عمـر سـامي
عبد الناصر سلامة
الطبعة المصرية من الحداثة الغربية
26 نوفمبر 2013
د.احمد زايد

دخلت مصر إلي دائرة العالم الحديث منذ أكثر من مائتي عام‏.‏ ومنذ ذلك الحين وهي تبحث عن تأسيس مجتمع جديد‏,‏ تقوده دولة حديثة‏.‏ ورغم هذا الشوط الطويل إلا أن السؤال ما يزال قائما‏.


أي حداثه تلك التي نعيشها وهل هي حداثه جوهرية نقيه أم أنها حداثه من نوع مختلف, أم أنها لا حداثة علي الاطلاق؟ بمعني هل استطاعت مصر أن تبني مجتمعا يقوم علي العقلانية والعلاقات الفردية المؤسسة علي المواطنة والقيم العمومية القائمة علي المساواة والحرية والعدل وسيادة القانون, وإحداث تغيرات جوهرية في العملية الانتاجية في مجال الصناعة والزراعة واستغلال الثروات الطبيعية; وبناء نظم للادارة تحتكم إلي القانون, ونظام سياسي مستقل فعال قادر علي ادارة المجتمع ولدية القدرة علي الفعل المستقل المغاير؟ وإذا لم تكن كل هذه العناصر متوفرة, فبأي شكل توجد؟ وهل يمكن تحقيق هذا النمط من الحالة الحداثية المثلي؟. ولا أحد يستطيع ان يزعم أن هذا النمط المثالي من الحداثة قد تجسد علي الارض حتي في المجتمعات المتقدمة ذاتها. فواقع العالم يتشكل من أنماط متعددة تدور حول النمط الحداثي الاوربي الذي يدعي العالمية والذي لم يستطع بحال أن يحافظ علي بذوره الحداثية المثالية التي ازدهرت في عصر التنوير. واذا كان الأمر كذلك فماذا تكون حداثتنا تلك التي نعيشها؟.

ان التحولات الحديثة التي جرت في النهر المصري انتجت تناقضات ومشكلات جعلت مشروع الحداثة يتشكل هنا علي نحو معين. ويتجلي لنا صحة هذا الزعم عندما نتأمل بعض عناصر الحداثة التي سقناها والنظر فيما إذا كانت تحكم حياتنا المعاصرة أم لا.

وأبدأ بالعقلانية, ولا أود أن أذهب مذهبا متطرفا إلي القول بأن العقلانية قد غابت تماما من حياتنا, فثمة عقلانية تمكن الناس من العيش المشترك والحياة المستمرة. ولكن هذه العقلانية يتم اختراقها علي مستويين: الأول هو الركون إلي الفكر الخرافي حتي بين بعض المتعلمين تعليما جامعيا( الاعتقاد المفرط في الحسد والسحر والقدرات الخارقة للجان.. الخ). والثاني هو رجحان الغريزة علي العقل في التفاعلات الحياتية وفي رؤية العالم( يتجلي ذلك بشكل واضح في الرغبة الشديدة في الانجاب دون النظر في نوعية الحياة, وتفوق الجسد علي العقل في السلوك اليومي المشحون بصور من العنف والاقصاء الجسدي, وفهم الدين علي أنه رقابة علي الجسد وليس انفتاحا للعقل.. الخ).

أما انتشار القيم العمومية فحدث ولا حرج. فقد شهدت مصر حقبة قصيرة من الزمن سادت فيها بعض العمومية بحيث كان الافراد يختارون بناء علي الكفاءة والانجاز في ضوء قيم عامة( قانونية وغير قانونية) تطبق علي كل الناس. وما لبث هؤلاء الذين خضعوا لهذه القيم وحققوا ماهم فيه من قوة ونفوذ وجاه عبر هذه القيم, ما لبثوا أن تنكروا للمبادئ التي رفعتهم وعادوا مرة أخري الي قوانين الدفعة والشلة والقرابة, وبات الناس يتحمسون لأقاربهم وعصبتهم وأصحابهم وشلتهم ومعارفهم أكثر من تحمسهم للقيم العامة( و لن اتحدث هنا عن حجم الحنق والامتعاض الذي خزن في نفوس الناس من جراء هذا التوجه).

ولقد ترك هذا تأثير علي تعريف الفرد, وغياب مفهوم المواطنة. فليس هناك من تعريف واضح وجلي للفرد, يترتب عليه تصور للفرد بوصفه انسانا ذا وجود مستقل. فالفرد لصيق بجماعته القرابيه وزمرة رفاقه وعصبيته وإقليمه ومحل ولادته. وهو إذ يشب عن الطوق ويدخل في النظام الحديث عبر التعليم لا يغادر هذه التعريفات ويميل إليها كل الميل, ولا يقاومها, ولا يحاول أن يستغني عنها, وإن حاول فانه يستبدل العصبية والشللية في العمل بالعلاقات القانونية الموضوعية, وينسج مع من تحته أو فوقه علاقات استزلام يحبها ويدافع عنها ويعمل علي إعادة انتاجها. ويعمل هذا الوضع علي خلق' تقوقعات' اجتماعية تجعل العلاقات تتأسس علي الشك أكثر من الثقة, حيث تتسع دوائر الشك كلما خرج الفرد من زمرته وعشيرته وتتسع دوائر الثقة كلما دخل الي' قوقعته' الاجتماعية. ويؤثر ذلك علي المفهوم الاجتماعي للمواطنة. فالمواطنة ليست انتماء قانونيا فحسب بل هي طاقة اندماج وشحنه وجود, تعبر في التحليل الأخير عن انصهار اجتماعي وتعددية ثقافية وثقة وإجماع. ليست المواطنة مجرد انتماء الي الارض بل هي انتماء الي الجماعة, تتحول فيها الذات الفردية الي ذات جماعية تأخذ في اعتبارها أهداف الآخرين ومصالحهم في حياة اجتماعية تعيش فيها الأنا مع الآخر من أجل هدف عام هو المحافظه علي روح الجماعة وتماسكها وهويتها وصالحها العام.

ورغم وجود تحديث في نظم العمران والمواصلات والاتصالات والنقل والخدمات المختلفة إلا أن هذا التحديث ظل يراكم صورا متناقضة من التحديث المادي والمعنوي, دون قدرة علي تحريك الموارد الداخلية لبناء نظم إنتاج تستطيع أن تولد ثروة داخلية تفي بحاجات السكان, وأن تؤسس نظما للإدارة تقوم علي الكفاءة والرشد, ونظما سياسية تقوم علي قيم العدل والفصل بين السلطات, والفاعلية التي تمكنها من توليد قوة لضبط حركة الانتاج والتوزيع العادل للثروة والحفاظ علي التوازن بين الطبقات ومنع الاحتكار والفساد والاستغلال.

وقد شكلت كل هذه الجوانب وجها للحداثة يتشابة مع كثير مما هو موجود في دول نامية, ولكنه يتميز أيضا بنكهه مصرية. فهذه حداثة تبدو وكأنها حداثة زائفة لم تكن أبدا من صنع بلادها, ولا هي بنيت علي جذر داخلي, بل هي صور متراكمة ومتناقضة من تحديثات قسرية قامت بها نخب مختلفة الأهداف والمشارب عبر قرنين من الزمان, وعبر عمليات من الانتقاء العشوائي والاستبعاد القسري والميل نحو الاستهلاكية. ولقد أدي ذلك الي أن ينصهر ماهو جديد فيما هو قديم, وأن تظل العلاقة بين الجديد والقديم علاقة فعالة حتي يومنا هذا. يعمل الحديث علي تغيير القديم والتقليدي, ويعمل القديم بدوره علي اخضاع الحديث وصبغه بصبغه تقليدية فيتعايش القديم مع الحديث تعايشا هجينا, كل يعيد إنتاج الآخر علي طريقته. تكون النتيجة مجتمعا تتراص فيه العناصر والمكونات, وتبقي جميعها متجاورة, يعيد كل منها إنتاج نفسه علي نحو مستقل من ناحية وفي علاقات مع بقية أجزاء المجتع من ناحية أخري. ويظهر المجتمع في هذه الحالة وكأنه خليط من عناصر مختلفة ومتناقضه تبدو من الخارج وكأنها فوضي ولكنها متعايشة علي اي حال. ويشكل هذا التعايش ما أطلق عليه الوجه المصري للحداثة, أو الصبغه الحداثية المصرية. ولا أو أن أقارن بين هذه الصبغه الحداثيه التي تبدو شكلية مظهرية, بالنمط الحداثي الذي تطور في المجتمعات الغربيه, ولكن أود أن ألفت النظر الي أن جل ما نعانيه من مشكلات في بناء الدولة ومنظومات القيم وتعثر النهضه يرجع في جانب كبير منه الي الألفة مع هذا النمط الحداثي الذي يصبغ كل شئ بصبغته بما فيها الهمة والشدة والإرادة التي قد تظهر هنا وهناك في أفعال وممارسات وانجازات فردية أو جماعية متفرقة, ولكنها لا تتحول إلي همة وشدة وإرادة جمعية إلا عندما يجتمع لها وعي كبير. فهل يجتمع وعينا الثوري لهذه الغاية؟