أحمد السيد النجار
محمد عبد الهادي علام
نحـو إصــلاح حقيـقى للخـدمة المدنيـة
28 يناير 2016
د.أحمد صقر عاشور


انتهى الجدل والاعتراضات التى تصاعدت عبر ما يزيد على العام من قبل تجمعات مختلفة من النقابات العمالية والعاملين بالحكومة والخبراء ورجال السياسة غير الحكوميين على قانون الخدمة المدنية الجديد؛ برفض القانون من قبل مجلس النواب الجديد فى جلسة عاصفة مشحونة مليئة بالمفاجآت. حدث هذا رغم محاولات مضنية لحشد التأييد وتسويق القانون من قبل وزير التخطيط والإصلاح الإداري، وكذلك الحكومة ورغم إعلان الرئيس تأييده للقانون منذ خمسة أشهر باعتبار أنه يمثل خطوة أولى فى اتجاه الإصلاح بما يعنى ضرورة وجود خطوات ومبادرات تالية. ورغم جهود التأييد السابقة، لم تنجح الجوانب الإيجابية فى القانون الجديد فى إقناع النواب الجدد بتمريره ولو بشروط، فقد كانت الاعتراضات والسلبيات المثارة أقوى من أن يتم تجاوزها ولو بموافقة مشروطة أو مؤقتة. ولأهمية إصلاح نظام الخدمة المدنية الذى فشل القانون المقترح من الحكومة فى كسب الموافقة عليه وتحقيقه وبحكم أنه يتعلق بما لا يقل عن 6.4 مليون موظف ولأن هذه القوى البشرية تمثل عماد الأداء والخدمات الحكومية، يتطلب الأمر إجراء تحليل وتقييم موضوعى للإشكاليات التى يثيرها القانون، وإلقاء الضوء على آفاق الخروج من المأزق الراهن بعد رفض القانون وتقديم مقترحات تسهم فى التطوير، إصلاح الخدمة المدنية يمثل ركنا جوهريا من متطلبات تحسين الأداء الحكومي، وهو فى نفس الوقت يمثل شرطا ومتطلبا مسبقا لتحقيق نقلة تنموية، حيث لا يمكن تصور تحقيق هذا التحسين دون تطوير منظومة العنصر البشرى التى يقوم عليها الأداء الحكومي. وستركز الدراسة الحالية على: (1) أهم الاعتراضات التى أثارها نواب البرلمان على القانون (2) تقديم تقييم موضوعى متعمق لمبادرة إصلاح الخدمة المدنية من حيث قدرة هذه المبادرة (ممثلة فى القانون الجديد ولائحته التنفيذية اللذين تم رفضهما) على علاج المشكلات الراهنة فى منظومة العنصر البشرى والخدمة المدنية، وتحقيق الإصلاح المطلوب؛ (3) تقديم بعض المقترحات العملية التى تعالج المشكلات والتناقضات القائمة وتحقيق إصلاح حقيقى فى منظومة العمل الإدارى وفى قلبه نظام الخدمة المدنية.







أولا: الاعتراضات والتحفظات التى أثارها النواب



عكست اعتراضات النواب على القانون رأى تجمعات العاملين فى الحكومة والنقابات العمالية، ولم تنبع من دراسات متعمقة متخصصة، ولم تقم مراكز البحوث المختصة ولا الأحزاب والتجمعات السياسية النشطة فى الساحة بمثل هذه الدراسات. وربما كانت ضخامة عدد القوانين المطلوب النظر فيها خلال جلسات الانعقاد الأولى لمجلس النواب من عوامل التشتيت، فكان الرفض هو البديل الأقرب والأيسر، وأيضا لقوة رصيد الاعتراضات التى سبق أن أثيرت حول القانون واللائحة التنفيذية له، دون أدنى استجابة من الوزير المختص والحكومة ككل عبر مايزيد على العام. فجاء الرفض بمثابة رفض للمنهج الذى اتبعته الحكومة فى إعداد القانون والتعجل فى إصداره دون مشاركة مجتمعية ودون إسهام من المتأثرين به. أغلب ما جاء فى هذه الاعتراضات يتعلق بالمزايا والحقوق المكتسبة للعاملين من رواتب وعلاوات واجازات، وكذلك عدالة المعاملة وعدالة الأجور فى ظل التضخم المزمن فى الأسعار التى فشلت الحكومات المتعاقبة عبر عقود أربعة فى السيطرة عليه. ولأن القانون لم يحتو على مزايا قوية للعاملين واحتوى على انتقاص من المزايا القائمة فقد سهل هذا أن تكال له الضربات والانتقادات التى أودت به فى النهاية. لم تكن اعتبارات الكفاءة والامتحانات المركزية ونظام التقييم الجديد للأداء والتصحيح الجزئى لهيكل الأجور (الذى اقترن فى نفس الوقت باختلالات بالغة مستحدثة) بقادر على إقناع المعترضون على القانون بمزاياه المفترضة التى لم يستطع هؤلاء المعترضون أن يروها أبدا.



ثانيا: تقييم موضوعى لمبادرة إصلاح الخدمة المدنية



2-1 الإيجابيات التى أتى بها القانون واللائحة التنفيذية: يمكن القول بأن الإطار القانونى (القانون واللائحة التنفيذية) للخدمة المدنية اشتمل على مجموعة من التطويرات ينبغى أن تحسب له، لعل أهمها جعل التعيين فى الوظائف بمسابقات وامتحانات موضوعية، وإخضاع وظائف الإدارة العليا والتنفيذية لنظام تنافسى وتعاقدي، واستحداث وظيفة وكيل الوزارة الدائم (التى نص عليها أيضا الدستور)، وتبسيط هيكل الدرجات والأجور والمجموعات الوظيفية، حيث تم تحديدها فى أربع (التخصصية، والفنية، والكتابية، والحرفية والخدمة المعاونة)، والتأكيد على الجدارة Merit فى نظام التعيين ومعايير الترقى مع محاولة القضاء على فوضى وتشتت مكونات الأجور من خلالها دمج عناصرها وتوحيدها فى مكونين (الأجر الوظيفي، الأجر المكمل)، ومحاولة إدخال نظام حديث لتقييم الأداء تشارك فيه كل الأطراف المعنية ذات العلاقة، وفتح الفرصة للتعاقد المبكر مع ضم مدة الخدمة الباقية وفق شروط. وما من شك أن هذه الجوانب وغيرها تحمل توجها تطويريا وتمثل محاولة للإصلاح. لكن لأن التركيز كان على النصوص القانونية أكثر من المضامين الخاصة بالتوجهات الإستراتيجية والأهداف والسياسات والمعايير وكذلك أهمية الاتساق بين النصوص المختلفة وضرورة التصدى الاستراتيجى للمشكلات القائمة، فقد احتوى الإطار القانونى على تناقضات وفجوات كبرى (كما سيتضح فى التحليل اللاحق) كفيلة بتفريغ العناصر التطويرية المستحدثة من أثرها وفاعليتها.



2-2 القانون مجرد جزء من نظام الخدمة المدنية: ينبغى التمييز هنا ابتداء بين قانون الخدمة المدنية واللائحة التنفيذية له من ناحية، وبين نظام الخدمة المدنية المطلوب تطويره من ناحية أخرى. ولا ينبغى أن يختزل نظام الخدمة المدنية فى الإطار القانونى واللائحى له. وليس من الملائم، ومصر بصدد إجراء إصلاح جوهرى للنظم الحكومية بعد ثورتين؛ أن يقتصر الأمر على التعديلات التشريعية المطلوب إدخالها. فنظام الخدمة المدنية، رغم أهمية وجود إطار قانونى له، يحتوى فى المفهوم المعاصر للدول التى حققت نجاحا فى هذا المضمار على عناصر عديدة منها الأهداف والاستراتيجيات والمباديء والأولويات والسياسات والمعايير الموجهة والحاكمة لعمل الخدمة المدنية التى تغطى الأبعاد والجوانب الرئيسية فى النظام وتتضمن أيضا مؤشرات وآليات وأدلة إرشادية تمكن من توجيه الممارسات والقرارات الخاصة بالخدمة المدنية فى مستوياتها الوظيفية المختلفة وقطاعات العمل الحكومى وتشتمل على مؤشرات تقييم فاعلية النظام ونتائجه بصورة دورية، وتمكن أيضا من التعرف المبكر على جوانب الخلل فيه لعلاجها وإصلاحها قبل أن تتراكم وتتفاقم. لقد اكتفت مبادرة القانون الجديد واللائحة التنفيذية المقترحة بالنصوص القانونية، وأهملت العناصر الأخرى للنظام، التى لا تقل أهميتها عن هذه النصوص بل وقد تفوقها. وفضلا عن هذا، فالنصوص القانونية عادة ما تكون جامدة ومقيدة، أما العناصر المشار إليها فغالبا ما تقدم فى صورة وثائق توجيهية وأدلة عمل، وهى تخضع للمراجعة والتنقيح والتطوير بصفة دورية. ولا ينبغى أن توضع مضامين هذه الوثائق والأدلة فى نصوص قانونية جامدة، لتوفير المرونة ولتغطية مختلف الجوانب بصورة يسهل توصيلها، وكذلك حتى يمكن التحديث والتطوير المستمر لها.



2-3 غياب الاتجاهات المعاصرة للإدارة الحكومية: لا يمكن تطوير نظام الخدمة المدنية إذا بقى نظام الإدارة الحكومية على أوضاعه الحالية من الجمود والبيروقراطية العقيمة والترهل وانعدام الكفاءة وفقدان التوجه بالأهداف والنتائج وضعف المساءلة وغيبة الشفافية وتغلغل وانتشار الفساد. فلن تنجح محاولة بناء نظام موحد عام وشامل للخدمة المدنية (مثلما حاول القانون) فى غيبة تطوير شامل ومستحق لنظام الإدارة الحكومية ككل. فقانون الخدمة المدنية الأخير لا يحقق الانجاز ولا يسهم فى تطوير الأداء مهما احتوت القواعد القانونية واللائحية من نصوص، وإنما يكرس ويؤدى إلى جمود ونمطية وبيروقراطية وإجرائية شكلية عقيمة تعزز ما تعانى منها المنظمات الحكومية منذ عقود طويلة، وقد أدت إلى انهيار كفاءة وتحوصل هذه المنظمات داخل منظومة التشريعات واللوائح التفصيلية النمطية. النظم والنصوص القانونية لا تضمن ولا تصنع كفاءة أو فاعلية أو إبداعا، وإنما يصنعها القيادات والبشر إذا أحسن إدارتهم من خلال الأهداف والمهام المسندة إليهم، ومن خلال منحهم السلطات الكافية وتمكينهم من تحقيقها ومساءلتهم عنها وتحفيزهم إيجابا أو سلبا عن انجازهم لها. لقد تحولت نظم الإدارة الحكومية، ومنها نظم الخدمة المدنية، فى العالم عن الإدارة بالقوانين التفصيلية واللوائح النمطية (الإدارة البيروقراطية) إلى نظم جديدة تقوم على التوجه الاستراتيجى والتنافسية والسعى للتطوير المستمر، وعلى توطين السلطات والصلاحيات لدى المستويات التنفيذية، والإدارة المستندة إلى النتائج وتفعيل دورها فى التحفيز ومبادراتها فى التطوير والتحسين والإبداع، وتنشيط دور الأطراف الداخلية والخارجية فى المساءلة والرقابة، والاستناد إلى مؤشرات اقتصادية (التكلفة ذ الإيرادات ذ المنافع ذ التحسين والتطوير) فى توجيه عمل الوحدات الحكومية وتقييم أدائها ومساءلتها. وقد شكلت هذه الاتجاهات اتجاها ناميا ومستقرا فى العالم تحت مسمى «النظام الجديد لإدارة أعمال الحكومة New Public Managemen» الذى يقتبس الكثير من خصائص النظم الإدارية المتطورة فى القطاع الخاص.



2-4 غياب التوجه الاستراتيجى فى إدارة العنصر البشري: لا تأخذ نظم الخدمة المدنية فقط بتوجهات نظام إدارة أعمال الحكومة الجديد بديلا عن الإدارة بالقوانين والقواعد والإجراءات اللائحية، وإنما أيضا بنظم وسياسات جديدة للإدارة الإستراتيجية للموارد البشرية Strategic Human Resources Management، يتم فيها اعتبار الموارد البشرية شريكا استراتيجيا فاعلا فى صياغة وتنفيذ استراتيجيات المنظمات وتحقيق أهدافها، وبحيث يتم تنمية الكفاءات المحورية Core Competences اللازمة لهذا، واكتشاف وإدارة المواهب البشرية (خارج المسارات التقليدية) وتنمية وإدارة الأداء (تخطيطا وتنفيذا ومتابعة وتقييما وتحفيزا)، وإدارة التحول فى الثقافة المؤسسية لدعم التوجه الاستراتيجي، وإدارة الإبداع والابتكار، وإدارة وتنمية المعرفة والتعلم المؤسسى فى كل المستويات، كما يتضمن نظام القيادات وتفعيل دورها، وتنمية وتعزيز النزاهة وغير ذلك. هذه المفاهيم والاتجاهات الجديدة ليست أفكارا نظرية بعيدة عن التطبيق، فهناك عدد متزايد من الدول مثل كندا والولايات المتحدة والدول الاسكندنافية ونيوزيلندا وسنغافورة واليابان وماليزيا، ومن المنطقة العربية دبي، لديها نظم وسياسات للخدمة المدنية تشتمل على هذه الاتجاهات الجديدة. فقد وعت هذه الدول أن إحداث نقلة نوعية كبرى فى أداء المؤسسات الحكومية يتطلب تفعيل الدور الاستراتيجى للموارد البشرية فى هذا الأداء، مما يتطلب نوعية جديدة من النظم والسياسات المتعلقة بهذه الموارد. ومن الواضح أن النصوص التفصيلية الجامدة تمثل قيدا قاطعا ومعيقا للأخذ بهذه التوجهات الإستراتيجية الجديدة فى الإدارة الحكومية بشكل عام، أو إدارة الموارد البشرية على وجه الخصوص. ولا ينبغى الرد على هذا بذكر أن القانون ولائحته التنفيذية قد اشتمل على بعض عناصر التطوير، فالمسألة تتعلق بفلسفة ومنهج إدارة الموارد البشرية وبضرورة أن يكون نظامها وسياساتها وممارساتها منفتحة على التطورات العالمية الجديدة، بحيث تكون مستقبلا جيدا لها على نحو دائم ومستمر، ولا تكون حبيسة نصوص قانونية تفصيلية وجامدة. هناك أيضا ضرورة لتحرير نظام الخدمة المدنية والقانون المتعلق به من النصوص التى تتعلق بأساليب وطرق تتطور مع تطور نظم وسياسات وممارسات إدارة الموارد البشرية (مثل النص على مستويات تقييم نمطية معممة للأداء (متميز، كفؤ، فوق المتوسط، ...إلخ) ، أو على ضرورة الالتزام بمنحنى التوزيع الطبيعي، حيث يولد مشكلات لا حصر لها، أو على الضوابط الخاصة بتقييم الأداء (مادة 83 من اللا ئحة التنفيذية) التى لا تزيد على كونها عبارات إنشائية لا توفر ضمانة لتحقيقها، أو على الإسراف فى قواعد المساءلة التأديبية التى استغرقت بابا (الباب السابع من القانون واللائحة التنفيذية) بأكمله حيث احتوى على 12 مادة. وخلاصة القول، يمكن أن يحتوى القانون واللائحة التنفيذية على مبادئ وأطر عامة، بحيث تترك السياسات والنظم التنفيذية للوزارات والوحدات الحكومية بما يتلاءم مع ظروفها، وبحيث تساءل فى النهاية عن مؤشرات ونتائج تتعلق بفاعلية وكفاءة إدارة الموارد البشرية لديها.



2-5 تكريس المركزية: هناك ضعف بالغ فى القانون ولائحته التنفيذية فيما يتعلق بتمكين المستويات الأدنى وتحملها لمسئولياتها فى اتخاذ القرارات الوظيفية وفى التحفيز وإدارة الأداء والتنمية والتدريب وإدارة المواهب والجزاءات واتخاذ القرارات الوظيفية المختلفة التى تسهم فى تعظيم الأداء المؤسسى لوحدات الجهاز الإداري. فليس مقبولا أو معقولا مثلا أن يتم النص مثلا على أن رئيس الجمهورية أو من يفوضه يعين الموظفين (مادة 13) أو أن رئيس مجلس الوزراء يضع نظام الحوافز والبدلات والمقابل الإضافى (مادة 40)، ويقرر نقل موظفى الإدارة العليا (مادة 31)، ويعين ذوى الخبرات من التخصصات النادرة (مادة 18)؛ أو أن الإعلان عن الوظائف الشاغرة وعقد الامتحانات يتم مركزيا من خلال الجهاز المركزى للتنظيم والإدارة (مادة 13). فليست المركزية ضمانة لتحقيق موضوعية النظم والقرارات وحمايتها من الأهواء والفساد، وإنما الضمانة تكمن فى إخضاع هذه النظم والقرارات وكذلك الأداء المؤسسى للوزارات والوحدات لنظام المساءلة يقوم على الشفافية والمحاسبة عن النتائج، ويقوم كذلك على تمكين الأطراف ذات العلاقة سواء كانت أجهزة رقابية أو أطرافا متأثرة بهذه النظم والقرارات من التقييم والمراجعة الدورية لها. لا يعنى هذا بالضرورة أن يكون للوزارات والوحدات حريات مطلقة فى وضع النظم والقرارات المشار إليها، وإنما تكون هذه الحريات فى إطار قواعد عامة تضمن العدالة والتناسق عبر قطاعات ووحدات الجهاز الحكومي، لكن تتيح هامشا مناسبا من المرونة يمكن من تكييف النظم والقرارات المتعلقة بالموارد البشرية بما يناسب ظروف عمل وطموحات هذه القطاعات والوحدات. وفضلا عن هذا، فالاتجاه نحو اللامركزية فى نظم الخدمة المدنية يمثل اتجاها عالميا، وإحدى ركائز تمكين هذه النظم من أن تكون قادرة على التعلم والتكيف مع الظروف ومتطلبات الواقع الذى تطبق فيه، لذلك ينبغى أن يبدأ إصلاح النظام المصرى من حيث انتهى وليس من حيث بدأ الآخرون.



2-6 قصور التعامل مع التضخم الوظيفي: هناك تضخم كبير فى العمالة الحكومية، لكن هذا التضخم يعود لإخفاق سياسات التنمية فى تحفيز خلق فرص عمل فى القطاع الخاص. ولا ينبغى أن تتكرر الإشارة إلى هذا التضخم وكأن العاملين فى الحكومة مسئولون عنه، بينما هو نتاج لقصور فى السياسات الحكومية. وقد تضمن القانون علاجات جزئية للتضخم الوظيفى مثل فتح الفرص للتقاعد المبكر مع احتساب مدة الخدمة الباقية والحصول على ترقية إضافية إذا تم التقاعد فى سن 55، كما تضمن فتح باب الإعارات خارج الجهاز بشروط ميسرة. ويمثل المعاش المبكر، وتقليص حجم العمالة بوسائل لا تراعى الظروف السياسية والمجتمعية فى بلد مر مؤخرا بثورتين؛ حلولا قاصرة وغير مبدعة. وهناك حاجة إلى حلول غير تقليدية تحقق المطلوب فى تقليص العمالة بنسب معقولة عبر برنامج يمتد لفترة 4 أو 5 سنوات، وفى نفس الوقت تراعى الظروف الاجتماعية للعاملين. لكن هذا يتطلب فى كل الحالات قياس وتحليل احتياجات الجهات المختلفة من العمالة وتحديد الفائض والعجز لديها، وقيامها بتخطيط كيفية التعامل مع هذا الفائض أو العجز. ومن الغريب أن هذه الوسائل البسيطة فى إدارة الموارد البشرية لا تباشرها الجهات الحكومية بأى صورة، رغم وجود جهاز متخصص فى معاونة هذه الجهات فى هذا الشأن، هو الجهاز المركزى للتنظيم والإدارة. ويمكن أن يشتمل برنامج معالجة الفائض أو التضخم الوظيفى على تجميد التعيين فى الوظائف والجهات التى تعانيه، وعلى نقل وإعادة تأهيل جزء من العمالة الفائضة إلى الوظائف والجهات التى تعانى عجزا. ويمكن أن يشتمل البرنامج على مبادرات لمشروعات صغيرة ومتناهية الصغر تتلقى دعما ماليا وفنيا وتسويقيا من الدولة لاستيعاب بعض العمالة الفائضة بعد إعادة تأهيلها، وعلى حوافز للمستثمرين والقطاع الخاص لاستيعاب تلك العمالة، وعلى توجه المشروعات القومية الكبرى فى نفس الاتجاه. كما يمكن أن تشتمل أيضا على تشجيع العمل جزء من الوقت Part Time (وقد تضمن القانون بعضا من هذا لكن بشروط غير مشجعة أو ميسرة)، وعلى فتح الهياكل الوظيفية لإمكان الخروج منها ثم العودة إليها إذا دعت الحاجة ووفق شروط معينة (قامت البرازيل بهذا الإجراء فى إصلاح الخدمة المدنية ضمن سياسات وإجراءات أخرى) لتوفير قدر من الأمان ترتبط بهذا الاختيار. وفضلا عن هذا يمكن للوزارات والوحدات الحكومية أن تتبنى مبادرات ومشروعات وحاضنات أعمال يتوفر لها الدعم اللازم لنجاحها ونموها كمشروعات أعمال لامتصاص العمالة الزائدة. هذه مجرد أمثلة لمبادرات غير تقليدية تستهدف امتصاص العمالة الزائدة بصورة متدرجة وعلى أساس اختيارى يقوم على الترغيب والتحفيز، ووفق مخطط وبرنامج مدروس.



2-7 الاختلالات الكبرى فى هيكل الأجور والحوافز: يحتوى هيكل الأجور الجديد بشقيه الوظيفى والمكمل على عيوب وتناقضات كبرى تفقده دوره فى توفير الرضا الوظيفي، وتحفيز الأداء، وتحقيق الشعور بالعدالة، وتقوية النزاهة وإضعاف نزعات الفساد: (أ) يوفر هيكل الأجور رفعا جوهريا لمجموعة الوظائف الحرفية والمعاونة فى الدرجات الدنيا لهذه المجموعة، لكنه يحتوى على تخفيض كبير للأجر النقدى الإجمالى (بمسمياته المختلفة) الذى يتسلمه الموظف حاليا فى المجموعات والدرجات الأخرى. وسيسبب هذا التخفيض للعاملين الجدد، مع الأخذ فى الاعتبار ارتفاع تكلفة المعيشة (بفعل تضخم الأسعار)، شعورا بالضغوط الحياتية وعدم الاستقرار مما يؤثر سلبا على الرضا الوظيفى خاصة فيما يتعلق بالشق المالى لعلاقة الموظف بالحكومة؛ (ب) لا يوفر الأجر الوظيفى والمكمل، والعلاوات المختلفة (الدورية السنوية 5%، والتشجيعية 2.5% وتقرر بشروط وقيود صعبة، وعلاوة التميز العلمى وهى 2.5%) قوة الحفز الكافية لتشجيع الكفاءة والتطوير والأداء المتميز، ولا ينبغى انتظار ما يوفره النظام المركزى لحوافز الأداء والمقابل والمزايا الوظيفية والبدلات الذى يصدر بها قرار رئيس مجلس الوزراء لتعويض القصور الشديد فى العناصر السابقة؛ (ج) لا يحقق الهيكل العدالة الأجرية الداخلية (بين الوظائف) أو الخارجية (بالمقارنة بالأجور السائدة فى سوق العمل لما يناظر كل نوعية ومستوى من الوظائف)، فليس من المنطقى أو من العدالة مثلا أن تكون بدايات المجموعات الوظيفية الأربع متقاربة فى الأجور بينما هناك تفاوت هائل فى متطلبات التأهيل والخبرة والمهارة (بداية الوظائف الحرفية والخدمات المعاونة 835 جنيها، والكتابية والفنية 845، والتخصصية 880)، أو أن تكون نسبة بداية أدنى الوظائف (835 جنيها للحرفية والمعاونة) إلى بداية أعلاها وهى الممتازة (2065 جنيها للدرجة الممتازة فى الوظائف التخصصية) هى 1 : 2.5 تقريبا، وهى بعيدة كثيرا عن النسبة العالمية (1 : 7). ولا يعنى تقارب مستويات الأجور أو المساواة فيها تحقيق العدالة، بل هو على العكس تماما (عدم العدالة) إذا كانت لا تتناسب مع الفروق الهائلة فى المسئوليات والأعباء ومتطلبات التأهيل والخبرة بين هذه الوظائف. وفضلا عن هذا، يعانى الهيكل ضعف العدالة الخارجية بالنسبة لأغلب الوظائف فى المجموعات الوظيفية الأربع، حيث لا يواكب بالمرة مستويات الأجور السائدة فى القطاع الخاص لاسيما بالنسبة للمستويات الوظيفية الوسطى والعليا فى هذه المجموعات (قارن مثلا بين أجر الدرجة الممتازة وهى وكيل أول الوزارة التى تمثل أعلى مستوى وظيفى وأجرى فى الخدمة المدنية وهو 2065 جنيها بنظائر هذه الوظائف من حيث المسئولية والأعباء والخبرة فى القطاع الخاص، أو مع ما يحصل عليه حاليا كإجمالى أجر نقدي؛ أو قارن بينه وبين أجر الوزير وهو الذى يعلوه مباشرة وإن كان خارج هيكل الخدمة المدنية)؛ (د) لا يوفر الأجر ومكملاته وحوافزه على النحو السابق الإشارة إليه حد النزاهة، أى توفير المناعة ضد مغريات الفساد لمختلف المستويات الوظيفية، حيث تزداد هشاشة هذا الأجر أمام مغريات الفساد والحاجة للانخراط فيه كلما ارتفع المستوى الوظيفي. فالمستويات الدنيا والوسطى ستدفعها الحاجة للانخراط فى ممارسات الفساد لتكملة النقص فى الدخل من الوظيفة، والمستويات الأعلى ستتضافر الحاجة مع زيادة المغريات والفرص فى الانخراط فى الفساد بحكم ارتفاع حجم ونطاق السلطة والصلاحية التى تباشرها هذه المستويات وأهمية القرارات التى تتخذها؛ (ه) سيكون من الصعب بمكان والأوضاع الأجرية هكذا أن يتمكن الجهاز الحكومى من اجتذاب ذوى الكفاءات العالية ناهيك عن تحفيزهم والاحتفاظ بهم. ما سبق يمثل تحليلا يتجاوز ما يهتم به الاقتصاديون الذين يرون فى خفض رقم الأجور فى الموازنة هدفا يجُب الاعتبارات السابق الإشارة إليها، لذلك قد يحقق خفض الرقم أهدافا اقتصادية، لكنه إذا تم بطريقة مبتسرة وغير مدروسة وغير ممنهجة (مثل الحالة المصرية الراهنة) فسيؤدى إلى عواقب وخيمة على كفاءة الجهاز الحكومى ليس فقط فى الأمد القصير، وإنما فى الأمد المتوسط والبعيد، ناهيك عن التوابع الاجتماعية والسياسية الناجمة عن عدم العدالة، وعن الآثار على الفساد الذى يمثل مشكلة متفاقمة أصلا؛ (و) لم يشتمل القانون على نص يلزم الحكومة بالحد الأدنى للأجور، رغم أن رئيس الجمهورية صرح بهذا الالتزام فى العديد من خطاباته. وينبغى أن يكون هذا الالتزام فى صلب القانون، بحيث يترجم فى جدول الأجور الملحق والأجر المكمل. ويعنى الالتزام بالحد الأدنى أن يطبق هذا على بدايات الوظائف غير ذات المهارة (الخدمة المعاونة)، بحيث تزيد الرواتب على هذا الحد بقدر ما تتطلب من تأهيل ومهارات، وبقدر ما تتضمن مسئوليات وأعباء.



2-8 هياكل وظيفية مغلقة وتضييق دور الكفاءة فى الترقيات: هناك أخطاء بالغة أخرى فى القانون الجديد فى جعل الهياكل الوظيفية مغلقة (اشتراط التعيين فى أدنى الوظائف فى كل مجموعة ذ مادة 27 من اللائحة التنفيذية)، وجعل الترقية فى مجموعات الوظائف الكتابية والفنية والحرفية والخدمة المعاونة وجزء من الوظائف التخصصية يقوم على الأقدمية (مادة 29 من القانون). ويمثل هذا تراجعا عن نسب الترقية بالاختيار (استنادا للجدارة والكفاءة) التى كانت سائدة وفقا للقانون القديم فى كل مجموعات الوظائف. ويمثل هذا إغلاق الفرصة أمام ذوى المواهب والكفاءات، وجعل الهيكل الوظيفى جامدا غير قابل للتطعيم بهذه العناصر الموجودة خارجيا أو داخل هياكل التوظف، وبالتالى جعله طاردا لهذه العناصر المتميزة.



2-9 قصور التعامل مع الفساد الإدارى: لم يتضمن القانون نصوصا وافية تعالج وتحجم وتقتلع وتتصدى لممارسات الفساد الإدارى التى استفحلت وتغلغلت فى كل قطاعات ومستويات العمل الحكومي، واقتصر الأمر على القسم الذى يؤديه موظفى الإدارة العليا (مادة 16)، وعلى عدم جواز أن يعمل موظف تحت الرئاسة المباشرة لأحد أقاربه من الدرجة الأولى (مادة 24)، والنص على التزام الموظف بمدونات السلوك وأخلاقيات الخدمة المدنية الصادرة من الوزير المختص (مادة 54). فلم يحدد القانون أفعال الفساد والعقوبات المقابلة لها، ولم يضع قواعد للحد من تعارض المصالح، ولم يضع سياسات لتعزيز النزاهة فى ممارسات وأداء الوظيفة العامة. وعلى العكس، يمكن القول إن هيكل الأجور المجحف والمختل الذى تضمنه القانون، وعدم محاباته وتشجيعه لذوى الكفاءات والنزاهة، سيكون عاملا لاستمرار ممارسات الفساد بل وتفاقمها.



