أحمد السيد النجار
محمد عبد الهادي علام
لماذا يخاف الإسلاميون من مفهوم المدنية؟
5 يناير 2014
د.أحمد زايد

حظي مفهوم الدولة المدنية بجدل كبير خلال الأعوام القليلة الماضية‏.‏ ولقد جاء ذلك في آتون النقاش حول مرحلة التحول إلي الديمقراطية وبناء أركان الدولة المصرية المعاصرة‏.‏ وكما كشف النقاش عن حماس شديد للمفهوم‏,‏ كشف في نفس الوقت عن عداء شديد له‏.‏


 وظل هذا العداء لمفهوم المدنية يتراكم ويتراكم حتي أسس لتراجع وخوف من استخدامه, مما جعل لجنة الدستور تميل إلي عدم الإفصاح بشكل مباشر عن مدنية الدولة ومدنية المجتمع. ويعكس هذا الخوف بدوره نوعا من التراجع الحضاري والفكري يؤشر عليه عدم الفهم الدقيق لكلمة المدنية, ويؤشر علي خوف كبير من الحضارة ومن الحداثة ومن النور الذي يمكن أن ينبعث منهما, ويعكس في التحليل النهائي أزمة وجود حقيقي. وهي أزمة تتكشف في الخلاف الدائر حول مفهوم المدنية. فهناك من ينظر إلي مفهوم الدولة المدنية علي أنه يقابل مفهوم الدولة الدينية, وهناك من ينظر إليه علي أنه مفهوم يقابل مفهوم الدولة العسكرية, وهناك من يجازف بالقول بأن لا وجود لمفهوم الدولة المدنية أصلا في الفكر السياسي, وإنما المقصود هو الدولة الديمقراطية أو الدولة الحديثة.

وأحسب أن ثمة لغطا كبيرا يحيط بمفهوم المدنية, ومفهوم الدولة المدنية, يحتاج إلي مزيد من التجلية. ونبدأ أولا بالقول بأن مفهوم المدنية ضد الدين, وأن المدنية فكرة غربية تريد أن تهدم الدين, ويعد هذا القول قولا مغلوطا من أساسه, ولا يعكس معرفة حقيقة بتطور الدولة المدنية في الغرب. وأحسب أن السبب الرئيسي لهذا الفهم المغلوط ينحصر في الخوف من إبعاد الدين عن السياسة. إن فكرة المدنية لا ترفض بحال الدين; فالدين مكون أساسي من مكونات الدولة المدنية, منه تشتق القيم العليا للمجتمع( وللسياسة أيضا), وبه يستظل البشر من أجل حماية هويتهم وتاريخهم. ولكن الدين يجب أن يظل بعيدا عن عالم السياسة الذي ينظر إليه بوصفه عالما' مدنسا' أو' دنيويا' يجب إبعاده عن عالم' المقدس' الذي يجب أن يظل في عليائه مقدسا ومبجلا.

أما الرأي الذي يؤكد علي قبول الدولة المدنية في مقابل رفض الدولة العسكرية أو الدولة ذات الصبغة العسكرية, فهو رأي أيضا لا يخلو من بعض اللغط. فأيا كان شكل الدولة فان المدنية لا تغيب أبدا. صحيح أن الحكم العسكري قد يقمع الحياة المدنية ويضغطها, ولكنه لا يمكن أن يمنع الناس من التعاون والحياة المشتركة وتسيير الحياة اليومية. فالمدنية هنا تنزاح عن دنيا السياسة وعالم الحكم, ولكنها تظل لصيقة بالحياة الاجتماعية, لأنها جوهر هذه الحياة كما سأوضح فيما بعد.

ولا أدري من أين جاء أصحاب الرأي الثالث بأفكارهم التي تقول بأنه لا إشارة إلي الدولة المدنية في التاريخ السياسي. ولا أظن أبدا أنهم لم يقرأوا كتاب القوانين لأفلاطون أو كتاب الأخلاق وكتاب السياسة لأرسطو, وإذا لم يحالفهم الحظ بقراءة هذه الكتب, فلا أظن أنهم لم يقرأوا كتاب الحكومة المدنية لجون لوك, أو كتاب العقد الاجتماعي لجان جاك روسو. وإذا لم يحالفهم الحظ بقراءة هذا أو ذاك, فلا أظنهم لم يقرأوا رسالة السياسة المدنية للفارابي أو مقدمة ابن خلدون أو أعمال رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده.

