أحمد السيد النجار
محمد عبد الهادي علام
ثلاثة أسئلة يجيب عنها الأستاذ هيكل «بصراحة» :
من هم أبطال مصر الستة فى العصر الحديث؟
20 فبراير 2016
أنور عبد اللطيف:

ثلاثة أسئلة محرجة أجاب عنها الأستاذ هيكل فى كتاباته وأحاديثه لمن يريد أن يعى ويتحرى الصدق والحقيقة .. الأسئلة تتعلق بقوة مصر الناعمة وطاقتها الفكرية الكامنة، وكيف ترجمت فى ساحات السياسة, وكيف عبر عنها الإعلام؟


السؤال الأول: من هم أبطال مصر فى العصر الحديث ؟ والثانى: ماهى علاقة «صاحب شخصية مصر» جمال حمدان بحرب أكتوبر، أما الثالث فهو : هل صحيح أن محمد حسنين هيكل تعاطف أكثر من اللازم مع جمال عبد الناًصر؟



العلاقة‭ ‬بين‭ ‬السياسة‭ ‬والإعلام‭ ‬معقدة‭ ‬فى كل‭ ‬الدنيا،‭ ‬وهى فى دنيانا‭ ‬ـ‭ ‬دنيا‭ ‬العالم‭ ‬الثالث‭ ‬ـ‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدا‭. ‬فالعلم‭ ‬الحديث‭ ‬فى معظم‭ ‬بلداننا‭ ‬منقول‭ ‬والتجديد‭ ‬مظاهر‭ ‬مستعارة،‭ ‬لأن‭ ‬التغريب‭ ‬بالتقليد‭ ‬سهل‭ ‬والتجديد‭ ‬الأصيل‭ ‬مشقة‭. ‬وهكذا‭ ‬فإنه‭ ‬حتى وسائل‭ ‬التنوير‭ ‬ـ‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬فى أيدينا‭ ‬الى أدوات‭ ‬تعتيم‭! ‬كما‭ ‬أن‭ ‬وسائل‭ ‬وأدوات‭ ‬التطور‭ ‬والنمو‭ ‬والازدهار‭ ‬والأمن‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬لها‭ ‬عندنا‭ ‬استعمالات‭ ‬تختلف‭ ‬عن‭ ‬الهدف‭ ‬الذى قصده‭ ‬هؤلاء‭ ‬الذين‭ ‬سخروا‭ ‬لصنعها‭ ‬ما‭ ‬توصلوا‭ ‬اليه‭ ‬من‭ ‬علوم‭ ‬وتكنولوجيا‭.



‬حول هذه الإشكالية والأسئلة تكلم الأستاذ هيكل بالتفصيل فى مقدمة كتابه «بين الصحافة والسياسة» الذى ألفه نهاية الثمانينات ، فيقول:



ان‭ ‬ما‭ ‬ينطبق‭ ‬على‭ ‬الاعلام‭ ‬ـ‭ ‬فى‭ ‬دنيا‭ ‬العالم‭ ‬الثالث‭ ‬ـ‭ ‬ينطبق‭ ‬أيضا‭ ‬على السلاح‭. ‬



والعالم‭ ‬العربى بالذات‭ ‬يشترى فى كل‭ ‬سنة‭ ‬من‭ ‬السلاح‭ ‬ما‭ ‬تبلغ‭ ‬قيمته‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬خمسة‭ ‬وثلاثين‭ ‬الى أربعين‭ ‬بليونا‭ ‬من‭ ‬الدولارات‭ (‬من‭ ‬10‭ ‬الى 12‭ ‬فى المائة‭ ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬القومي‭) . ‬ولكن‭ ‬السلاح‭ ‬فى بلدان‭ ‬العلم‭ ‬والتجديد‭ ‬للدفاع‭ ‬عن‭ ‬النفس،‭ ‬وأما‭ ‬فى أيدينا‭ ‬فإن‭ ‬السلاح‭ ‬لقهر‭ ‬النفس‭ ... ‬للقمع‭ ‬الداخلى وليس‭ ‬لعدو‭ ‬خارجى،‭ ‬خصوصا‭ ‬فى فترات‭ ‬تختلط‭ ‬فيها‭ ‬الأمور‭ ‬حتى‭ ‬أننا‭ ‬لا‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نحدد‭: ‬من‭ ‬هو‭ ‬العدو؟‭ ‬



وعندما‭ ‬تختلط‭ ‬الأمور‭ ‬فان‭ ‬ما‭ ‬يضيع‭ ‬ليس‭ ‬هو‭ ‬العلم‭ ‬والتجديد‭ ‬فقط،‭ ‬وانما‭ ‬يضيع‭ ‬الحلم‭ ‬الوطنى والقومى ولا‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬بديل‭ ‬غير‭ ‬القمع‭ ‬والقهر‭. ‬



وكنت‭ ‬أقول‭ ‬دائما‭ ‬ـ‭ ‬ولا‭ ‬أزال‭ ‬ـ‭ ‬أنه‭ ‬عندما‭ ‬يضيع‭ ‬الحلم‭ ‬فان‭ ‬الأنظمة‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬أمامها‭ ‬غير‭ ‬طريق‭ ‬واحد‭ ‬بدايته‭ ‬قناة‭ ‬تليفزيونية‭ ‬أو‭ ‬محطة‭ ‬اذاعة‭ ‬أو‭ ‬جريدة‭ ‬ونهايته‭ ‬دبابة‭ ‬أو‭ ‬مدفع‭ ‬أو‭ ‬طائرة‭! ‬، واذا‭ ‬عجزت‭ ‬الأنظمة‭ ‬عن‭ ‬تطويع‭ ‬ارادة‭ ‬الناس‭ ‬بالكلام‭ ‬تولى السلاح‭ ‬مهمة‭ ‬اخضاعهم‭ ‬بالنار‭! ‬



وليس‭ ‬ضروريا‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬قوى السيطرة‭ ‬داخلية‭ ‬ـ‭ ‬بل‭ ‬العكس‭ ‬ـ‭ ‬فالشواهد‭ ‬أمامنا‭ ‬كثيرة‭ ‬على أن‭ ‬نظم‭ ‬السيطرة‭ ‬قد‭ ‬أصبحت‭ ‬عالمية‭ ‬بل‭ ‬كونية‭ ‬فى زمان‭ ‬تلاشت‭ ‬فيه‭ ‬المسافات‭ ‬على الأرض‭ ‬وفى الفضاء،‭ ‬وفى نفس‭ ‬الوقت‭ ‬تمركزت‭ ‬المصالح‭ ‬المطامع‭ ‬والغايات‭! ‬



لابد‭ ‬أن‭ ‬أقول‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬المناخ‭ ‬العام‭ ‬فى مصر‭ ‬ـ عام ١٩٩٤ ـ بدأت‭ ‬تظهر‭ ‬عليه‭ ‬امارات‭ ‬صحوة‭. ‬فهناك‭ ‬أخيرا‭ ‬محاولة‭ ‬للبحث‭ ‬عن‭ ‬الحقيقة،‭ ‬وتساؤل‭ ‬عميق‭ ‬حتى العظام‭ ‬يحاول‭ ‬أن‭ ‬يستنطق‭ ‬الصخر‭ ‬نفسه‭ ‬عله‭ ‬يجيب‭ ‬فيطفئ‭ ‬ظمأ‭ ‬ويشبع‭ ‬جوعا‭ ‬الى الحق‭ ‬وأين‭ ‬مكانه؟‭ ‬وكيف‭ ‬الوصول‭ ‬اليه؟‭ ‬،من‭ ‬أى سبيل؟‭ ‬



وربما‭ ‬كان‭ ‬التساؤل‭ ‬الأعمق‭ ‬فى حياة‭ ‬أجيال‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬شعب‭ ‬مصر‭ ‬وشعوب‭ ‬الأمة‭ ‬العربية‭ ‬هو‭ ‬التساؤل‭ ‬عن‭ ‬التجربة‭ ‬الثورية‭ ‬المصرية‭ ‬وموقع ‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬وماذا‭ ‬جرى فعلا‭ ‬وماذا‭ ‬كان؟‭ ‬



أجاب الأستاذ هيكل عن السؤال :



هذا ‬السؤال‭ ‬فى مصر‭ ‬قديم‭ ‬جديد،‭ ‬فكل‭ ‬تجربة‭ ‬للتحرر‭ ‬والتقدم‭ ‬فى مصر‭ ‬جرى تشويهها‭ ‬بعد‭ ‬محاولة‭ ‬ضربها‭ ‬وبعد‭ ‬‮»‬التعامل‮«‬‭ ‬مع‭ ‬أبطالها‭ ‬بأسلحة‭ ‬العصر‭ ‬السائد‭ ‬أيامها‭ ‬ووسائله‭.‬



وقد‭ ‬أقول‭ ‬ـ‭ ‬وهذ‭ ‬اجتهاد‭ ‬شخصى ‭ ‬أن‭ ‬أبطال‭ ‬مصر‭ ‬فى العصر‭ ‬الحديث‭ ‬ستة،‭ ‬ولا‭ ‬أظنهم‭ ‬أكثر‭ ‬بالمعايير‭ ‬المتعارف‭ ‬عليها‭ ‬للبطولة‭. ‬‮»‬الانسان‮«‬‭ ‬و‭ ‬‮»‬اللحظة‮«‬‭ ‬أمام‭ ‬صراع‭ ‬المقادير‭ ‬وعند‭ ‬نقط‭ ‬التحول‭ ‬الكبري‭.‬



ـ محمد‭ ‬على وجمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬ـ‭ ‬فى الصراع‭ ‬لطلب‭ ‬الاستقلال‭ ‬والتقدم‭.‬



ـ عرابى ومصطفى كامل‭ ‬ـ‭ ‬فى صراع‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬التنبه‭ ‬واليقظة‭ ‬الوطنية‭.‬



ـ الطهطاوى ومحمد‭ ‬عبده‭ ‬ـ‭ ‬فى الصراع‭ ‬لاعلاء‭ ‬سلطان‭ ‬العقل‭ ‬والفكر‭.‬



وكلهم‭.. ‬كلهم‭ ‬على نحو‭ ‬أو‭ ‬آخر‭ ‬تعرضوا‭ ‬لحرب‭ ‬ضروس،‭ ‬وكان‭ ‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬أكثرهم‭ ‬تعرضا‭ ‬لعدة‭ ‬أسباب‭ ‬تظهر‭ ‬وتتجلى خصوصا‭ ‬بالمقارنة‭ ‬مع‭ ‬نظيره ‬السياسى محمد علي.



أولها‭ ‬ـ‭ ‬أن‭ ‬روابط‭ ‬الانتماء‭ ‬العضوى بالأرض‭ ‬كانت‭ ‬أقوى فى حالة‭ ‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر،‭ ‬فاذا‭ ‬تمكنت‭ ‬الجذور‭ ‬فى الأعماق‭ ‬فمعنى هذا‭ ‬أن‭ ‬القطع‭ ‬أو‭ ‬الخلع‭ ‬يصبح‭ ‬عمليا‭ ‬تصديا‭ ‬لواحدة‭ ‬من‭ ‬ظواهر‭ ‬الطبيعة‭ ‬ذاتها،‭ ‬وهذا‭ ‬صعب‭ . ‬ولهذا‭ ‬فان‭ ‬السرعة‭ ‬واجبة‭ ‬والعنف‭ ‬فى عجلة‭ ‬من‭ ‬أمره‭.‬



وثانيها‭ ‬ـ‭ ‬أن‭ ‬حدود‭ ‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬كانت‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬حدود‭ ‬محمد‭ ‬علي‭.‬



ففى حين‭ ‬أن‭ ‬المشروع‭ ‬القومى لمحمد‭ ‬على لم‭ ‬يتجاوز‭ ‬مصر‭ ‬والشام‭ ‬ومحاولة‭ ‬بناء‭ ‬دولة‭ ‬عصرية‭ ‬تقف‭ ‬على قدم‭ ‬المساواة‭ ‬مع‭ ‬دولة‭ ‬الخلافة‭ ‬فى استانبول‭ ‬وتشد‭ ‬أزرها‭ ‬ـ‭ ‬أو‭ ‬ترث‭ ‬تركتها؟‭ ‬ـ‭ ‬فان‭ ‬المشروع‭ ‬القومى لجمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬كان‭ ‬يمتد‭ ‬من‭ ‬الخليج‭ ‬إلى المحيط‭ ‬ثم‭ ‬تصل‭ ‬أصداؤه‭ ‬إلى آسيا‭ ‬وافريقيا‭ ‬توقظ‭ ‬وتحرك‭.‬



وثالثها‭ ‬ـ‭ ‬أن‭ ‬المصالح‭ ‬التى واجهت‭ ‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬كانت‭ ‬أقوى وأعتي‭. ‬



فلم‭ ‬تعد‭ ‬مصر‭ ‬مجرد‭ ‬طريق‭ ‬الشرق‭ ‬وحلقة‭ ‬فى مواصلات‭ ‬امبراطوريات‭ ‬،‭ ‬ولكنها‭ ‬أصبحت‭ ‬قلب‭ ‬منطقة‭ ‬فى وسط‭ ‬القارات‭ ‬والمحيطات‭ ‬والبحار‭ ‬حساسة‭ ‬وهى فى الصميم‭ ‬من‭ ‬مواجهة‭ ‬عالمية‭ ‬كبرى بين‭ ‬عملاقين‭ ‬فى القوة‭ ‬لم‭ ‬يعرف‭ ‬لها‭ ‬التاريخ‭ ‬مثيلا‭ ‬من‭ ‬قبل‭. ‬



ورابعها‭ ‬ـ‭ ‬أن‭ ‬نفس‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬جغرافيا،‭ ‬ولكنها‭ ‬أيضا‭ ‬أصبحت‭ ‬موطن‭ ‬ثروات‭ ‬لم‭ ‬يحلم‭ ‬بها‭ ‬أحد،‭ ‬لابديل‭ ‬لها‭ ‬حتى الآن‭ ‬اذا‭ ‬أريد‭ ‬لعجلات‭ ‬المجتمعات‭ ‬الصناعية‭ ‬أن‭ ‬تدور،‭ ‬وإذا‭ ‬أريد‭ ‬لرخائها‭ ‬أن‭ ‬يزيد‭ ‬ويتضاعف‭ ‬وأن‭ ‬يتحمل‭ ‬التكاليف‭ ‬آخرون‭! ‬



وخامسها‭ ‬ـ‭ ‬أن‭ ‬محمد‭ ‬على كان‭ ‬فى أيامه‭ ‬الطرف‭ ‬المحلى الوحيد‭. ‬وأما‭ ‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬أمامه‭ ‬أطراف‭ ‬محلية‭ ‬أخرى لديها‭ ‬ما‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تحافظ‭ ‬عليه‭ ‬مما‭ ‬تتقاسم‭ ‬غنائمه‭ ‬مع‭ ‬الساعين‭ ‬الى السيطرة،‭ ‬وهكذا‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬المعركة‭ ‬ضده‭ ‬من‭ ‬الخارج‭ ‬فقط‭ ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬الداخل‭ ‬ايضا‭. ‬



وسادسها‭ ‬ـ‭ ‬أن‭ ‬تجربه‭ ‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬جاءت‭ ‬فى ‬مرحلة‭ ‬من‭ ‬التطور‭ ‬المصرى والعربى حافلة‭ ‬بأسباب‭ ‬الفوران،‭ ‬والنموذج‭ ‬المقابل‭ (‬الجاهز‭ ‬للنقل‭ ‬من‭ ‬الغرب‭) ‬قوي‭. ‬والقوة‭ ‬لها‭ ‬قدرة‭ ‬اقناع‭ ‬كامنة،‭ ‬ثم‭ ‬أن‭ ‬مجموعات‭ ‬القيم‭ ‬المطروحة‭ ‬لها‭ ‬جاذبية‭ ‬باهرة‭ ‬تفرض‭ ‬نفسها‭ ‬على الناس‭ ‬فلا‭ ‬تترك‭ ‬لهم‭ ‬فرصة‭ ‬كافية‭ ‬ليتدبروا‭ ‬ويدركوا‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬القيم‭ ‬لم‭ ‬يجئ‭ ‬بمجرد‭ ‬التمنى وانما‭ ‬جاءت‭ ‬لأن‭ ‬تفاعلات‭ ‬اجتماعية‭ ‬واقتصادية‭ ‬طويلة‭ ‬وعنيفة‭ ‬مهدت‭ ‬لها‭ ‬وفتحت‭ ‬الطريق‭ ‬أمامها‭. ‬



وفى حين‭ ‬أن‭ ‬محمد‭ ‬على كان‭ ‬على الساحة‭ ‬وحده‭ ‬ـ‭ ‬فان‭ ‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬لابد‭ ‬أن‭ ‬أقول‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬المناخ‭ ‬العام‭ ‬فى مصر‭ ‬بدأت‭ ‬تظهر‭ ‬عليه‭ ‬امارات‭ ‬صحوة‭. ‬فهناك‭ ‬أخيرا‭ ‬محاولة‭ ‬للبحث‭ ‬عن‭ ‬الحقيقة،‭ ‬وتساؤل‭ ‬عميق‭ ‬حتى العظام‭ ‬يحاول‭ ‬أن‭ ‬يستنطق‭ ‬الصخر‭ ‬نفسه‭ ‬عله‭ ‬يجيب‭ ‬فيطفئ‭ ‬ظمأ‭ ‬ويشبع‭ ‬جوعا‭ ‬الى الحق‭ ‬وأين‭ ‬مكانه؟‭ ‬وكيف‭ ‬الوصول‭ ‬اليه؟‭ ‬ومن‭ ‬أى سبيل؟‭ ‬



كان‭ ‬حضوره‭ ‬ـ‭ ‬وليس‭ ‬اشتراكه‭ ‬ـ‭ ‬هو‭ ‬المطلوب‭. ‬كان‭ ‬المطلوب‭ ‬منه‭ ‬أن‭ ‬يتلقى وأن‭ ‬يتسلم‭ ‬شحنات‭ ‬السموم‭ ‬المغلفة‭ ‬بالسكر‭ ‬والمعبأة‭ ‬فى الصور‭ ‬والأصوات‭ ‬والألوان‭ ‬والظلال‭! ‬



وهكذا‭ ,‬ففى حين‭ ‬أن‭ ‬الحملات‭ ‬ضد‭ ‬محمد ‬على والطهطاوى وعرابى ومحمد‭ ‬عبده‭ ‬ومصطفى كامل‭ ‬وصلت‭ ‬الى دوائر‭ ‬محدودة‭ ‬بحدود‭ ‬العصر‭. ‬فان‭ ‬الحدود‭ ‬المستباحة‭ ‬وصلت‭ ‬بالحملة‭ ‬على جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬الى كل‭ ‬مكان‭



 



.. وهل أحب عبد الناصر أكثر من السادات ؟






سؤال آخر ظل يلح على مسامع الأستاذ هيكل ولم يجيب عليه واكتفى بالإشارة إلى أن إجابته فى كتبه ولا تحتاج إلى برهان جديد لمن يقرأ ويهتم .. كان السؤال هو: ما سر تعاطفك الزائد مع جمال عبد الناصر ؟ .. وهل صحيح أنه أحب «ناصر» أكثر من « السادات» ؟!



يقول الأستاذ هيكل فى كتابه بين الصحافة والسياسة :



قلت‭ ‬اننى كنت‭ ‬قريبا‭ ‬من‭ ‬‮‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‮«‬‭ ‬فترة‭ ‬معارك‭ ‬1659‭ ‬و1967،‭ ‬ومن‭ ‬‮»‬انور‭ ‬السادات‮«‬‭ ‬فترة‭ ‬معركة‭ ‬1973‭ ‬ـ‭ ‬وكنت‭ ‬قريبا‭ ‬الى درجة‭ ‬اعتبرت‭ ‬نفسى معها‭ ‬‮»‬شاهدا‮». وقد‭ ‬أضيف‭ ‬أن‭ ‬اقتراب‭ ‬‮»‬الصحفى‮«‬‭ ‬من‭ ‬مواقف‭ ‬صنع‭ ‬‮»‬‭ ‬الحدث‮«‬‭ ‬ليس‭ ‬غريبا‭... ‬وليس‭ ‬فريدا‭.‬ ليس‭ ‬غريبا‭ ‬لأن‭ ‬متابعة‭ ‬الأحداث‭ ‬والاتصال‭ ‬بمصادرها‭ ‬ـ‭ ‬بالطريق‭ ‬الصحيح‭ ‬والمستوى اللائق‭ ‬ـ‭ ‬يدخل‭ ‬بالصحفى الى أجواء‭ ‬صناعة‭ ‬اخبارها‭. ‬والتواجد‭ ‬فى أى جو‭ ‬من‭ ‬الأجواء‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬المشاركة،‭ ‬ولو‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬حركة‭ ‬التنفس‭ ‬التلقائى من‭ ‬نفس‭ ‬الهواء‭.‬ وليس‭ ‬فريدا‭ ‬ـ‭ ‬فى حالات‭ ‬أخرى غير‭ ‬حالتى مع‭ ‬‮»‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‮«‬‭ ‬و«أنور‭ ‬السادات‮«‬‭ ‬ـ‭ ‬وإنما‭ ‬التجربة‭ ‬لها‭ ‬نظائر‭ ‬مشابهة‭ ‬فى بلاد‭ ‬كثيرة‭ ‬مثل‭ ‬بريطانيا‭ ‬وفرنسا‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ .‬الصحفى الامريكي‮«‬‭ ‬والتر‭ ‬ليبمان‮«‬‭ ‬مع‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكى ‮»‬‭ ‬فرانكلين‭ ‬روزفلت‮«‬‭ ‬ـ‭ ‬و«بيف‭ ‬ميرى‮«‬‭ ‬رئيس‭ ‬تحرير«الموند‮«‬‭ ‬مع‭ ‬الرئيس‭ ‬‮»‬شارل‭ ‬ديجول‮«‬‭ ‬ـ‭ ‬و«ويليام‭ ‬ريس‭ ‬موج‮«‬‭ ‬رئيس‭ ‬تحرير‭ ‬‮»‬التيمس‮«‬‭ ‬مع‭ ‬‮»‬مارجريت‭ ‬ثاتشر‮«‬‭ ‬مثلا‭.. ‬وعشرات‭ ‬غيرهم.‬