2-10 الجمود وفقدان المرونة وغلبة النزعة العقابية: يميل القانون واللائحة التنفيذية فى أغلب المواد إلى التفصيل الشديد بما يؤدى إلى الجمود وعدم المرونة، وبما يغلق الباب أمام أى سياسات ومبادرات تطويرية من قبل الوزارات والوحدات. وهناك تركيز على السلوك السلبى والنزعة العقابية فى الكثير من مواد القانون واللائحة التنفيذية خاصة مواد السلوك والتأديب وهى 12 مادة احتواها الباب السابع إذا ما قورنت بالمواد التى تحث على الإجادة والكفاءة والالتزام والنزاهة، والتى تتعلق بتحفيز وإثابة السلوك والأداء الايجابي، ويعكس هذا منحى مغايرا للاتجاهات الحديثة فى إدارة الموارد البشرية.



2-11 الإخفاق فى إدارة الإصلاح وكسب قبول الأطراف المعنية: أكبر وأعظم الأخطاء التى وقعت فيها مبادرة القانون واللائحة التنفيذية هى الإخفاق فى إدارة الإصلاح والإسهام فى إشعال قوى الرفض والمقاومة لهذه المبادرة. وقد اعتبرت قيادات المبادرة وعلى رأسها الوزير المختص أن الحصول على قبول وتأييد رئيس الدولة والحكومة كاف لتمرير هذه المبادرة. وقد ظل مشروع القانون محاطا بالسرية ولم يتم تداوله ولم يتح عن مضامينه سوى القليل إلى أن صدر فى عجالة قبيل انعقاد المؤتمر الاقتصادى فى مارس الماضي. وتم بذلك فرض المبادرة من أعلى وبمنهج سلطوى غير ديموقراطي، ولم يفطن المسئولون عن القانون أن مثل هذا المنهج يتعارض ويتصادم مع حقيقة أن مصر قامت فيها أخيرا ثورتان ضد هذا المنهج فى إدارة شئون الدولة والمجتمع. وبدلا من التعامل مع الآراء والأصوات التى تصاعدت ضد القانون وبعده اللائحة التنفيذية من قبل تجمعات العاملين فى الحكومة وقياداتهم ونقاباتهم وكذلك من قبل خبراء غير حكوميين وقيادات رأي، تم الدفاع باستماتة وإصرار غير عادى وكأن الأمر متعلق بكرامة الحكومة وليس بمصير 6.4 مليون موظف يبلغ عددهم وأسرهم ما يقارب ثلث عدد سكان مصر. لم تدر عملية التغيير والإصلاح بمنهج ينطلق من المباديء البسيطة لعلم إدارة التغيير، فلم تحلل بتعمق المشكلات والفجوات الراهنة، ولا تحددت الأهداف الاستراتيجية للإصلاح وأولوياته، ولا تمت دراسة خبرات الدول والاتجاهات العالمية بعناية لتحديد أوجه الاستفادة منها، ولا تحدد منهج ومراحل للإصلاح، ولا تم إشراك القوى والأطراف المعنية بما فى ذلك الخبراء غير الحكوميين مشاركة حقيقية، ولا تمت محاولة كسب تأييد جموع المتأثرين بالقانون حيث لم يتضمن القانون مزايا قوية وواضحة لهم تبرر قبول السلبيات التى تصيبهم من جراء تطبيقه، فأديرت معركة تمرير القانون لكسب تأييد السلطات الأعلى وليس الدوائر الأوسع للأطراف المعنية به. ويعتبر سقوط القانون بمنزلة سقوط للمنهج السلطوى والفرض من أعلى، وهو يعطى درسا بليغا فى ضرورة مراجعة المنهج الذى ثارت ضده جماهير المصريين مرتين خلال السنوات الخمس الماضية.



ثالثا: مقترحات تطويرية



تستند المقترحات التطويرية المقدمة هنا إلى التحليل والتقييم الوارد فى زثانياس وإلى الاعتبارات المتعلقة بالجدل الذى أثير حول القانون. وهناك مخرج أو علاج للتعامل مع الأوضاع الناجمة عن رفض القانون وإلغائه فى هذا الخصوص. ويتمثل هذا المخرج فى العودة للقانون القديم لفترة مؤقته، وذلك تمهيدا لإعداد دراسات شاملة تتم تحت إشراف مجلس النواب يتمخض عنها نظام جديد متطور للإدارة الحكومية أخذا بالاتجاهات الحديثة، يشتق منه نظام شامل ومتطور للخدمة المدنية يتعامل مع المشكلات والفجوات الراهنة فى النظام الحكومي، ويأخذ بالخبرات والاتجاهات العالمية فى هذا الخصوص، ويعتمد على مشاركة الجهات النقابية ومنظمات المجتمع المدنى الأخرى وذوى الخبرة المتميزة فى نظم الإدارة الحكومية والخدمة المدنية. وينبغى أن تصب هذه الجهود فى إعداد وثيقة عامة لركائز نظام الإدارة الحكومية الجديد ولنظام وسياسات ومعايير الخدمة المدنية تتضمن إصلاحا حقيقيا يصب فى علاج المشكلات الراهنة استفادة من الخبرات العالمية المتميزة. وهناك ضرورة لأن تقلص نصوص القانون واللائحة التنفيذية لتكون وثيقة واحدة ولتمثل إطارا عاما يتيح مرونة للوزارات والوحدات، ضمن عناصر أخرى لهذا النظام والسياسات والمعايير المكملة له التى تصدر فى صورة وثائق وأدلة إرشادية لاحقا ليكتمل بها النظام الجديد. وبالتالى تكون هناك مرحلة انتقالية لمدة 6 إلى 8 أشهر، يمكن فى نهايتها إصدار القانون الجديد وعناصر النظام المكملة له (النظم والسياسات والمعايير والأدلة الإرشادية) بتوجهات إستراتيجية تطويرية جديدة. وسيتطلب الأمر برنامجا للتهيئة والإعداد لإدخال النظام الجديد ومراحل متدرجة لتطبيقه يعززها تدريب القائمين على تنفيذه وبناء القدرات المؤسسية اللازمة للتوجهات والسياسات الجديدة.



وفى كل الحالات ينبغى معالجة المشكلات والفجوات والإشكاليات الكبرى التى تم تحليلها فى «ثانيا» من هذه الدراسة، حتى يمكن لمبادرة إصلاح الخدمة المدنية أن تؤتى ثمارها المرجوة فى رفع كفاءة الجهاز الحكومى وتقوية نزاهة ممارساته وتحسين إسهامه فى التنمية. وتتلخص العلاجات المقترحة في:



> التركيز فى الإصلاح على الجوانب الإستراتيجية العامة، وتضمينها فى سياسات ومعايير، مع تخفيف الكثافة التشريعية فى القانون لتوفير المرونة اللازمة مع إسناد أهداف تطويرية للوزارات والوحدات تمثل نتائج قابلة للقياس ومحاسبتها عنها.



> تخفيف المركزية ومنح الوزارات والوحدات صلاحيات أوسع وفق ضوابط عامة، مع التحول فى إدارة الموارد البشرية إلى التوجه الاستراتيجي، والاتجاهات الحديثة الموجهة بالأهداف والمستندة إلى النتائج. ويعنى هذا وجود نظم ومعايير لقياس الأداء المؤسسى ومساءلة الجهات الحكومية عنه، فضلا عن مؤشرات الكفاءة والإنتاجية والتطوير والرضا الوظيفى للعنصر البشرى تقوم به جهات مهنية متخصصة ومحايدة (قد يمثل هذا دورا جديدا للجهاز المركزى للتنظيم والإدارة الحالى الذى ينبغى تغيير مسماه وإعادة هيكلته).



> وضع مخطط متدرج لفترة 4 إلى 5 سنوات يعالج التضخم والترهل الوظيفى الحالي، يستهدف الوصول بحجم التوظف فى نهاية هذه الفترة إلى 4 ملايين موظف، ليصل معدل الوظائف إلى السكان موظف واحد إلى 30 مواطنا بدلا من المعدل الحالى المختل (1 إلى 13 مواطنا)، وبحيث يوازن بين الاعتبارات الاقتصادية والاعتبارات الاجتماعية، ويقوم على مبادرات وحلول مبدعة غير تقليدية تتجاوز نظام التقاعد المبكر على النحو المشار إليه فى هذه الدراسة.



> وضع هيكل أجور وحوافز متوازن وجاذب ومحفز للكفاءات، يعالج اختلالات تشوهات الهيكل الحالي، ويعالج أيضا المشكلات وجوانب القصور فى القانون الجديد التى تم الإشارة إليها فى (4) من زثانياس. وهناك حاجة لأن يحقق نظام الأجور التناسق والعدالة الداخلية بين مستويات ونوعيات الوظائف من ناحية، ويتدرج فى تقليص فجوة العدالة الخارجية (مع مستويات الأجور السائدة فى سوق العمل) عبر مراحل تغطى فترة 4 إلى 5 سنوات، وبحيث تتوازن مع التقدم المحرز فى علاج التضخم الوظيفى (بحيث تذهب الوفورات لدعم الأجور). ويشترط لتحقيق هذا أن يتم إدخال إصلاحات جوهرية فى نظام الموازنة العامة لترشيد الإنفاق والقضاء على الهدر ولزيادة إيرادات الموازنة، بحيث تذهب بعض هذه الوفورات لإدخال تحسينات جوهرية على الأجور، ليصبح الأجر داعما للكفاءة والعدالة والنزاهة ومانعا للفساد.



> فتح الهياكل الوظيفية لإمكانية تطعيمها بعناصر خارجية فى مختلف المستويات، مع النظر فى إمكانية الدخول والخروج من الهيكل (مثلما فعلت البرازيل)، وكذلك تطعيم المستويات الوظيفية فى مختلف المجموعات الوظيفية بنسب للترقية بالاختيار وفق ضوابط ترتبط بالجدارة والكفاءة، وأيضا توفير فرص لمسارات ترقية متسارعة لذوى المواهب والكفاءات المتميزة.



> وضع نظام وسياسات متكاملة (ضمن وثائق الاستراتيجيات والسياسات) لاكتشاف العناصر القيادية، وإعدادها وتنمية قدراتها، وتحفيزها، وتنمية مساراتها الوظيفية. وسيتطلب هذا إعادة هيكلة شاملة لمراكز إعداد القادة للقطاع الحكومى لتدار بنظم معاصرة ولكى تكون داعمة للنظام الجديد للقيادات. وينبغى أن تولى سياسات الإصلاح اهتماما كبيرا للدور للذى تلعبه القيادات فى توجيه وتحفيز وتنمية العنصر البشرى والنهوض بسلوكياته وأدائه.



> ضرورة تضمين السياسات الجديدة للخدمة المدنية عناصر أوفى لتعزيز النزاهة ومعالجة والتصدى لمشكلات الفساد الإدارى من حيث تعريف وتحديد الأفعال التى تمثل وقائع فساد، وتحديد الجزاءات والعقوبات التى تقابلها، وكذلك السياسات المتعلقة بالشفافية وتشجيع الممارسات النزيهة ومنع تضارب المصالح وغير ذلك. ويمكن الاسترشاد هنا بخبرات الدول التى تمثل نظم الخدمة المدنية ومستويات النزاهة فيها نماذج مرجعية (مثل الدول الاسكندنافية وسنغافورة).



