويعد السبب الأساسى للضغوط التى يتعرض لها الجنيه المصرى والتى أدت إلى تدهور سعر صرفه مقابل الدولار بشكل سريع، حيث تعتبر حالة الموازين الخارجية للدولة من أهم العوامل المؤثرة على سعر صرف أى عملة مقابل العملات الحرة الرئيسية. وتشير البيانات الخاصة بالعجز الضخم فى الموازين الخارجية لمصر والواردة فى موضع سابق إلى أنه من الطبيعى أن يتعرض الجنيه لضغوط كبيرة وأن يتم استنزاف الاحتياطى والاضطرار إلى طلب المساعدات والاقتراض. وهذا العجز يتجه للتفاقم مع تراجع إيرادات السياحة بقوة منذ حادث سقوط الطائرة الروسية، ومع تراجع تحويلات العاملين فى الخارج منذ انخفاض أسعار النفط فى خريف عام 2014.



ومن ناحية أخرى فإن سعر الفائدة الحقيقى (سعر الفائدة مطروحا منه معدل التضخم) على أى عملة، مقارنة بالفائدة الحقيقية على العملات الحرة الرئيسية يشكل عاملا مهما فى تحديد سعر صرف تلك العملة مقابل العملات الحرة الرئيسية. وسعر الفائدة الحقيقى فى مصر سلبى منذ عام 2007 وحتى الآن باستثناء عامى 2012 و 2013، وهو ما يشجع على الاستهلاك وليس الادخار ويجعل العملة المحلية فى وضع ضعيف مقابل العملات التى تتمتع الودائع بها بأسعار فائدة إيجابية. وكان معدل التضخم قد بلغ نحو 11%، 11.7%، 16.2%، 11.7%، 11.1%، 8.6%، 6.9%، 10.1%، 11% فى الأعوام 2007، 2008، 2009، 2010، 2011، 2012، 2013، 2014، 2015 بالترتيب. كذلك فإن حجم الاقتصاد الأسود المرتبط بالاستيراد من الخارج مثل تجارة المخدرات والسلاح وما يرتبط بهما من مضاربات على العملة يشكل عاملا مهما فى التأثير على حركة سعر صرف العملة المحلية مقابل العملات الأجنبية.



ويبرر صندوق النقد الدولى الذى يطالب الدول المقترضة دائما بتخفيض سعر صرف العملة المحلية بأن ذلك يؤدى لرفع القدرة التنافسية لصادراتها فى الخارج بما يساعد على زيادتها، ويساعد على تنشيط الاستثمارات الأجنبية التى تتدفق لتلك الدولة والسياحة الخارجية الوافدة إليها لأن تخفيض العملة المحلية يؤدى إلى زيادة القدرات الشرائية للعملات الأجنبية فى ذلك البلد.



لكن ذلك التصور النظرى قد لا يجد طريقه للتحقق فى الواقع، فلكى تزيد الصادرات لابد أن يكون هناك إنتاج قادر على المنافسة العالمية نوعيا وسعريا وفائض عن حاجة الاستهلاك المحلى وقابل للتصدير. والواردات لن تتقلص إذا كانت واردات ضرورية لا يمكن تخفيض الاستهلاك منها. وحتى الواردات الكمالية التى تستطيع الفئات المستهلكة لها أن تدفع ثمنها حتى بعد زيادة اسعارها فإنها لا تنخفض جديا إلا بقرارات من الدولة بإيقاف استيرادها لحين تجاوز الأزمة.



وهذا يعنى أن تخفيض سعر صرف العملة المحلية مقابل العملات الحرة يؤدى لزيادة الأسعار وفقط فى هذه الحالة وليس كبح الواردات. وزيادة السياحة الأجنبية فى البلد ترتبط بعوامل أخرى حاسمة مثل الأمان والصورة الخارجية للدولة والبنية السياحية. وزيادة تدفق الاستثمارات الأجنبية للدولة يرتبط بوجود خريطة استثمارية جذابة ومغرية واستقرار أمنى وسياسى وكفاءة إدارية وإجراءات ميسرة ومرونة فائقة فى متابعة الاستثمارات الأجنبية وإدارة الشراكات المحلية العامة والخاصة معها على أسس عادلة ومتوازنة ونزيهة.



وهناك سعر صرف مثالى لأى عملة مقابل العملات الأخرى، يتمثل فى تطابق سعر الصرف السوقى مع القدرات الشرائية المقارنة بين العملات. وهذا السعر نادرا ما يوجد فى الواقع بالفعل. لكن من المهم لأى عملة أن تقترب منه كلما كان ذلك ممكنا ومساعدا على تحقيق الأهداف الاقتصادية. وعلى سبيل المثال تشير بيانات البنك الدولى إلى أن الناتج القومى الإجمالى لمصر المقدر بالدولار، وفقا لسعر الصرف السائد، بلغ 273 مليار دولار عام 2014، بينما بلغ هذا الناتج عند تقديره بالدولار، وفقا لسعر الصرف المثالى أو تعادل القوى الشرائية بين الجنيه والدولار، نحو 919 مليار دولار فى العام المذكور. ووفقا لسعر الصرف المثالى القائم على تعادل القوى الشرائية بين الجنيه والدولار، فإن الدولار كان يساوى نحو 2 جنيه مصرى فى ذلك العام بينما كان سعره فى السوق نحو 7 جنيهات.



 



لماذا لا نواجه الأزمة مثل الأمريكيين والأوروبيين والآسيويين؟



 



عندما تعرضت الولايات المتحدة الأمريكية للأزمة المالية والاقتصادية عام 2008 أعدت العديد من البرامج المالية، وأجرت العديد من التغييرات فى السياسة النقدية لمواجهة الأزمة. وتكفل المجتمع بتنفيذ بعض الإجراءات دون الحاجة لقرارات حكومية، وبالذات فيما يتعلق بترشيد وتخفيض الطلب على الواردات.



ووفقا لتقرير اتجاهات التجارة العالمية (Direction of Trade Statistics Yearbook 2014) الذى يصدره صندوق النقد الدولي، تراجعت الواردات الأمريكية من 2166 مليار دولار عام 2008، إلى 1604 مليارات دولار عام 2009 بنسبة انخفاض بلغت نحو 26%. وبلغت قيمة الواردات نحو 1968 مليار دولار عام 2010، وهو مستوى أقل بنحو 198 مليار دولار عن مستواها عام 2008.



وفى نفس السياق، خفضت ألمانيا وارداتها من نحو 1185٫8 مليار دولار عام 2008 إلى 925٫8 مليار دولار عام 2009. وبلغت قيمة وارداتها نحو 1042٫4 مليار دولار عام 2010. وحتى فى عام 2013 وبعد خمس سنوات من الأزمة ما زالت الواردات الألمانية عند مستوى 1174 مليار دولار أى أقل من مستواها عام 2008.



وخفضت اليونان قيمة وارداتها من 95.7 مليار دولار عام 2008 إلى 72.7 مليار دولار عام 2009، واستمرت فى هذا الاتجاه حتى بلغت قيمة وارداتها نحو 61.5 مليار دولار عام 2013.



وقبل ذلك وفى عام 1997 تعرضت اقتصادات دول شرق وجنوب شرق آسيا لأزمة مالية واقتصادية كبرى. وقامت كلها بترشيد وارداتها بقرارات حكومية صارمة غالبا، وبسلوك تلقائى من المواطنين والمستوردين واتحادات الغرف التجارية أحيانا.