والحاصل‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬تداخلا‭ ‬شديدا‭ ‬فى كثير‭ ‬من‭ ‬الظروف‭ ‬بين‭ ‬السياسة‭ ‬والصحافة‭ ‬فى العالم‭ ‬كله،‭ ‬وتداخل‭ ‬هذه‭ ‬الظروف‭ ‬اشد‭ ‬فى العالم‭ ‬الثالث‭ ‬حيث‭ ‬تتصل‭ ‬السياسة‭ ‬بصميم‭ ‬العمل‭ ‬الوطنى من‭ ‬أجل‭ ‬الاستقلال‭ ‬والتحرر‭ ‬الاجتماعى والاقتصادى والفكرى ،‭ ‬وتنشأ‭ ‬وتتواصل‭ ‬احيانا‭ ‬رؤى متقاربة،‭ ‬وفى أحيان‭ ‬اخرى تتجلى احلام‭ ‬تبدو‭ ‬قابلة‭ ‬للتحقيق‭ ‬فى أوطان‭ ‬قريبة‭ ‬سعي،‭ ‬أو‭ ‬قريبة‭ ‬عهد‭ ‬بالاستقلال‭ ‬والحرية‭ ‬ـ‭ ‬يواجهها‭ ‬سؤال‭ ‬أساسي‭: ‬تكون‭ ‬أو‭ ‬لا‭ ‬تكون؟



وأمام‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬تتداخل‭ ‬حدود،‭ ‬وتتشابك‭ ‬مواقف،‭ ‬وتبرز‭ ‬اشكاليات‭ ‬اهمها‭ ‬اشكالية‭ ‬الحرية‭ ‬ـ‭ ‬وهل‭ ‬البعد‭ ‬يضمنها‭ ‬،‭ ‬أو‭ ‬هل‭ ‬القرب‭ ‬يصدها؟



ولعلى أقول‭ ‬والتجربة‭ ‬ورائى إنه‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬الضرورى أن‭ ‬يكون‭ ‬قرب‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬السياسة‭ ‬والصحافة‭ ‬قيدا‭ ‬على الحرية‭ ‬وربما‭ ‬تذكرنا‭ ‬أن‭ ‬الصيغة‭ ‬المثلى للبحث‭ ‬عن‭ ‬الحقيقة‭ ‬هى صيغة‭ ‬الحوار‭. ‬وكل‭ ‬حوار‭ ‬رأيان‭ ‬بالاتفاق‭ ‬كما‭ ‬بالاختلاف‭ ‬،‭ ‬خصوصا‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬المرجعية‭ ‬افكارا‭ ‬وأحلاما‭ ‬يحترمها‭ ‬طرفان،‭ ‬وليست‭ ‬سلطة‭ ‬يحتكرها‭ ‬طرف‭ ‬واحد‭!‬



وبصرف‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬أى اعتبار‭ ‬فالذى حدث‭ ‬فعلا‭ ‬هو‭ ‬اننى اقتربت،‭ ‬وهذا‭ ‬الاقتراب‭ ‬حقيقة‭ ‬لا‭ ‬أتفاخر‭ ‬بها‭ ‬ولا‭ ‬اعتذر‭ ‬عنها‭. ‬وفى كل‭ ‬الأحوال،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬يقينى دائما‭ ‬أن‭ ‬أى صحفي،‭ ‬أو‭ ‬أى كاتب‭ ‬يستحق‭ ‬وصف‭ ‬مهنته‭ ‬كصحفى أو‭ ‬كاتب‭ ‬ـ‭ ‬مطالب‭ ‬من‭ ‬أول‭ ‬النهار‭ ‬بأن‭ ‬يأتمن‭ ‬قارءه‭ ‬على كل‭ ‬ما‭ ‬يفكر‭ ‬فيه‭ ‬ـ‭ ‬ومطالب‭ ‬قبل‭ ‬آخر‭ ‬النهار‭ ‬بأن‭ ‬يبوح‭ ‬لقارئه‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬يعرفه‭ . ‬فالقارئ‭ ‬هو‭ ‬القانون،‭ ‬والصداقة‭ ‬عاطفة‭. ‬والقانون‭ ‬مسئولية‭ ‬مجتمع،‭ ‬والعاطفة‭ ‬مشاعر‭ ‬فرد‭. ‬وفى جوهر‭ ‬الحقيقة‭ ‬فإن‭ ‬التناقض‭ ‬بين‭ ‬الاثنين‭ ‬فى العمل‭ ‬العام‭ ‬مصطنع‭ ‬لا‭ ‬ينشأ‭ ‬إلا‭ ‬بالتعسف‭ ‬فى الفهم‭ ‬أو‭ ‬بالميل‭ ‬مع‭ ‬الهوي،‭ ‬لأن‭ ‬الصداقات‭ ‬التى تنشأ‭ ‬فى اطار‭ ‬فكرة‭ ‬عامة‭ ‬جامعة‭ ‬يظل‭ ‬ولاؤها‭ ‬النهائى للفكرة‭ ‬العامة‭ ‬الجامعة،‭ ‬وإلا‭ ‬تحول‭ ‬الصحفى والكاتب‭ ‬من‭ ‬صديق‭ ‬قضية‭ ‬الى صاحب‭ ‬سلطان،‭ ‬ومن‭ ‬حامل‭ ‬قلم‭ ‬الى نديم‭ ‬بلاط‭!‬



‭‬وربما‭ ‬قيل‭ ‬ـ‭ ‬والقول‭ ‬صحيح‭ ‬ـ‭ ‬إن‭ ‬الفكرة‭ ‬والحلم‭ ‬الذى تمثله‭ ‬مرجعية‭ ‬‮»‬‭ ‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‮«‬‭ ‬تختلف‭ ‬عن‭ ‬الفكرة‭ ‬والحلم‭ ‬الذى مثلته‭ ‬مرجعية‭ ‬‮»‬‭ ‬أنور‭ ‬السادات‮«‬‭ ‬،‭ ‬فكيف‭ ‬تأتى أن‭ ‬اكون‭ ‬قريبا‭ ‬من‭ ‬الاثنين؟‭ ‬والذى حدث‭ ‬هو‭ ‬أننى ظللت‭ ‬قريبا‭ ‬من‭ ‬‮»‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‮«‬‭ ‬من‭ ‬بداية‭ ‬دوره‭ ‬الى نهايته،‭ ‬وقد‭ ‬توثقت‭ ‬علاقاتنا‭ ‬مع‭ ‬الأيام،‭ ‬واتفقت‭ ‬واختلفت‭ ‬رؤانا‭ ‬للحوادث‭ ‬والناس‭ ‬أحيانا،‭ ‬لكن‭ ‬الفكرة‭ ‬المرجعية،‭ ‬وهى المشروع‭ ‬الحضارى الذى قاده‭ ‬‮»‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‮«‬‭ ‬ـ‭ ‬ظلت‭ ‬هى الحكم‭ ‬حتى بعد‭ ‬أن‭ ‬لحقها‭ ‬ذلك‭ ‬الشرخ‭ ‬العميق‭ ‬الذى اصابها‭ ‬سنة‭ ‬1967‭. ‬وكان‭ ‬هذا‭ ‬الشرخ‭ ‬نتيجة‭ ‬لأخطاء‭ ‬فى التجربة،‭ ‬ونتيجة‭ ‬لضغوط‭ ‬من‭ ‬الخارج‭ ‬فى ذات‭ ‬الوقت‭.‬



وكان‭ ‬دور‭‬انور‭ ‬السادات‮ ‬‭ ‬أن‭ ‬يستكمل‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬‮»‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‮«‬‭ ‬قد‭ ‬بدأه‭ ‬من‭ ‬محاولة‭ ‬لإصلاح‭ ‬هذا‭ ‬الشرخ‭ ‬بتلافى الأخطاء‭ ‬فى الداخل،‭ ‬ومواجهة‭ ‬الضغوط‭ ‬من‭ ‬الخارج‭. ‬ولقد‭ ‬اسعدنى أننى صاحبت‭ ‬‮»‬‭ ‬أنور‭ ‬السادات‮«‬‭ ‬وهو‭ ‬يعانى هموم‭ ‬مسئوليته،‭ ‬ثم‭ ‬رأيته‭ ‬وقد‭ ‬ملك‭ ‬شجاعة‭ ‬قرار‭ ‬من‭ ‬أصعب‭ ‬وأخطر‭ ‬ما‭ ‬واجهته‭ ‬مصر‭ ‬فى تاريخها،‭ ‬أعنى قرار‭ ‬اكتوبر‭ ‬1973‭.‬



ومن‭ ‬ناحيته‭ ‬فإنى‭ ‬استطيع‭ ‬أن‭ ‬أرد‭ ‬صحبته‭ ‬معى لأسباب‭ ‬منطقية‭:‬



ـ‭ ‬ربما‭ ‬كان‭ ‬يريد‭ ‬عنصر‭ ‬استمرار‭ ‬فى السياسة‭ ‬يعرف‭ ‬عن‭ ‬ظروفها‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬غائبا‭ ‬عنه‭ ‬ثم‭ ‬وجد‭ ‬نفسه‭ ‬فجأة‭ ‬يحمل‭ ‬مسئوليته‭.‬



ـ‭ ‬ربما‭ ‬كانت‭ ‬علاقة‭ ‬ود‭ ‬متبادل‭ ‬قام‭ ‬وظل‭ ‬قائما‭ ‬لسنوات‭ ‬طويلة‭.‬



ـ‭ ‬ربما‭ ‬كان‭ ‬تعاطفا‭ ‬من‭ ‬جانبه‭ ‬مع‭ ‬بعض‭ ‬ما‭ ‬كنت‭ ‬أنادى به‭ ‬من‭ ‬ضرورات‭ ‬للتغيير‭ ‬فى وقت‭ ‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‮«‬،‭ ‬وبينه‭ ‬مطلب‭ ‬تحييد‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬وليس‭ ‬التناطح‭ ‬معها،‭ ‬وبينه‭ ‬دعوة‭ ‬إلى مجتمع‭ ‬مفتوح‭ ‬تعلو‭ ‬فيه‭ ‬سيادة‭ ‬القانون‭ ‬على مراكز‭ ‬القوة،‭ ‬وغير‭ ‬ذلك‭ ‬اجتهادات‭ ‬اخرى طرحتها‭ ‬فى أيام‭ ‬سابقة‭ ‬ولعل‭ ‬بينها‭ ‬ما‭ ‬صادف‭ ‬قبولا‭ ‬لديه‭!‬



ربما‭.. ‬وربما



ولكن‭ ‬الذى أعرفه‭ ‬اننا‭ ‬تلاقينا،‭ ‬وأننا‭ ‬اتفقنا‭ ‬واختلفنا‭ ‬كثيرا،‭ ‬وظللنا‭ ‬أصدقاء‭ ‬حتى جاءت‭ ‬حرب‭ ‬اكتوبر‭ ‬1973‭ ‬وانتهت،‭ ‬ثم‭ ‬تباعدت‭ ‬زوايا‭ ‬الرؤية‭ ‬لأن‭ ‬الرجل‭ ‬ـ‭ ‬وهذا‭ ‬حقه‭ ‬ـ‭ ‬وجد‭ ‬بعد‭ ‬حرب‭ ‬اكتوبر‭ ‬أنه‭ ‬يستطيع‭ ‬تأسيس‭ ‬شرعية‭ ‬مختلفة‭ ‬تصدر‭ ‬عن‭ ‬مرجعية‭ ‬مختلفة‭. ‬وهناك‭ ‬تباعدت‭ ‬الطرق،‭ ‬وكان‭ ‬طبيعيا‭ ‬ان‭ ‬تتباعد‭ ‬وإلا‭ ‬نزلت‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬السياسى والصحفى من‭ ‬مستوى الصداقة‭ ‬لفكرة‭ ‬او‭ ‬لمشروع‭ ‬الى مستوى التبعية‭ ‬لرجل‭ ‬أو‭ ‬لسلطة‭!‬



 



.. وما هى علاقة جمال حمدان بحرب أكتوبر؟






خصص‭ ‬الأستاذ‭ ‬محمد‭ ‬حسنين‭ ‬هيكل‭ ‬مقدمة‭ ‬كتابه‭ ‬عن‭ ‬حرب‭ ‬اكتوبر‭ ‬1973‭ ‬للكلام‭ ‬عن‭ ‬جمال‭ ‬حمدان،‭ ‬واعتبر‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬قدمه‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬الكبير‭ ‬فى كتابه «مصر دراسة فى ‬عبقرية‭ ‬المكان»‭ ‬مقدمة‭ ‬طبيعية‭ ‬لمعركة‭ ‬الارادة‭ ‬الوطنية‭ ‬التى تخوضها‭ ‬الأمة‭ ‬والتى كانت‭ ‬حرب‭ ‬اكتوبر‭ ‬أحد‭ ‬فصولها‭.



