أى ظروف حاضرة تأبى إلا أن تتحدى، ومخاطر جمة ترفض التنازل عن أحداثها، وآمال معقودة تنتظر التحقق، ومواطنون يتطلعون إلى لحظة الفرج.
وعبر الظروف، والمخاطر والآمال، واقتراب الفرج، يقف السيسى منفردا باستحقاق تاريخى فى اللحظة المصير، ويبقى السؤال: ماذا أنت فاعل؟
مكتوب على باب مصر «ادخلوها بسلام آمنين»، وعلى قائدها السيسى أن ينفذ مشيئة الله ولو كره الحاقدون، وها هو يستعد منذ كان وزيرا للدفاع، بل لعله شعر أنه رجل مفترق الطرق، أو اللحظة الفارقة فى تاريخ وطن قدره التاريخى الحسم، بينما تعربد جحافل الشر والبغى والعدوان. ما من قائد لمصر ترددت فى وعيه، وفى دواخل أفراد شعبه أسئلة من النوع الذى يتردد الآن.
وفى الحقيقة كان السيسى على أهبة الاستعداد فى وقت الاستدعاء الوطنى مدفوعا بيقظته، وبطبيعته الحركية النشيطة، وبسلاح الوطن الذى ينشد الوحدة والاستقرار والتقدم. هذه المرة لم تكن الجموع الغفيرة التى وثقت فأيدت وساندت، هى الدرع الواقية، فطالما أحبت الجماهير زعيمها.
لكن الجديد فى المعادلة أن يكون الوطن تاريخا وسيادة وشعبا هو السلاح النافذ، فخطاب القائد إلى الوطن كان يحفظ حدودا يجب ألا تمس أو تنتقص (السيادة)، ويستنهض همة (الشعب)، تارة بالتأييد التلقائي، وأخرى بطلب تفويض واع، وما بين تلقائية المحبة والثقة، واستراتيجية التفويض بمواجهة الإرهاب، كان تاريخ الوطن يسجل صفحة جديدة ومجيدة.
لا يواجه السيسى حربا مع عدو خارجي، كما هو الحال فى كل حروب مصر، بل يواجه ـ وللمرة الأولى فى تاريخ مصر الحديث ـ رعب تقطيع أوصال الوطن بترسيم حدود جديدة لمصر انقساما وتقسيما، ومحاولة تهميش مصر، وتغييب وعيها قولا وفعلا. لم تعد معركة الوطن عسكرية، بل إنسانية وعقيدية وثقافية وتاريخية. إننا بصدد محاولة تخليق كيانات مسوخ مشوهة من كيان عظيم اسمه مصر.
ومن هنا فإن الوطن يأبى إلا أن يتجاوز اللحظة التاريخية الحاسمة إلى حضور واع ومؤثر، ومن أجل هذا الحضور فإنه يستحضر تاريخه الحافل، ويستدعى من قلب الأحداث المحتشدة قائده ليوكل له مهمة العبور إلى المستقبل.
إنه عبور جديد لا يقل أهمية عن العبور العسكرى فى أكتوبر 1973، من هذا المنطلق فإن الوطن، بتطلعاته وطموحاته، يضع نفسه ومقدراته ومستقبله كسلاح فى يد قائده، فالتلاحم لا الفرقة، الحضور لا الغياب، والمبادرة لا التقاعس. كل هذا يدفع قدما إلى الأمام لا العودة إلى الوراء، إنها أدوات الوطن وفاعلياته، أو فلنقل سلاحه الذى يشهره فى وجه أعدائه، لكنه قبل كل شيء هو اليقين الذى يضع القائد أمام مسئولياته، وقد قبل السيسى المسئولية بشجاعة، وهو يعلم أن سلاحه الحقيقى يتجاوز إمكانات عسكرية مهما بلغت قوتها وتجهيزاتها.
إنما السلاح الحقيقى وطن يثق فيه، ويضع ذاته رهن المواجهة بدفاتر تلاميذه المدرسية.. بعماله.. بفلاحيه.. بقطاعاته المهنية.. بشمسه.. بهوائه.. بترابه.. بدماء أبنائه الطاهرة. إنه وطن يتشكل فى ظل قائده سلاحا يدافع ويحمى ويصون كيانه وحياته ومستقبله.