وتشير بيانات صندوق النقد الدولى فى تقريره عن اتجاهات التجارة العالمية (تقرير عام 2002، صـ 5) إلى أن الواردات الماليزية تراجعت من 79.1 مليار دولار عام 1997 إلى 58.3 مليار دولار عام 1998، بنسبة انخفاض 26.3%. وبلغت قيمة تلك الواردات نحو 65.5 مليار دولار عام 1999 وهو مستوى أقل كثيرا من المستوى المتحقق عام 1997. وقد أوقفت ماليزيا مشروعات البنية الأساسية فى ذروة الأزمة، نظرا لما كانت تتطلبه من واردات، وذلك فى سياق سياستها لتقليص الواردات بشكل صارم لاستعادة توازن الموازين الخارجية. كما قامت بتثبيت سعر صرف الدينجيت الماليزى لأيقاف هيستريا المضاربة ضده وهو إجراء قد تحتاج إليه مصر مؤقتا.



وتراجعت واردات كوريا الجنوبية من نحو 144.6 مليار دولار عام 1997، إلى 93.4 مليار دولار بنسبة انخفاض بلغت 35.4%. وبلغت قيمة تلك الواردات نحو 119.7 مليار دولار عام 1999، وهو مستوى أقل كثيرا من مستوى عام 1997.



وتراجعت واردات سنغافورة من 132.6 مليار دولار عام 1997، إلى 101.6 مليار دولار عام 1998، وبلغت 111٫1 مليار دولار عام 1999. أما تايلاند التى بدأت تلك الأزمة فيها مبكرا عن باقى دول شرق وجنوب شرق آسيا فقد تراجعت قيمة وارداتها من 73.3 مليار دولار عام 1996، إلى 62.8 مليار دولار عام 1997، إلى 43.1 مليار دولار عام 1998، وبلغت نحو 50.4 مليار دولار عام 1999، ونحو 61٫9 مليار دولار عام 2000، ونحو 62٫1 مليار دولار عام 2001، ونحو 68.8 مليار دولار عام 2002، ونحو 80 مليار دولار عام 2003. أى أنها لم تعد إلى مستواها المتحقق عام 1997 إلا بعد عام 2002.



وهذا يعنى أن أحد أهم سبل معالجة الأزمات المالية، وبالذات أزمات تدهور الاحتياطى وتراجع سعر صرف العملة المحلية، يتمثل فى ضبط وترشيد وتخفيض الواردات لتحسين التوازن فى الموازين الخارجية. وسواء تم ذلك الترشيد والتخفيض بقرارات حكومية أو بسلوك مجتمعى فإن النتيجة النهائية هى تخفيض الواردات ومدفوعاتها بما يخفف الضغط عن سعر الصرف ويحسن الموازين الخارجية ويخفف الضغط على الاحتياطى من العملات الحرة.



وعلى ضوء هذه الخبرات التاريخية ماذا فعلنا نحن لمواجهة أزمة النقد الأجنبى واختلال الموازين الخارجية؟ والإجابة الصادمة هى أن مصر منذ عام 2011 تزيد وارداتها بشكل مطرد وكأنها لا تمر بأى أزمة رغم أن كل مؤشرات النمو والبطالة والفقر والديون والاحتياطيات والتضخم تشير كلها إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية.



ووفقا لبيانات النشرة الإحصائية الشهرية للبنك المركزى بلغت قيمة الواردات السلعية المصرية نحو 54.1 مليار دولار عام 2010/2011. وبدلا من تخفيضها لمواجهة الأزمة الاقتصادية ارتفعت إلى 59.2 مليار دولار عام 2011/2012. وفى عام 2012/2013 شهدت تلك الواردات تخفيضا محدودا لتبلغ 57.7 مليار دولار، لكنها عادت للارتفاع لتبلغ 60.2 مليار دولار عام 2013/2014، وواصلت الارتفاع بشكل طفيف إلى 60.8 مليار دولار عام 2014/2015. وتجدر الإشارة إلى أن قيمة الواردات المصرية التى ينشرها صندوق النقد الدولى فى تقريره عن اتجاهات التجارة العالمية تزيد بنحو 5 مليارات دولار فى العام عن القيمة الواردة فى البيانات الرسمية المصرية. وفى كل الأحوال فإن مصر لم تتعامل مع الأزمة الاقتصادية كما تعاملت الدول النامية والمتقدمة على حد سواء فى أزمات مشابهة فيما يتعلق بتقليص الواردات.



