أتابع اليوم فى مقالى، الذى بدأته منذ أسابيع، استعراض أجزاء من كتاب «رجل الأقدار» الذى أصدرته الهيئة الوطنية للصحافة، الذى يوثق مسيرة الرئيس عبدالفتاح السيسى فى أهم اللحظات الفارقة من تاريخ مصر. وقد تناولت فى هذا الكتاب الجزء الخاص بمسيرته العسكرية حتى وصوله إلى قصر الاتحادية رئيسًا للجمهورية، وانتهيت فى مقالى السابق عند يوم 25 يناير 2011، عندما انطلقت شرارة الأحداث التى غيّرت مسار الدولة المصرية. ففى ذلك اليوم انطلقت المظاهرات فى معظم المدن المصرية، وعلى رأسها القاهرة والإسكندرية والسويس والإسماعيلية، فيما أُطلق عليه «يوم الغضب». وازدادت حدة التوتر بعدما أوقفت الحكومة خدمات الإنترنت، واستمرت المظاهرات يومى 26 و27 يناير، ثم أعلنت جماعة الإخوان المسلمين انضمامها إليها، كما عاد الدكتور محمد البرادعى من فيينا، وظهرت قيادات أخرى من المعارضة. وجاء يوم الجمعة 28 يناير، الذى عُرف باسم «جمعة الغضب»، حيث انسحبت قوات الأمن المركزى من القاهرة والإسكندرية والسويس، وأعلن الرئيس محمد حسنى مبارك، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، فرض حظر التجول فى عدد من المدن، ونزلت القوات المسلحة إلى الشوارع.
وفى تلك الفترة زادت أعمال البلطجة والسلب والنهب فى أماكن كثيرة، واتسعت دائرة المظاهرات، إلى جانب أعمال تخريب متعمدة، خاصة بعد اقتحام السجون وأقسام الشرطة، وهروب آلاف المساجين، فضلًا عن حرق المحاكم والكنائس ومقر الحزب الوطنى، ونهب الممتلكات العامة والخاصة.
ومن هنا جاء قرار القوات المسلحة الوقوف إلى جانب الشعب، مع رفض استخدام القوة ضد المتظاهرين، وتم رفع درجة الاستعداد داخل القوات المسلحة، مع التركيز على حماية الأهداف الحيوية، وتأمين المرافق الرئيسية، ومجرى قناة السويس، ومنشآت البترول والغاز فى البحر المتوسط. حتى جاء يوم 11 فبراير 2011، عندما أعلن الرئيس محمد حسنى مبارك تخليه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شئون البلاد. وبعدها بدأت القوات المسلحة إجراءات تأمين الدولة، وزيادة انتشارها فى الشارع المصرى، دون استخدام أى عنف ضد المتظاهرين.
وفى السادسة مساء يوم الجمعة 11 فبراير 2011، أعلن اللواء عمر سليمان، نائب رئيس الجمهورية، فى بيان متلفز، تنحى الرئيس مبارك عن السلطة، وتولى المجلس الأعلى للقوات المسلحة إدارة شئون البلاد.
وفى 13 فبراير 2011، أعلن المجلس الأعلى للقوات المسلحة تعليق العمل بالدستور، وحل مجلسى الشعب والشورى، وأنه سيتولى إدارة البلاد لمدة ستة أشهر أو حتى الانتهاء من الانتخابات. كما أكد فى بيانه أنه لن يكون بديلًا عن السلطة الشرعية التى يرتضيها الشعب، وأنه ملتزم بإدارة المرحلة الانتقالية فقط، كما كلف حكومة الفريق أحمد شفيق بالاستمرار فى تسيير الأعمال.
وفى تلك الفترة تصاعد نفوذ جماعة الإخوان المسلمين، بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية، وتعددت الاعتصامات، وتعاظم دور القيادات الإسلامية، إلا أن القوات المسلحة نجحت فى احتواء الموقف، وأكدت التزامها الكامل بنقل السلطة إلى إدارة مدنية منتخبة.
لكن جماعة الإخوان وبعض القوى السياسية وصفت ما حدث بأنه «انقلاب عسكري»، وهنا بدأت مرحلة جديدة فى حياة اللواء عبدالفتاح السيسى، بعدما أصبح عضوًا فى المجلس الأعلى للقوات المسلحة، بصفته مديرًا لإدارة المخابرات الحربية، وهو المجلس الذى تولى إدارة شئون البلاد لمدة عشرين شهرًا.
وخلال تلك الفترة كان المشير محمد حسين طنطاوى يدير المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وكان يعتمد بصورة كبيرة على اللواء عبدالفتاح السيسى، مدير المخابرات الحربية آنذاك، لعدة أسباب؛ أولها ثقته الكبيرة فى تقديرات وتحليلات المخابرات الحربية بشأن الأوضاع داخل الشارع المصرى، وتحركات الولايات المتحدة الأمريكية لدعم جماعة الإخوان المسلمين، وثانيها معرفته بتدينه العميق وإلمامه الواسع بطبيعة الجماعات الإسلامية. ولذلك كلفه بأن يكون حلقة الاتصال بين المجلس الأعلى للقوات المسلحة وجماعة الإخوان المسلمين خلال تلك المرحلة، وكان قبل إصدار أى قرار مهم يعقد اجتماعًا خاصًا مع اللواء عبدالفتاح السيسى للاستماع إلى تقديراته وتحليلاته. وفى 3 مارس 2011 تم تكليف الدكتور عصام شرف بتشكيل الحكومة، خلفًا للفريق أحمد شفيق.
ثم جاءت أول أزمة حقيقية مع جماعة الإخوان المسلمين، عندما اعترضت على الوثيقة التى عُرفت باسم «وثيقة السلمي»، والتى تضمنت المبادئ الأساسية للدستور، ومعايير تشكيل الجمعية التأسيسية لوضع الدستور الجديد، وهو ما أثار خلافًا واسعًا مع جماعة الإخوان.
ويومها كلف المشير محمد حسين طنطاوى اللواء عبدالفتاح السيسى بعقد لقاء مع قيادات جماعة الإخوان المسلمين، وكان ذلك أول لقاء يجمع بين السيسى والدكتور محمد مرسى، بحضور الدكتور محمد عبدالمقصود ممثل الدعوة السلفية، وتم خلال هذا اللقاء التوصل إلى إقناعهم بوقف المليونيات وحملات التحريض. وخلال هذه الفترة بدأت الاستعدادات لإجراء الانتخابات البرلمانية، التى تحدد موعدها فى 28 نوفمبر 2011، وبدأت جماعة الإخوان المسلمين الإعداد لها بقوة، بعدما كانت مقتنعة بأن المجلس الأعلى للقوات المسلحة لن يدخل فى صدام معها. واستندت الجماعة فى ذلك إلى تصريحات المرشد العام، الذى قال: «نحن على اتصال دائم بمدير المخابرات الحربية اللواء عبدالفتاح السيسى، عضو المجلس العسكرى، الذى كان يعطينا الأمان بأن الجيش والمجلس العسكرى لن يقفا ضدنا».
وفى منتصف نوفمبر 2011 تزايدت الضغوط على المجلس الأعلى للقوات المسلحة، فى محاولة لإجباره على تسليم السلطة، وكان المحرك الرئيسى لهذه التحركات جماعة الإخوان المسلمين. وتأكد ذلك فى مظاهرات يوم الجمعة 18 نوفمبر 2011، التى أطلق عليها «جمعة المطالب»، والتى تزعمها الشيخ حازم أبوإسماعيل.
لمزيد من مقالات لواء. د. سمير فرج رابط دائم: