رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

الشراكة مع قوة عظمى غير تقليدية

حدث كبير جدا تلك الزيارة التى يقوم بها رئيس الصين شى جينبينج لمصر. الصين هى صاحبة ثانى أكبر اقتصاد فى العالم، والبلد الوحيد المؤهل للوصول إلى مكانة القوة العالمية رقم واحد، مزاحما الولايات المتحدة، أو محتلا مكانها. الصين هى مصنع العالم، يمثل الناتج الصناعى فيها نحو 30% من الناتج الصناعى العالمى، مساويا فى قيمته الناتج الصناعى للولايات المتحدة وألمانيا واليابان مجتمعين. الصين قوة تصديرية هائلة، حققت فائضا فى التجارة السلعية زاد فى العام الماضى على تريليون دولار.

فى زيارة الرئيس جينبينج خير كثير محتمل، ليس لأن الرئيس الصينى يوزع العطايا، فهذا آخر ما تفعله الصين، ولكن لأن الصين تقدر الشراكة والشركاء. يثمن الرئيس الصينى أهمية الزيارات الخارجية لتعزيز علاقة الصين بالشركاء. الرئيس جينبينج هو من أنشط قادة العالم الكبار فى مجال الزيارات الخارجية. منذ توليه المسئولية فى عام 2012 قام الرئيس الصينى بما مجموعه 131 زيارة لأربع وسبعين دولة، زار ستا وأربعين منها مرة واحدة فقط، بينما زار الباقية، ومن بينها مصر، أكثر من مرة. تقع مصر فى فئة شركاء الصين ذوى القيمة المميزة. والتى تلى مباشرة فئة الدول ذات المكانة الممتازة، التى تضم دولا مثل الولايات المتحدة وروسيا وكوريا الشمالية.

الصين ليست دولة عادية. إنها القوة الصاعدة التى تتحسب الولايات المتحدة لكل خطوة تخطوها فى مجالات التكنولوجيا والتسلح والابتكار التكنولوجى والتجارة والشراكات الخارجية. الولايات المتحدة هى الشريك الاستراتيجى الأهم لمصر. جانب رئيس من التسليح المصرى يأتى من الولايات المتحدة، ولقد استثنت إدارة الرئيس ترامب القاهرة من قرار وقف المساعدات الخارجية، بما يدل على تقدير الولايات المتحدة لأهمية العلاقات مع القاهرة. هناك منافسة بين الصين والولايات المتحدة، وبالتبعية فإنه ما إن تتحرك مصر تجاه الصين أو الولايات المتحدة إلا وأثارت انتباه القوة الأخرى. هذا قدر فرضه واقع المنافسة بين أمريكا والصين، وفرضه أيضا موقع مصر كدولة رئيسية فى وسط العالم، وفى موقع القلب من أكثر أقاليمه اضطرابا.

لمصر خبرة طويلة فى التعامل مع عالم تتنافس فيه القوى الكبرى. لقد استكملت مصر استقلالها، وشرعت فى تطوير سياساتها الخارجية فى عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، عالم الثنائية القطبية والحرب الباردة. نشأت السياسة الخارجية المصرية وتدربت فى مدرسة الحرب الباردة. أجادت مصر سياسة عدم الانحياز، والحفاظ على علاقات متوازنة مع الخصوم المتنافسين، وتعلمت التحرك على التناقضات بينهم، وتوظيف كل ذلك لصالحها. كان لمصر علاقات طيبة بالولايات المتحدة، لكن هذا لم يمنع القاهرة من الاعتراف بالصين الشيوعية، وهو القرار الذى مازالت مصر تجنى ثماره إلى اليوم. اعترفت القاهرة بالصين الشعبية فى مايو 1956 بعد ثلاث سنوات فقط من انتهاء الحرب بين الصين والولايات المتحدة فى كوريا، ودون أن يترك هذا آثارا لا يمكن معالجتها على العلاقات مع واشنطن. لقد تحققت أعظم إنجازات السياسة الخارجية المصرية فى هذه المرحلة عندما نجحت القاهرة فى الحفاظ على علاقات التوازن الدقيق بين القوتين الأعظم. حتى عام 1964 كانت مصر تحصل على مساعدات ثمينة من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. اختل ميزان إدارة العلاقات المتوازنة، وقرر الرئيس الأمريكى جونسون قطع المساعدات الأمريكية عن مصر. بعدها بسنوات قليلة كانت أزمة مايو وحرب يونيو بكل ما ترتب عليهما من آثار. هذه خبرة ثمينة جدا. تعرف مصر جيدا كيف يمكنها إدارة علاقات توازن ناجح مع قوى كبرى متنافسة، وتعرف أيضا كيف يحدث الإخفاق فى إدارة التوازن، وكيف يمكن تجنب ذلك. هذه دروس ثمينة نحتاج لاستعادتها لأنه لا بديل لمصر عن شراكات استراتيجية متنوعة، وعن إدارة علاقات متوازنة، تحسب الأمور فيها بميزان دقيق.

دروس الماضى شديدة الأهمية، لكنها لا تكفى بحد ذاتها لإدارة التوزان فى المرحلة الراهنة. علاقة مصر بالصين تختلف عن علاقتها بكل القوى الكبرى التى اعتادت مصر التعامل معها. كان لكل القوى الكبرى التى تعاملت معها مصر أجندات ومصالح استراتيجية تسبق مصالحها الاقتصادية، وبما أتاح لمصر مبادلة موقعها الاستراتيجى بموارد اقتصادية. الأرجح هو أن هذا الريع الاستراتيجى كان سببا فى تأخر مصر فى تنفيذ إصلاحات ضرورية.

على العكس من ذلك، فإن الصين قوة كبرى لكنها قوة اقتصادية قبل أن تكون لاعبا استراتيجيا. تتبع الصين سياسة خارجية شديدة التحفظ، ومن غير الواضح ما إذا كانت مهتمة بأن تكون لاعبا استراتيجيا فى منطقتنا فى المستقبل المنظور. الانتقاد الأبرز الموجه للسياسة الخارجية الصينية هو ترددها فى تحويل قوتها الاقتصادية الهائلة إلى تحرك ورصيد استراتيجي. للصينيين فى هذا الشأن رأى آخر، وهم أدرى بشئونهم. على عكس القوى الكبرى الغربية، ليس فى تاريخ الصين والثقافة الاستراتيجية الصينية ما يسوغ نشر الأساطيل والقواعد العسكرية بعيدا عن الأوطان. ليس للصين ميراث استعمارى. الصين قوة عظمى من نوع جديد. الصين قوة عظمى عصامية، بنت نفسها بنفسها وليس بنهب ثروات الآخرين. تتوقع الصين من شركائها التحلى بنفس الروح والتقاليد. إدارة علاقة ناجحة مع الصين تتطلب استدعاء خبرات التوازن الاستراتيجى المتراكمة، وتتطلب أيضا إطلاق ماكينات الإصلاح والتنمية.


لمزيد من مقالات د. جمال عبدالجواد

رابط دائم: