أحمد السيد النجار
محمد عبد الهادي علام
هوامش على دفتر «سد النهضة»
8 ديسمبر 2015
د. مصطفى الفقى


المياه هى الحياة، تلك قضية ثابتة ترتبط بالإنسان فى كل زمان ومكان، لذلك فإن أى تهديد يتصل من قريب أو بعيد بمسألة المياه هو تهديد مباشر للحياة، من هنا فإننا نرى أن موضوع «سد النهضة» يجب أن يتصدر أولويات العمل الوطنى المصرى وأن نحشد إلى جانبه كل الأشقاء والأصدقاء بل وكل المؤمنين بعدالة الحق المصرى بحصته المقررة من مياه «نهر النيل» ونحن لا نشكك فى الجهد المبذول من وزارتى الرى والخارجية فى هذا السياق والأجهزة المعاونة لهما من ذات الاتصال بقضايا الأمن القومى والمصالح العليا للبلاد، ولكننا نرى فى الوقت ذاته ورغم المتابعة المباشرة من الرئيس «السيسى» لمسار المباحثات إلا أنه قد أصبح واضحًا أن الأشقاء فى «إثيوبيا» يستهلكون الوقت للمضى قدمًا فى مشروعهم ويستغلون ظروف «مصر» الحالية ليحققوا ما لم يحققوه فى ظروفها الطبيعية، وليست «مصر» ولن تكون كيانًا خامدًا لا يملك المبادرة ولا يرعى المصالح العليا للبلاد، فذلك أبعد ما يكون عن الشخصية المصرية عبر تاريخها الطويل، وفى ظننا أن الاتفاق الثلاثى الذى جرى توقيعه هذا العام قد أعطى مسوغًا سياسيًا لحكومة «أديس أبابا» لكى تمضى فى مشروعها وهى تقدم صورة ذلك الاتفاق للجهات المانحة تأكيدًا لشرعية ما يعملون وإظهار قبول الأطراف الثلاثة للسد الذى يمضى العمل فيه على قدم وساق، ولقد اطلعت بنفسى على خريطة «مسح جوى» نشرها موقع «جوجل» تؤكد أنهم قد انتهوا من بناء أكثر من نصف جسم «السد» حتى الآن، وبالمناسبة فإننى أجازف لكى أقول إن المشكلة ليست فى «سد النهضة» فمن حق أى دولة أن تتبنى مشروعات تنموية ترى فيها مصلحة لها ولكن بشرط ألا يؤدى ذلك إلى الإضرار بدول أخرى على «مجرى النهر» خصوصًا «دولة المصب» ولأن الحديث فى هذا الأمر ذو شئون وشجون فإننا نطرحه من خلال النقاط التالية:


أولًا: إن حساسية المصريين تجاه «النيل» وتأمين حقهم فيه هو أمر يضرب بجذوره فى التاريخ المصرى منذ العصر الفرعونى، ولقد حفلت الكتابات السابقة على ميلاد السيد «المسيح» بكثير من الروايات عن «النهر» وجاءت الإشارة إليه فى الكتب المقدسة الثلاثة، وقد فطن «محمد على» مؤسس «مصر الحديثة» إلى أهمية «النيل» وضروة تأمين منابعه فانصرفت حملاته جنوبًا وفى خلفية ذلك الحاكم الذكى الوصول إلى منابع «النهر» تأكيدًا لحق «مصر» فى المياه وقد مضى خلفاؤه على ذات النهج، وحتى عندما قامت الثورة وأصبحت «مصر» جمهورية فإن «عبد الناصر» مضى فى ترويض «إمبراطور الحبشة» وعزز علاقاته بالقارة الإفريقية وكان لهيبته ومكانة «مصر» دورهما فى استقرار أوضاع «النهر» بين «دول الحوض» وبتوقيع اتفاقية «السلام المصرية ـــ الإسرائيلية» وإدراك الأهداف التاريخية لـ«إسرائيل» فى الوصول إلى «مياه النهر» فإن الأمر قد بدأ يأخذ مسارًا مختلفًا وظهرت على السطح أفكار متناثرة عن مشروعات استفزازية فى «دولة المنبع» أو قربها وقد اتخذت «مصر» موقفا حادًا وواضحًا فى عهد الرئيسين «السادات» و«مبارك» ولكن قيام ثورة 25 يناير ودخول «مصر» فى دائرة عدم الاستقرار قد أغرى «زيناوى» وخلفاءه أن يبدأوا فى مشروع «سد النهضة» وسط ضجيج إعلامى إثيوبى جعل منه قضية قومية لا تقل فى سخونتها عما جرى فى «مصر» من شحن وطنى أثناء بناء «السد العالى».



ثانيًا: يلاحظ كل المتابعين لفكرة إنشاء السد والبدء فى بنائه أن الأمر برمته سياسى بالدرجة الأولى، فحجز المياه لتوليد الكهرباء كان يمكن أن يتم بمجموعة سدود صغيرة ولكن العقول الخبيثة التى تقف وراء «إثيوبيا» وتحمل عداءً تاريخيًا وخصومة مستمرة مع «مصر» تسعى لخنق ذلك البلد الكبير وضرب مستقبل التنمية فيه، فضلًا عن إيجاد بؤرة صراع تستنزف الجهد المصرى فى جميع المجالات، لذلك فإن بناء «السد» ينطوى على نوع من «الكيدية السياسية» أكثر منها فوائد اقتصادية أو انجازات فنية، ولقد فطنت «مصر» إلى ذلك مبكرًا وذهب رئيسها المشير «عبد الفتاح السيسى» إلى منصة «البرلمان الإثيوبى» وقال لأشقائنا فى «بلاد الهضبة» إن أمامنا طريقين أولهما «العداء المتبادل» والثانى هو «التعاون المشترك» وقد جئتكم برسالة التعاون الذى يؤدى إلى أن يكون الجميع رابحًا وألا يضر طرف طرفًا آخر، فنحن نعترف بحقكم فى التنمية مع حفظ حقنا فى المياه، ولكن يبدو أن الرسالة لم تصل إلى الأشقاء بالطريقة التى قصدها الرئيس المصرى، فمضوا فى بناء «السد» دون اكتراث بردود الفعل المصرية مدعومين بقوى دولية تعادى «مصر» دائمًا مع تصريحات متقطعة لا تخلو من استفزاز لـ«مصر» واستخفاف بشعبها يدعمهم فى ذلك حكومة الدولة التوءم لـ«مصر» عبر التاريخ فى «الخرطوم» ثم كان توقيع الاتفاق الثلاثى بين «مصر» و«إثيوبيا» و«السودان» والذى وافقت عليه «مصر» بنية طيبة ورغبة صادقة، إلا أنه قد جرى استغلاله للترويج لقبول «مصر» بالأمر الواقع واعترافها ببناء «السد» دون تغيير، فإذا كان التوقيع صحيحًا من الناحية القانونية، إلا أنه خطأ من الناحية السياسية لأنه يعطى الطرف الآخر مايريد ولا يأخذ منه التزامًا قانونيًا باحترام حصة «مصر» فى مياه النهر الخالد.



ثالثًا: إن انشغال «مصر» فى ظروف ما بعد ثورة يناير 2011مع تغيرات هائلة فى منطقة «الشرق الأوسط» والتهاب حدودنا الشرقية والغربية إلى جانب المأساة السورية والانتكاسة العراقية والأزمة اليمنية والمشكلة الليبية فإن أشقاءنا فى الجنوب لم يجدوا أفضل من هذا التوقيت لاستثماره، متوهمين أن «مصر» فى حالة ضعف يسمح بالعبث فى حقوقها من المياه وإنشاء السد ذى الطابع السياسى كما يريدون مع التنصل من الوثائق القانونية السابقة وعلى رأسها اتفاقية توزيع «مياه النهر» بين «مصر» و«السودان» عام 1959.



رابعًا: لا يخفى على أحد أن الترويج لأحاديث عن توصيل «نهر الكونغو» بـ«نهر النيل» أو المبالغة فى حجم مياه الآبار فى «مصر» والإشارة إلى مشروعات «تحلية المياه» إنما هى فى مجملها مبررات لاداعى لها، لأنها تصب فى خانة من لا يريدون لـ«مصر» خيرًا، خامسًا: كنا نتصور أننا خرجنا من عباءة الحساسيات التاريخية التى صنعها الاستعمار بيننا وبين أشقائنا فى الجنوب وأننا نبدأ صفحة جديدة بإيجاد شبكة تجمعنا مع دول حوض نهر النيل وتحيل الجميع إلى رابحين بحيث لا تكون رفاهية طرف على حساب سواه، ونحن فى «مصر» أصحاب مصلحة فى أن يزدهر «السودان» وأن تتقدم «إثيوبيا» لأن فى ذلك ضمان للأمن القومى المصرى ومدعاة لاستقرار المنطقة، كما أننا نلفت النظر ــــ وبشكل مبدئى إلى أن لدى الجعبة المصرية دفوعا قانونية ودولية تجعلها فى موقف أفضل عما هى عليه الآن، فلو أنها أعلنت عن توقف المباحثات حول «سد النهضة» لأنه لا جدوى منها ولا طائل من ورائها ثم طلبت «القاهرة» اللجوء إلى التحكيم لدى «محكمة العدل الدولية» فإن «إثيوبيا» سوف ترفض ذلك، وفى هذه الحالة فإن أبواب «مجلس الأمن» مفتوحة أمامنا والمجتمع الدولى يملك حدًا أدنى من العدالة عند اللزوم، إننا لا نريد أن نصل إلى نقطة صدام مع أشقائنا، ولكن عندما يأتى الخيار بين المياه والجفاف، بين الحياة والموت فإن الأمر يختلف!