وبصورة قاطعة فإنه إذا لم تخفض مصر وارداتها بصورة تمكنها من تحقيق فائض فى ميزان الحساب الجارى أو تحقيق التعادل فيه على الأقل، فإن جوهر أزمة الاحتياطى وسعر الصرف سيبقى كما هو حتى لو كانت هناك معالجات وقتية له. وللعلم فإن تخفيض الواردات المصرية بنسبة مساوية لنسبة تخفيض الواردات الأمريكية عام 2009 (26%) كفيل بتوفير 16.9 مليار دولار وتقليص العجز التجارى بشكل حاسم، وتحقيق فائض فى ميزان الحساب الجارى وإنهاء الدائرة الجهنمية لاستنزاف الاحتياطى والاقتراض.



لقد ضغطت الدول الثرية والنامية على حد سواء وارداتها الكمالية أثناء الأزمات الاقتصادية، وينبغى أن نتعامل بنفس الجدية والصرامة مع الأزمة القائمة لدينا حتى يمكننا عبورها والتعافى منها.



 



سيادة الجنيه فى سوقه ضرورة قصوى



 



تعتبر سيادة العملة المحلية فى سوقها المحلية قاعدة رئيسية لحماية تلك العملة من عمليات التلاعب والمضاربات وافتعال الطلب على النقد الجنبي. وهذه القاعدة تعنى منع استخدام أى عملة أخرى فى تسوية التعاملات فى السوق المحلية. ووفقا لهذه القاعدة يكون على كل حائز للنقد الأجنبى أن يحوله للعملة المحلية حتى يمكنه أن يسوى التزاماته داخل البلد. ولدى خروجه يتم تحويل ما تبقى فى حسابه بأى عملة أجنبية إلى الخارج بتلك العملة. وهذه القاعدة تم اختراقها فى مصر بصورة مروعة وغير مسئولة منذ أربعة عقود. وبدون الاحترام الصارم لهذه القاعدة سيظل الجنيه المصرى يعانى من الضغوط التى تدفعه نحو التراجع بلا مبرر حقيقى فى الكثير من الأحيان.



من ناحية أخرى، فإن شركات الصرافة التى تم السماح بتأسيسها قبل ربع قرن لتقنين الأوضاع لتجار العملة فى السوق السوداء الذين خربوا الاقتصاد المصرى لسنوات طويلة، ينبغى إعادة النظر فى استمرار وجودها غير المنطقى الذى يغذى السوق السوداء ويضرب قاعدة سيادة الجنيه فى السوق المصرية. وكل ما تقوم به تلك الشركات يمكن للبنوك القيام به بمرونة وكفاءة وشفافية تتيح قدرة أعلى على الرقابة. وتجدر الإشارة إلى أن الصين وهى ثانى أكبر مستقبل للاستثمارات الأجنبية المباشرة فى العالم ورابع أكبر دولة مستقبلة للسياح فى العالم لا يوجد بها شركات صرافة وتتم كل التعاملات من خلال البنوك.



وختاما فإن أزمة النقد الأجنبى والتآكل المتتالى للاحتياطيات وما يتلوه من حاجة للاقتراض، والضغوط التى يعانى منها الجنيه المصرى والتأثيرات السلبية لتدهوره على حركة الأسعار الضارة بالعاملين بأجر والمفيدة لأصحاب حقوق الملكية.. هذه الأزمة تحتاج من أجل اجتيازها إلى اتخاذ إجراءات صارمة لتقليص الواردات واستعادة توازن الموازين الخارجية. كما يحتاج هذا الاجتياز إلى ضمان سيادة الجنيه فى سوقه، وبذل كل المساعى الممكنة لاستعادة السياحة وجذب الاستثمارات المباشرة فى الصناعة التحويلية فى المجالات الأكثر حيوية وضرورة لتطور الاقتصاد المصرى وتوازنه.