رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

عشرون عامًا على مؤتمر دربان

بمناسبة مرور 20عامًا على انعقاد مؤتمر مكافحة العنصرية والتمييز العنصرى فى مدينة دربان بجنوب أفريقيا عام ٢٠٠١، أقامت المنظمة العربية لحقوق الإنسان ندوة لتقييم ما تحقق بالنسبة للقضية الفلسطينية على مدار عقدين ووَضْع تصوُر لمهام المرحلة المقبلة. افتتح الندوة محمد فائق رئيس المجلس القومى لحقوق الإنسان، والمكّاوى بن عيسى الأمين العام لاتحاد المحامين العرب، وعلاء شلبى رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان، ومها البرجس الأمينة العامة للمنظمة، وتقدّم بورقتّى العمل الرئيستين كلُ من عصام يونس مدير مركز الميزان لحقوق الإنسان بفلسطين، وأمير مَخُول المدير السابق لاتحاد الجمعيات الأهلية العربية.

مرور 20 عامًا على مؤتمر دربان هو أمر يعنى الكثير بالنسبة للمشتغلين بالقضايا الحقوقية والباحثين عن عالم يخلو من التمييز والعنصرية وكراهية الآخر، وذلك أن المؤتمر عام ٢٠٠١ مهم فى حد ذاته من حيث أهدافه ومقاصده وتحركّه فى إطار اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصرى لعام ١٩٦٩. وهو مهم فى سياقه التاريخى لأنه أتى بعد نحو 10سنوات من إسقاط نظام الفصل العنصرى البغيض فى جنوب أفريقيا، وعلى وقع انتفاضة الأقصى عام ٢٠٠٠ ضد استعمار عنصرى بغيض آخر فى فلسطين. ومسألة التوأمة هذه بين النظامين العنصريين فى جنوب أفريقيا وإسرائيل تفيد فى تأكيد ترابُط كفاح جميع القوى التحررية والحركات المناهِضة للعنصرية حول العالم، ومع ذلك فإن ما يجرى فى فلسطين يختلف عن الأبارتايد فى أكثر من زاوية، فالعنصرية فى جنوب أفريقيا قامت على أساس الاقتناع بالتفوق الحضارى (الوظيفة) للرجل الأبيض، أما العنصرية الإسرائيلية فإنها مؤسّسة على أساس الصهيونية كعقيدة سياسية توظّف الدين لمصلحتها، وهناك فرق بين الاثنين فالوظيفة تتغيّر لكن الدين ثابت. وثانيًا لأن مقولة تفوق الرجل الأبيض هى مقولة مشتركة بين العديد من الحركات اليمينية العنصرية حول العالم، أما الصهيونية فإنها مرتبطة تحديدًا بفكرة إقامة دولة لليهود على أرض فلسطين. وأخيرًا فى مجال الحديث عن أهمية مؤتمر دربان لا يمكن إغفال ما فعله المؤتمر من تسليط الضوء بقوة على دور المجتمع المدنى الحقوقى على المستوى العالمى فى مؤازرة قضية مكافحة العنصرية عمومًا وفى وضع القضية الفلسطينية على أچندة مؤتمر دربان خصوصًا. لقد لعبت المنظمات غير الحكومية- ومنها المنظمة العربية لحقوق الإنسان- دورًا جبّارًا فى التحضير للمؤتمر وحشد الجهود لإنجاح أعماله، وواجهت هذه المنظمات الآلة الدعائية الصهيونية الضخمة التى اشتغلت ليل نهار على الدفع لمقاطعة المؤتمر من خلال اتهام المشاركين فيه بمعاداة السامية، واصطفت كل تلك المنظمات معًا ضد محاولات خنق المؤتمر بوسائل مختلفة منها قطع التمويل عنه. وفى الأخير انعقد المؤتمر رغم كل شئ لأنه لا يصّح إلا الصحيح، وخرج إعلان دربان تحت لافتة مكافحة العنصرية والتمييز العنصرى ليقّر بأن الفلسطينيين يعانون تحت الاحتلال الأجنبى، وبأن لهم الحق فى تقرير المصير كحق غير قابل للتصرف وفى إقامة دولة مستقلة، فضلًا عن التسليم بحق اللاجئين فى العودة طواعيةً إلى ديارهم وممتلكاتهم بكرامة وأمان. وكان يمكن البناء بقوة على هذا الإعلان وإحداث اختراق كبير فى مسألة الربط بين الصهيونية والعنصرية لولا أن وقعت أحداث١١ سبتمبر وذهبت أنظار العالم فى اتجاه آخر مختلف.

وعندما نظرت ندوة المنظمة العربية لحقوق الإنسان لما تحقَق للقضية الفلسطينية على مدار 20عامًا منذ دربان، فإنها كانت على وعى تام بأن حركة التاريخ لاتسير فى اتجاه واحد لكن فى النهاية تنتصر إرادة الشعوب. نعم تتزايد شراسة العنصرية الإسرائيلية من خلال سياسات التهجير والاستيلاء على الأراضى وهدم البيوت وإقامة جدار للفصل العنصرى وقانون يهودية الدولة، وعشرات الأمثلة التى لا تُعّد ولا تُحصَى فى هذا الخصوص. لكن فى المقابل هناك انتصارات فلسطينية كثيرة، منها ماهو قانونى من أول فتوى محكمة العدل الدولية بخصوص الجدار العازل والتى اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة، وحتى قرار مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة والخاص بتشكيل لجنة مستقلة لتقصّى الحقائق حول جرائم إسرائيل فى عدوانها الأخير على غزة، وهذه اللجنة تمتد ولايتها لأول مرة منذ عام ١٩٦٧على عموم الأراضى الفلسطينية. وهناك أيضًا انتصارات سياسية فى معركة الوعى من خلال الكشف عن الوجه العنصرى لإسرائيل، وقد رأينا إبان العدوان الإسرائيلى الأخير على غزة كيف خرجت المظاهرات التى عمّت العديد من دول العالم وفرَضت على كبريات الفضائيات الدولية تغطية تحركاتها، كما رأينا أعمدة كبريات الصحف العالمية تهاجم إسرائيل ومنها ما وصفها بالعنصرية، لأنه مهما بلغت البراعة الدعائية الإسرائيلية توجد حدود للقدرة على التلاعب بالحقائق. ومثل هذه الانتصارات من المهم ألا نقلّل منها كى لا نطلق النار على أقدامنا كما يقولون، ومن المهم إن ننظر للأمام حتى ونحن نواجه مفاجآت لم نتوقعها، وآخر هذه المفاجآت أن تضطر قيادة حزب العمال فى بريطانيا للتراجع عن قرار الحزب اعتبار إسرائيل دولة استعمارية تعتمد نظام الفصل العنصري. أما فى مجال النظر للمستقبل فإن ندوة المنظمة العربية لحقوق الإنسان أكّدت نقطتين، الأولى وحدة قوى الشعب الفلسطينى، والتى اشتغلت إسرائيل على تفكيكها منذ اتفاقيات أوسلو لجعل القدس والضفة الغربية وغزة بمثابة جزر منعزلة لها أولويات مختلفة، ومن جانبها فإن بعض القيادات الفلسطينية كان لديها من الأسباب ما يجعلها تسهم فى تفعيل الانقسام.

وبدون تجاوز هذه النقطة لا يمكن تغيير المعادلة على الأرض فحركات التحرر لا تخوض معاركها فى ظل الانقسام. أما النقطة الثانية فهى التشبيك بين قوى المجتمع المدنى العربى، وهنا وردت الإشادة بالأداء المميّز الذى حققه التشبيك الثلاثى بين المنظمة العربية لحقوق الإنسان واتحاد المحامين العرب واتحاد الصحفيين العرب فى فترة سابقة، ومثل هذا التشبيك مطلوب إحيائه وتوسيعه والانتقال به للتشبيك مع المنظمات غير الحكومية على المستوى الدولى وتبادُل التأييد والمناصرة فى القضايا المختلفة.


لمزيد من مقالات د. نيفين مسعد

رابط دائم: