أحمد السيد النجار
محمد عبد الهادي علام
السلطة المطلقة .. مفسدة مطلقة
11 نوفمبر 2015
د. عبد الفتاح محمود إدريس

لا يوجد في الإسلام سلطات مطلقة لولي أمر أو لحاكم أيا كان مسماه «خليفة، إمبراطورا، سلطانا، ملكا، أميرا.. إلخ - إذ إن الإسلام قيد سلطات ولي الأمر أو الحاكم أو نحوهما بنظام الشوري،


 التي تقتضي منه أن يرجع في كل أمر ذي بال إلي مجموع الأمة، لمراعاة مصلحتها في كل أمر يتخذه، له مساس بها، وذلك بهذا الأمر الإلهي (وأمرهم شوري بينهم)، (وشاورهم في الأمر)، ولذا فإن رسول الله صلي الله عليه وسلم، لم يبرم أمرا من أمور المسلمين غير التي أمره ربه بها، إلا بمشورتهم، والرجوع إلي رأيهم، وقد أثر عنه صلي الله عليه وسلم، قوله: «أشيروا علي أيها الناس» وقد كان هذا ديدنه صلي الله عليه وسلم، فإنه لما أراد ملاقاة المشركين في بدر، استشار أصحابه في ذلك، ولما انجلت المعركة، وكان ثمة أسري وغنائم، استشارهم كذلك في مصير المال المغنوم والأسري من كفار قريش، وحين أراد ملاقاة المشركين في غزوة أحد، شاور أصحابه في موضع القتال، أيكون في داخل المدينة أم خارجها، وشاور أصحابه في وسيلة رد غزو الأحزاب عن المدينة، ولم يكن في ذلك كله ينتقي بعض آحاد الناس ليستشيرهم علي عادة البعض الآن، لأن هذا الانتقاء في زمن غلب فيه النفاق والمنافقون، من شأنه أن تأتي المشورة وفق مراد الحاكم وتوجهه، لا وفق المصلحة العامة المبتغياة من قراره ونتيجته علي الرعية، ولم يكن الأمر في زمن الخلفاء الراشدين إلا وفق هذا المنهج الإلهي، فإن أبا بكر لما عزم علي قتال المرتدين استشار أصحابه، وكذلك فعل في قتال مانعي الزكاة، ولما راجعه عمر فيه، أقنعه وبين له أنه يقاتل قوما منعوا حقا من الحقوق التي فرضها الإسلام، وكان له سلف في قتالهم، فإن رسول الله صلي الله عليه وسلم، جيش جيشا لقتال بني المصطلق لما علم من عامل الزكاة أنهم منعوا دفعها إليه، ولذا علم عمر أن أبا بكر علي الحق، ولم يستبد عمر بسلطته في وضع حد أعلي لصداق النساء، حيث عرض ذلك علي المسلمين في المسجد قبل إقراره، فلما راجعته المرأة، رجع عن اتخاذه، وقال: «أيها الناس إني كنت نهيت أن تزيدوا النساء في صدقاتهن علي أربعمائة درهم، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب».


وإنا لنري بيننا أناسا عهد إليهم بسلطة لإدارة شئون وزارة أو مؤسسة أو هيئة أو نحوها، فاعتبروا أن ممارستهم للسلطات المخولة لهم منحة، يزاولون بها ما أرادوا، ولهم بمقتضاها المنع والمنح المطلق، ونماذج ذلك واقع في هذا المجتمع، ومن يتشكك في ذلك فليلج علي أحد ممن فتنوا بسلطتهم، وسيري ذلك دون مواربة، ورحم الله زمنا كان فيه ولي الأمر يحاسب كل أحد علي ما يمارسه، حتي الزلة كان يحاسب عماله عليها، فقد قدم معاذ من اليمن ــ ذوكان واليا بها- بعد وفاة النبيّ صلي الله عليه وسلم، علي أبي بكر خليفة المسلمين، فقال له: ارفع حسابك فقال: أحسابان: حساب من الله، وحساب منكم؟، والله لا ألي لكم عملا أبدا».



وإذا كان هذا هو المنهج المتبع في العصر الأول من عصور الإسلام الزاهرة، فما بال زماننا النكد، وقد تولت فيه ثلة، لا ينتظرون من الناس إلا التسبيح بحمدهم في غدوهم ورواحهم، وتأييد تصرفاتهم وسلوكياتهم المنكرة، وإشعارهم بأنها إلهامات إلهية، وأنها الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فهلا حجِّمت السلطات المخولة للمسئولين في هذا المجتمع، وحوسب هؤلاء علي استغلالهم لهذه السلطات، قبل أن يذوق هذا المجتمع مغبة نزقهم ورعونتهم وأهوائهم؟!