> الحاجة الملحة لإعادة هيكلة وبناء قدرات الأجهزة والكيانات التى تباشر أدوارا مهمة فى نظام الخدمة المدنية الجديد، وكذلك نظام الإدارة الحكومية المقترح الذى يأخذ بالاتجاهات المعاصرة. ومن هذه الكيانات ضرورة تخصيص منصب وزارى مستقل للإصلاح الإدارى يملك الصلاحية المناسبة (بدلا من إلحاق هذه المهمة بوزارة أخرى مثلما هو الحال فى الوضع الراهن)، وكذلك إعادة هيكلة الجهاز المركزى للتنظيم والإدارة الذى ينبغى أن يتغير مسماه إلى جهاز الخدمة المدنية، وأن يطور مركز أعداد القادة للجهاز الحكومى ليناظر المعاهد القومية فى الدول التى قطعت شوطا كبيرا فى تأهيل وتدريب وتنمية القيادات والكوادر العليا والمهنية فى الحكومة، مثل المدرسة الوطنية للإدارة فى فرنسا، والمعهد الوطنى للإدارة العامة فى ماليزيا INTAN. ويقترح أن يستحدث كيان جديد تكون مهمته تحديث وإعادة بناء وتطوير هيكل ومنظومة الإدارة الحكومية ككل، يكون تابعا مباشرة إما لرئيس الجمهورية أو لرئيس مجلس الوزراء (كبديل للمنصب الوزارى للإصلاح الإداري). يكمل هذا ضرورة إعادة هيكلة أدوار وأساليب عمل أجهزة الرقابة مثل الجهاز المركزى للمحاسبات وهيئة الرقابة الإدارية لتواكب التطويرات التى يتم إدخالها فى نظم العمل والإدارة الحكومية لتتحول من الإدارة بالقوانين واللوائح إلى التوجه بالأهداف والارتكاز إلى الأداء والنتائج.



> ضرورة أن توازن السياسات الجديدة ونصوص القانون بين النزعة العقابية لمواجهة السلوك السلبى وبين أهمية اعتبار وتقدير وتشجيع وإثابة السلوك الايجابى والمبادرات الخلاقة المبدعة.



> يحتاج الأمر إلى وضع معايير ومواصفات لبيئة وتجهيزات مكان العمل، بما فى ذلك القضاء المتدرج على التكدس البشرى والمكاني، تستهدف تحسين بيئة العمل وتطويرها لتوفير الحد الأدنى من الظروف الإنسانية اللازمة لراحة العاملين ولتمكينهم من أداء العمل بكفاءة. فبيئة وتجهيزات مكان العمل فى وضعها الحالى رديئة وغير إنسانية ومعيقة للأداء ولتحسين الخدمات الحكومية. ولا ينبغى الاهتمام بتوصيف واجبات ومهام الموظف، وإهمال الظروف المادية الإنسانية اللازمة لإنجاز هذه الواجبات والمهام. ليس هذا ترفا بل ضرورة لرفع معنوية وأداء وإنتاجية العاملين.



> أهمية أن يكون تشكيل صياغة ووضع السياسات الإصلاحية الجديدة فى نظام وسياسات للخدمة المدنية، بما فى ذلك القانون المكمل لها، يقوم على المشاركة والإسهام من مختلف الأطراف المعنية وعلى رأسها نقابات العاملين فى الحكومة وممثلون لتجمعاتهم، وكذلك منظمات المجتمع المدنى ذات العلاقة، وخبراء متخصصون متميزون ذوو خبرات دولية. وسيتطلب هذا نهجا مغايرا عما صار فى إعداد القانون الجديد يقوم على الشفافية والانفتاح لتلقى افكار ومقترحات. فهذه المشاركة هى الضمانة لشعور هذه الأطراف بامتلاك Ownership المبادرة الإصلاحية الجديدة، وبالتالى دعم ومساندة تطبيقها وليس مقاومتها أو الاعتراض عليها. لكن هذا لا يعفى من ضرورة تكثيف الجهود للاجتماع مع تجمعات العاملين وقياداتهم والاستماع إليهم والتعرف على مرئياتهم وتلقى مقترحاتهم وليس مجرد شرح وتقديم النظام والسياسات والقانون الجديد لهم.



> هناك ضرورة للعمل على إدخال إصلاحات مكملة للخدمة المدنية، حيث يتوقف عليها الكثير من عناصر الإصلاح فى هذا النظام. من هذه الإصلاحات تطوير نظام الموازنة العامة لتحقيق وفورات تمكن من تمويل الإصلاح المطلوب فى الأجور والحوافز والتدريب وتحسين بيئة العمل، ويدخل فيها ويشكل عمادها التحول إلى نظام موازنة الأداء والبرامج. ومنها أيضا ضرورة الإسراع بتطوير نظام الإدارة الحكومية (الذى يعتبر نظام الخدمة المدنية جزءا منه) للتحول إلى الإدارة الموجهة بالأهداف والاستراتيجيات والمستندة إلى النتائج والأخذ بالمنهج الجديد لإدارة أعمال الحكومة. سيتطلب الأمر أيضا إيقاف السيل المنهمر لدرجات الماجستير والدكتوراه الذى تمنحه (للأسف) مؤسسات تعليم عال حكومية لا تلتزم بأى معايير للجودة ولا تخضع لأى رقابة أو ضوابط، وكذلك لدرجات نظام التعليم المفتوح الذى تقدمه الجامعات الحكومية أيضا، والذى ينتج سنويا طوفانا من الخريجين ضعيفى التأهيل، حيث تحول فى السنوات العشر الأخيرة إلى آلية فجة لزيادة موارد الجامعات تقارب المتاجرة بالشهادات. هذه النظم فاقدة الجودة التى يلتحق بها فى الأغلب موظفون حكوميون، تتسبب فى مشكلات وضغوط على الجهاز الحكومى ظهرت جلية وتصاعدت خلال السنوات الأخيرة.

%d8%a7%d8%ad%d9%85%d8%af%20%d8%b5%d9%82%d8%b1%20%d8%b9%d8%a7%d8%b4%d9%88%d8%b1tif







لا يمكن تطوير نظام الخدمة المدنية إذا بقى نظام الإدارة الحكومية على أوضاعه الحالية من الجمود والبيروقراطية العقيمة والترهل وانعدام الكفاءة وفقدان التوجه بالأهداف والنتائج وضعف المساءلة وغيبة الشفافية وتغلغل وانتشار الفساد



يحتوى هيكل الأجور الجديد بشقيه الوظيفى والمكمل على عيوب وتناقضات كبرى تفقده دوره فى توفير الرضا الوظيفي، وتحفيز الأداء، وتحقيق الشعور بالعدالة، وتقوية النزاهة وإضعاف نزعات الفساد



أستاذ الإدارة الإستراتيجية والموارد البشرية ــ جامعة الإسكندرية



المدير العام الأسبق للمنظمة العربية للتنمية الإدارية