يعود الأستاذ هيكل الى معركة تحدى البداية فيقول فى تاريخ‭ ‬مصر‭ ‬مع‭ ‬بداية‭ ‬العصر‭ ‬الحديث‭ ‬كتابان‭ ‬لها‭ ‬مذاق‭ ‬خاص،‭ ‬وبينها‭ ‬تقابل‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬ما‭:‬



‭الكتاب‭ ‬الأول‭ ‬هو‭: ‬‮«‬تخليص‭ ‬الإبريز‭ ‬فى وصف‭ ‬باريز»‬‭ ‬الذى كتبه‭ ‬شيخ‭ ‬التنوير‭ ‬الجليل‭ ‬‮«رفاعة‭ ‬رافع‭ ‬الطهطاوى‮»‬‭ ‬فى أخريات‭ ‬النصف‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭.‬



‭ > ‬والكتاب‭ ‬الثانى هو : ‬‮‬شخصية‭ ‬مصر‮‬‭ ‬الذى كتبه‭ ‬العالم‭ ‬الراهب‭ ‬المعتزل‭ ‬‮«‬جمال‭ ‬حمدان‮» ‬فى بدايات‭ ‬النصف‭ ‬الثانى من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭.‬



الكتاب‭ ‬الأول‭ ‬يحكى رؤية‭ ‬أزهرى ريفى للحضارة‭ ‬الغربية‭. ‬مصرى خام،‭ ‬عبر‭ ‬البحر‭ ‬الابيض‭ ‬الى باريس،‭ ‬وألقى نظرة‭ ‬على ما‭ ‬رأى ثم‭ ‬شهق‭ ‬مدهوشا‭ ‬منه،‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬شهقته‭ ‬بالانبهار‭ ‬تعيد‭ ‬أصداءها‭ ‬حتى الآن‭ ‬بعد‭ ‬مضى اكثر‭ ‬من‭ ‬مائة‭ ‬وخمسين‭ ‬عاما‭ ‬على صوتها‭ ‬الأصلي‭. ‬وكانت‭ ‬القيمة‭ ‬الكبيرة‭ ‬لهذه‭ ‬الشهقة‭ ‬التى أطلقها‭ ‬‮»‬الطهطاوى‮‬‭ ‬أن‭ ‬صاحبها‭ ‬لم‭ ‬يقصر‭ ‬انبهاره‭ ‬على شكل‭ ‬ما‭ ‬رأى،‭ ‬وإنما‭ ‬غاص‭ ‬فيه‭ ‬محاولا‭ ‬لمس‭ ‬أعماقه‭ ‬والتعرف‭ ‬على مادته‭.‬



والكتاب‭ ‬الثانى يقدم‭ ‬دراسة‭ ‬طالب‭ ‬علم‭ ‬مصرى عبر‭ ‬البحر‭ ‬الى بريطانيا‭ ‬ملتحقا‭ ‬بجامعة‭ ‬‮»‬ريدنج‮«‬‭ ‬يقصد‭ ‬التخصص‭ ‬فى الجغرافيا‭.‬ ومن‭ ‬هناك‭ ‬راح‭ ‬يتأمل‭ ‬وطنه،‭ ‬ويعيد‭ ‬اكتشافه‭.‬



وهكذا فكل‭ ‬مواطن‭ ‬يكتشف‭ ‬وطنه‭ ‬على اساس‭ ‬الميلاد‭ ‬والتربية‭ ‬مرة‭ ‬ـ‭ ‬ثم‭ ‬يعيد‭ ‬اكتشافه‭ ‬على اساس‭ ‬الحياة‭ ‬فيه‭ ‬والتجربة‭ ‬معه‭ ‬مرة‭ ‬ثانية‭. ‬لكن‭ ‬‮»‬جمال‭ ‬حمدان‮«‬‭ ‬كان‭ ‬حالة‭ ‬استثنائية،‭ ‬ذلك‭ ‬أنه‭ ‬تجاوز‭ ‬ذاته،‭ ‬وجاء‭ ‬اكتشافه‭ ‬الثانى لوطنه‭ ‬على اساس‭ ‬حياة‭ ‬وتجربة‭ ‬هذا‭ ‬الوطن‭ ‬مع‭ ‬الدنيا‭ ‬والتاريخ‭.‬ وهذا هو الفارق بين الإثنين.



أولهمـــا‭ :‬الطهطاوى ‬‭ ‬ـ‭ ‬مسافر‭ ‬خارج‭ ‬من‭ ‬وطنه‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬أفكار‭ ‬ورؤى دنيا‭ ‬جديدة،‭ ‬وعصر‭ ‬بازغ‭ ‬تضوى وتتألق‭ ‬فيه‭ ‬اشعاعات‭ ‬الثورة‭ ‬الفرنسية‭.‬



‭‬وثانيهما‭ :‬حمدان‮«‬‭ ‬ـ‭ ‬مسافر‭ ‬عائد‭ ‬الى وطنه‭ ‬بمفتاح‭ ‬لفهم‭ ‬حياة‭ ‬وشخصية‭ ‬أمة‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬نفسها‭ ‬عقب‭ ‬حرب‭ ‬عالمية‭ ‬ضروس‭ ‬هزت‭ ‬وزلزلت‭ ‬قارات‭ ‬ومحيطات‭!‬



وربما‭ ‬تقاطعت‭ ‬مسالك‭ ‬سفر‭ ‬الرجلين‭ ‬على أمواج‭ ‬البحر‭ ‬الأبيض‭ ‬ذهابا‭ ‬وعودة‭ ‬رغم‭ ‬انقضاء‭ ‬قرن‭ ‬ونصف‭ ‬من‭ ‬الزمان،‭ ‬ثم‭ ‬تقابلت‭ ‬رؤى المسافرين‭ ‬العائدين‭ ‬من‭ ‬مواقع‭ ‬نظر‭ ‬متباينة‭!‬



يواصل الأستاذ الإجابة على السؤال فيقول:



‬تحدثت‭ ‬مع‭ ‬‮ ‬جمال‭ ‬حمدان‮ ‬فى مكتبى لآخر‭ ‬مرة‭ ‬قبل‭ ‬قرابة‭ ‬سنة،‭ ‬وكنت‭ ‬فى ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬على وشك‭ ‬أن‭ ‬ابدأ‭ ‬كتابة‭ ‬هذا‭ ‬الجزء‭ ‬من‭ ‬‮ ‭ ‬حرب‭ ‬الثلاثين‭ ‬سنة‮«‬‭ (‬عن‭ ‬معركة‭ ‬اكتوبر‭ ‬1973‭). ‬وهو‭ ‬ينضم‭ ‬الى كتب‭ ‬ثلاثة‭ ‬سبقته‭ ‬من‭ ‬ذات‭ ‬المجموعة‭: ‬‮»‬ملفات‭ ‬السويس‮«‬‭ ‬عن‭ ‬معركة‭ ‬السويس‭ ‬1956‭ ‬،‭ ‬و«سنوات‭ ‬الغليان» ‬‭ ‬و«الانفجار‮‬‭ «‬وكلاهما‭ ‬عن‭ ‬معركة‭ ‬سنة‭ ‬1967 ‬.



ثم‭ ‬حل‭ ‬موعد‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬الرابع‭ ‬اكتوبر‭ ‬1973‭: ‬‮‬السياسة‭ ‬والسلاح‮.‬‭‬



وبطبيعة‭ ‬الحال‭ ‬فقد‭ ‬تحدثنا‭ ‬عن‭ ‬شواغلى فيه،‭ ‬ثم‭ ‬تواصلت‭ ‬مناقشاتنا‭ ‬طويلا‭ ‬حول‭ ‬موضوع‭ ‬يستدعى اهتمامنا‭ ‬نحن‭ ‬الاثنين‭ ‬وهو‭ ‬علاقة‭ ‬الجغرافيا‮ ‬والتاريخ‮‬،‭ ‬ومصر‭ ‬فى موازين‭ ‬الاثنين‭ ‬معا‭. ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬بالضبط‭ ‬محور‭ ‬كتابه‭ ‬عن‭ ‬‮«‬‭ ‬شخصية‭ ‬مصر‮».‬



وأتذكر‭ ‬اننى ابديت‭ ‬له‭ ‬هواجس‭ ‬تراودني،‭ ‬وتساءلت‭:‬



‮إذا‭ ‬قلنا‭ ‬إن‭ ‬المكان‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬موقع‭ ‬جغرافى ،‭ ‬وإذا‭ ‬قلنا‭ ‬إن‭ ‬الزمان‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬قرون‭ ‬تغرب‭ ‬شموسها‭ ‬او‭ ‬قرون‭ ‬تهل‭ ‬مطالعها‭ ‬ـ‭ ‬فكيف‭ ‬تفسر‭ ‬ما‭ ‬يجرى امامنا؟



لقد‭ ‬حدث‭ ‬شيء‭ ‬ما‭ ‬لـ‬«عبقرية‭ ‬المكان‮»..‬



عبقرية‭ ‬المكان‮‬‭ ‬بشكل‭ ‬من‭ ‬الأشكال‭ ‬تبدو‭ ‬لى معطلة‭ ‬هنا‭. ‬ حتى الانشغال‭ ‬بهمها‭ ‬معطل‭:‬



ـ‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يقولون‭ ‬ـ‭ ‬بخفة‭ ‬إن‭ ‬‮»‬‭ ‬العبقرية‮«‬‭ ‬كبرت‭ ‬على موقعها‭ ‬وموضوعها‭ ‬



ـ‭ ‬وهناك‭ ‬من‭ ‬يقولون‭ ‬ـ‭ ‬بقسوة‭ ‬ـ‭ ‬إن‭ ‬‮‬العبقرية‮‬‭ ‬صغرت‭ ‬على موقعها‭ ‬وموضعها‭ ‬



دعنا‭ ‬من‭ ‬‮‬الخفة‮ ‬والقسوة‮‬‭ ‬إلى ما‭ ‬هو‭ ‬أكثر‭ ‬موضوعية‭ ‬وعلمية‭ ‬ـ‭ ‬قل‭ ‬لى ماذا‭ ‬جرى لـ عبقرية‭ ‬المكان‮‬‭ ‬وفعلها‭ ‬فى الزمن‭ ‬التاريخى للانسان‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬يستلزمه‭ ‬من‭ ‬ضرورات‭ ‬الحركة‭ ‬والتغيير‭ ‬،‭ ‬وهما‭ ‬الاساس‭ ‬فى حيوية‭ ‬الوجود‭!‬



قل‭ ‬لى‭... ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬للزمان‭ ‬أن‭ ‬يمشى بظهره‭ ‬الى المستقبل؟‭! ‬وهل‭ ‬يمكن‭ ‬للعدد‭ ‬أن‭ ‬يتنازل‭ ‬بحسابه‭ ‬للسنين‭ ‬والحقب‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يتصاعد‭ ‬معها‭ ‬بقوة‭ ‬الأشياء،‭ ‬ويحملنا‭ ‬ولو‭ ‬بالقسر‭ ‬من‭ ‬قرن‭ ‬يودع‭ ‬الى قرن‭ ‬يسلم؟‭!‬



ويجيب‭ ‬الاستاذ‭ ‬هيكل‭ ‬على نفسه‭:‬ بعقلى وقلبى اعرف‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬مستحيل‭ . ‬لكنى لا‭ ‬أستطيع‭ ‬أن‭ ‬انكر‭ ‬بعض‭ ‬ما‭ ‬أراه‭!‬



‭ ‬على نحو‭ ‬ما،‭ ‬تساورنى هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬هواجس‭:‬



لست‭ ‬متأكدا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المكان‭ ‬عارف‭ ‬بموقعه‭ ‬وموضعه،‭ ‬واثق‭ ‬من‭ ‬هويته،‭ ‬أو‭ ‬واثق‭ ‬من‭ ‬دوره‭ ‬فى محيطه‭ ‬الذى هو‭ ‬قطعة‭ ‬منه؟



لست‭ ‬متأكدا‭ ‬ان‭ ‬هذا‭ ‬المكان‭ ‬قائد‭ ‬ـ‭ ‬حيث‭ ‬تؤهله‭ ‬الجغرافيا‭ ‬والتاريخ‭ ‬أن‭ ‬يقود؟



لست‭ ‬متأكدا‭ ‬أنه‭ ‬الملهم‭ ‬،‭ ‬والنموذج،‭ ‬والمثال‭.‬



لست‭ ‬متأكدا‭ ‬أنه‭ ‬العالم‭ ‬،‭ ‬والمعلم،‭ ‬والمفتي،‭ ‬والمجتهد‭.‬



لست‭ ‬متأكدا‭ ‬أنه‭ ‬المبدع،‭ ‬والمصور‭.‬



بل‭ ‬لست‭ ‬متأكدا‭ ‬أنه‭ ‬المطرب،‭ ‬والمغنى‭.‬



قصارى ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يجيئك‭ ‬إذا‭ ‬مددت‭ ‬سمعك‭ ‬دقات‭ ‬طبول‭ ‬بدائية‭ ‬وغريزية‭ ‬تكرر‭ ‬نفسها،‭ ‬تعطيك‭ ‬احساسا‭ ‬موحشا‭ ‬بأن‭ ‬الحقول‭ ‬الخضراء‭ ‬تتراجع‭ ‬أمام‭ ‬عملية‭ ‬تصحر‭ ‬بطىء‭ ‬،‭ ‬ولكن‭ ‬خطاه‭ ‬منتظمة‭ ‬ومتتالية،‭ ‬كأنه‭ ‬على موعد‭ ‬يقصد‭ ‬إليه‭ ‬بنشاط‭ ‬رتيب‭ ‬ـ‭ !‬ـ‭ ‬هناك‭ ‬على حافة‭ ‬الدنيا‭ ‬وعلى حافة‭ ‬العصر‭!.‬