ولكل هؤلاء وأولئك نقول: أن الأصل في المدنية هو تأسيس المجتمع, فهي صيغة للحياة والنظام الاجتماعي العام قبل أن تكون صيغة للحكم, وهي لا تنصرف إلي بناء الدولة أو نظام الحكم إلا في ضوء رؤية للنظام الاجتماعي العام, أي الطريقة التي تنتظم بها الحياة الاجتماعية والثقافية للناس. ولذلك فإن القول بالمدنية هو تأكيد لمبدأ الحياة المشتركة أو العيش المشترك الذي يقوم علي التضامن والتعاون والذي يشارك فيه الجميع, بما في ذلك المشاركة في بناء النظام السياسي الذي يرتضيه المجتمع, والذي غالبا ما يتأسس وفق الإرادة العامة لهذا المجتمع, ووفق مبدأ سيادة القانون, ومبدأ المواطنة. ولا يعني تأسيس النظام السياسي علي هذه المبادئ نزع الدين من الحياة, بل أن الدين يظل دائما مكونا رئيسيا من مكونات الحياة المدنية, فهو يساعد البشر في حياتهم الشخصية- علي التعاون والاندماج وتكوين الحياة المشتركة, كما يساعدهم علي تأسيس إرادة عامة مشتركة من خلال ما يدعو إليه من تعاضد وتساند. وإذا كانت الدولة المدنية تقوم علي فصل السلطة المدنية عن السلطة الدينية, فإن هذا لا يعني مطلقا التعارض بينهما. فإذا سار كل منهما في مساره الصحيح, فإنهما كما ذهب الأمام محمد عبده- يتلاقيان ويتعاونان ويكمل بعضهما بعضا. ومن ثم فإن القول بالمدنية ليس قولا ضد الدين أو ضد الانضباط العسكري, بل هو قول ضد الفوضي, أي الحياة التي يتعارك فيها الناس حول القيم والمبادئ والموارد النادرة, وهي قول ضد الفساد الذي لا يعرف قانونا ولا نظاما, وضد الظلم الذي لا يعرف للعدل والمساواة طريقا, وضد الاستبداد الذي يدوس الناس بالأقدام ويؤسس الحكم علي الهوي, وضد استخدام الدين في تحقيق مصالح سياسية لا تليق بالدين.

تبدو المدنية هنا وكأنها فطرة فطر الله الإنسان عليها, ولذلك فقد صدق الفلاسفة القدماء عندما قالوا بأن الإنسان مدني بطبعه; أي أنه ميال إلي قيام مجتمع يختلف عن مجتمع الحيوانات, مجتمع له قيم ومبادئ وأخلاق ودين. ولقد صدق كل فلاسفة المسلمين القدماء علي هذه المقولة, وأسس بعضهم عليها أفكاره. فلديهم جميعا, لا حياة بغير مدنية, أي بغير تعاون وتساند ووازع سياسي. كما صدق عليها علماء الإسلام المحدثين ممن أنار الله لهم الطريق فرأوا العدل عدلا والظلم ظلما.

وأكاد وأنا اختتم هذا المقال أجد أن الرافض لفكرة المدنية, سواء من ذوي التوجهات الإسلاموية أو غيرها, يشي بميل إلي التسلط والوصاية في نوع من النرجسية السياسية التي تكاد تحرم ممارسة السياسة علي الجماهير العريضة في ضوء مبادئ العدل المطلق والحرية.وإذا كنا قد أكدنا آنفا علي أن غياب المدنية يعني الفوضي, فأننا نضيف هنا بأن غيابها يعني أيضا التسلط والاستبداد. فإذا فشل بناء النظام الاجتماعي للدولة علي مسار المدنية فإنها أما أن تصير إلي فوضي أو إلي استبداد