كان‭ ‬‮‭ ‬جمال‭ ‬حمدان‮‬‭ ‬انسانا‭ ‬بالغ‭ ‬الحساسية،‭ ‬شديد‭ ‬الكبرياء،‭ ‬وقد‭ ‬زادت‭ ‬على ذلك‭ ‬اخيرا‭ ‬مسحة‭ ‬حزن‭ ‬ضغط‭ ‬انطباعها‭ ‬على قسمات‭ ‬وجهه،‭ ‬وشاعت‭ ‬فى نبرة‭ ‬صوته،‭ ‬وقد‭ ‬حاول‭ ‬ان‭ ‬يعزى نفسه‭ ‬ـ‭ ‬أو‭ ‬يعزينى ‭ ‬قائلا‭:‬‮«‬‭ ‬إن‭ ‬حركة‭ ‬التاريخ‭ ‬دائمة،‭ ‬ولكن‭ ‬اتجاهها‭ ‬ليس‭ ‬ثابتا،‭ ‬وكان‭ ‬عهدنا‭ ‬بها‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الى امام‭ ‬خطوتين‭ ‬وإلى وراء‭ ‬خطوة‭ ‬ـ‭ ‬ولعلنا‭ ‬الآن‭ـ ‬ عام 4991 ـ نرى بعدا‭ ‬مغايرا،‭ ‬حركة‭ ‬الى اسفل‭... ‬ نحن‭ ‬شهدنا‭ ‬انقلابا‭ ‬لأنه‭ ‬كان‭ ‬بين‭ ‬السكان‭ ‬من‭ ‬لم‭ ‬يقدر‭ ‬ولم‭ ‬يرع‭ ‬حرمة‭ ‬وحق‭ ‬المكان‭.‬‮‬ وكما‭ ‬حاولت‭ ‬دائما،‭ ‬فقد‭ ‬حاولت‭ ‬تلك‭ ‬المرة‭ ‬أن‭ ‬أقنعة‭ ‬بالخروج‭ ‬من‭ ‬دير‭ ‬العزلة‭ ‬والعودة‭ ‬الى دنيا‭ ‬الناس‭... ‬ولم‭ ‬يقتنع‭ ‬مصرا‭ ‬على أنه‭ ‬‮‬اعتزل‭ ‬وحركة‭ ‬التيار‭ ‬الى امام‭ ‬،‭ ‬فكيف‭ ‬يعود‭ ‬والحركة‭ ‬معاكسة‭ ‬سواء‭ ‬الى وراء‭ ‬أو‭ ‬إلى اسفل؟‮‬‭!‬



وافترقنا‭ ‬،‭ ‬ولم‭ ‬أكن‭ ‬اعرف‭ ‬أنه‭ ‬فراق‭ ‬الى الأبد،‭ ‬وانشغلت‭ ‬بهذا‭ ‬الكتاب‭ ‬حتى فاجأتنى وأنا‭ ‬غارق‭ ‬فيه‭ ‬تلك‭ ‬النهاية‭ ‬المأساوية‭ ‬التى انتهت‭ ‬اليها‭ ‬حياة‭ ‬ذلك‭ ‬العالم‭ ‬الراهب‭ ‬المعتزل‭ ‬والمهموم‭ ‬بشخصية‭ ‬مصر‭ ‬وعبقرية‭ ‬مكانها‭.. ‬الموقع‭ ‬والموضع‭ !‬



وعودة إلى السؤال: ماهى علاقة الحرب بفكر جمال حمدان؟



يجيب الأستاذ فى مقدمة كتابه المهم: إن‬‮ حرب‭ ‬الثلاثين‭ ‬سنة‮ موضوع‭ ‬ليس‭ ‬بعيدا‭ ‬عما‭ ‬كنت‭ ‬اتحدث‭ ‬فيه‭ ‬مع ‬جمال‭ ‬حمدان‮ ‬عن‭ ‬الجغرافيا‭ ‬والتاريخ‭.. ‬المكان‭ ‬والمكانة‭..‬ والشخصية‭ ‬والعبقرية‭.. ‬فهذه‭ ‬المجموعة‭ ‬من‭ ‬الكتب‭ ‬تحكى قصة‭ ‬صراع‭ ‬هذه‭ ‬الامة‭ ‬العربية‭ ‬بقيادة‭ ‬مصر‭ ‬ـ‭ ‬ضد‭ ‬الهيمنة‭ ‬الأجنبية‭ ‬منذ‭ ‬منتصف‭ ‬الخمسينات‭ ‬الى منتصف‭ ‬الثمانينات‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬بداية‭ ‬من‭ ‬وقفتها‭ ‬الشجاعة‭ ‬ضد‭ ‬الأحلاف‭ ‬العسكرية‭ ‬الغربية‭ ‬سنة‭ ‬1955‭ ‬ـ‭ ‬حتى تأكد‭ ‬الهبوط‭ ‬حين‭ ‬تمكنت‭ ‬إسرائيل‭ ‬من‭ ‬احتلال‭ ‬عاصمة‭ ‬عربية‭ ‬هى بيروت‭ ‬فى النصف‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬الثمانينات‭.‬



كان‭ ‬الفصل‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬القصة‭ ‬هو‭ ‬التمرد‭ ‬ضد‭ ‬السيطرة،‭ ‬وطلب‭ ‬الاستقلال‭ ‬والتنمية‭ ‬الاجتماعية‭. ‬ووصل‭ ‬هذا‭ ‬الفصل‭ ‬الى ذروته‭ ‬فى معركة‭ ‬السويس‭ ‬سنة‭ ‬1956‭ ‬ـ‭ ‬وقد‭ ‬انتهت‭ ‬بفوز‭ ‬عربى لاشك‭ ‬فيه‭.‬



‭ ‬وكان‭ ‬الفصل‭ ‬الثانى هو‭ ‬الصراع‭ ‬بين‭ ‬الحركة‭ ‬القومية‭ ‬العربية‭ ‬وبين‭ ‬نظم‭ ‬الهيمنة‭ ‬العالمية‭. ‬ووصل‭ ‬هذا‭ ‬الفصل‭ ‬الى ذروته‭ ‬فى معركة‭ ‬سنة‭ ‬1967‭ ‬ـوقد‭ ‬انتهت‭ ‬بنكسة‭ ‬عربية‭ ‬لاشك‭ ‬فيها‭ ‬



وكان‭ ‬الفصل‭ ‬الثالث‭ ‬هو‭ ‬الصراع‭ ‬بين‭ ‬الحركة‭ ‬القومية‭ ‬العربية‭ ‬وبين‭ ‬نظم‭ ‬الهيمنة‭ ‬العالمية‭. ‬ووصل‭ ‬هذا‭ ‬الفصل‭ ‬الى ذروته‭ ‬فى معركة‭ ‬سنة‭ ‬1973.



وهى عمل‭ ‬عسكرى باهر‭ ‬ـ‭ ‬فإن‭ ‬الجوانب‭ ‬العسكرية‭ ‬ليست‭ ‬غالبة‭ ‬فيه،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬منطق‭ ‬يفرق‭ ‬بين‭ ‬الحرب‭ ‬والقتال‭. ‬فالحرب‭ ‬صراع‭ ‬سياسى بكل‭ ‬وسائل‭ ‬القوة،‭ ‬فى حين‭ ‬أن‭ ‬القتال‭ ‬مرحلة‭ ‬معينة‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬يكون‭ ‬فيها‭ ‬الاحتكام‭ ‬إلى السلاح‭.‬ وهكذا‭ ‬فإن‭ ‬دور‭ ‬القتال‭ ‬فى الحرب‭... ‬عسكرى‭.‬



فى حين‭ ‬أن‭ ‬الحرب‭ ‬الشاملة‭.. ‬سياسة،‭ ‬وهذا‭ ‬مجال‭ ‬يغرينى‭!‬



.