رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

عزيزى الفنان.. حافظ على طبقتك

يولد الفنان فى طبقة ينتمى إليها خلال طفولته وصباه، قد تكون طبقة غنية، وقد تكون فقيرة، وغالب الفنانين وُلدوا فى طبقات فقيرة أو متوسطة، وحينما يبزغ نجمهم ويصيرون لامعين فى سماء الشهرة ينتقلون بطبيعة الحال إلى طبقة أعلى ويصبحون من الأغنياء ، وأقصد هنا بالطبع كبار النجوم فى كل نوع من أنواع الفن.

وهنا يظهر الفخ: هل يظل الفنان مُحافظًا، وجدانيًا، على انتمائه إلى الطبقة التى أتى منها وإلى تجربته الأولى، أم أنه ينسى مع النجومية والتنعم هذا الانتماء؟

النجم المُنتمى إلى طبقته هو النجم الذى يظل فى اختياراته وموضوعاته وحتى فى الصورة التى يريد إيصالها إلى الناس عن نفسه قريبًا من طبقته ومعبرًا عنها.

ظل عادل إمام سنوات طويلة يقدم شخصيات تنتمى إلى الطبقة الفقيرة والطبقة الوسطى التى جاء منها، رغم أنه هو نفسه على المستوى الشخصى استطاع بمجهوده وما قدمه من فن أن ينتقل إلى طبقة أعلى ، فكان هو «المشبوه»، و«الهلفوت»، و«رجب فوق صفيح ساخن»، والمحامى الفقير الطامح إلى الثراء فى «طيور الظلام»، وعامل التحويلة فى «المنسى»، والموظف البسيط فى «الإرهاب والكباب».

وظل عبدالحليم حافظ يظهرفى لقاءاته بمظهر المطرب البسيط القادم من قلب الريف المصرى والذى يُغنى للناس، ولثورة يوليو ولطموح العامل والفلاح رغم تجاوزه على المستوى الشخصى محنة الفقر.

وهناك نماذج كثيرة نستطيع أن نضرب بها مثلًا على الفنان المُنتمى إلى طبقته وهمومها، فنيًا وفكريًا، رغم صعوده إلى الأعلى ، وفى المقابل، ظهرت فى الأجيال الحديثة صورأخرى من الفنانين الذين يظهرون أمام الجمهور أو حتى من خلال أعمالهم الفنية بمظهر المنتمى إلى طبقتهم الجديدة، وعلى الطرف الآخر هناك الفنان الذى يبالغ فى الظهور بمظهر المُنتمى إلى الطبقة الكادحة فى أعماله، بينما يظهر للجمهوربمظهرالثرى فاحش الثراء، مما يزيد الهوة بينه وبين الناس، ويخلق نوعًا من الاحتقان بين الفنان والجمهور لم يكن موجودًا بالدرجة نفسها فى أجيال سابقة، وهناك النوع الثالث، الفنان الذى يتعمد أن يظهر للناس بمظهرالإنسان الشعبى المباشرصاحب القاموس المقتبس من حوارات الشوارع والأسواق، مغازلًا جمهورًا خفيًا لا يراه غيره. وهكذا صار الفنان اللامُنتم هو النموذج شبه السائد؛، فنانا لا يُقدم فنًا يعبر تعبيرًا حقيقيًا عن أحلام الطبقة التى خرج منها، حتى لو استعار لسانها أو أظهر نفورًا منها بالتباهى بما يملك، وكيف يعيش، ومع من يسهر، هذا على مستوى المظهر والصورة الذهنية، أما على المستوى الفنى فالأمر أكثر تعقيدًا بكثير، لأن السؤال يُصبح: كيف تحافظ على طموحك كفنان، وعلى شغفك الذى خلقه بالأساس انتماؤك الأول إلى طبقتك، وبين حالك الواقعى الذى وصلت إليه؟

كيف يشعر الفنان ساكن القصر بآلام وطموحات الشخصية التى كانت تسكن البيت البسيط وتدفعه دفعًا إلى الحلم؟

كيف يحافظ على الشغف القديم وهو يعيش الحياة الجديدة؟

بأى قلب سيشعر بحالة الغرفة الضيقة والطعام القليل حينما يؤدى شخصية رجل فقير، بينما هو قد بعدت المسافة بينه وبين ذلك العالم بعد المشرقين؟

هذا هو سؤال الفنان ، وليس هناك فرق حقيقى بين الفنان الفقير والفنان الغنى، فكلاهما ذاق الفقر بطريقته ، فالشاب الغنى الذى يختارالفن فى الأيام القديمة كان يُعانى رفض أسرته لذلك الاختيار، وربما عُوقب عليه ، وكان يوسف بك وهبى، رغم نشأته الميسورة، يقدم شخصية الفقير أيضًا.

فالفن لم يكن أبدًا بالنسبة إلى الشاب الموهوب حلمًا من أجل الثراء، لكنه كان حلمًا من أجل التحقق، فإذا تحقق الثراء، فما زالت أمام الفنان أحلام كثيرة وشخصيات مُتعددة يريد أن يجسدها إن كان ممثلًا، أو يكتبها إن كان أديبًا، أو يرسمها إن كان رسامًا، لأن الحلم الحقيقى والشغف الأصيل لا يقتلهما الثراء والغنى ، لكن الحلم المزيف وحده هو الذى يقتله تحقق الثراء والغِنى. الفن نفسه هو خيراختبار لصاحبه، إن كان يُريد أن يخرج من روحه شيئًا غامضًا يؤلمه ويؤرقه، فهو فنان حقيقى حتى لو وُلد فى قصر مثل أحمد بك شوقى أو ولد فى بيت فقير مثل غالب أهل الفن، إذا كان المحرك حقيقيًا، فلن تمحوه أى مكانة يصل إليها الفنان، فالفنان المُنتمى إلى طبقته هو فنان حقيقى، لأن انتماءه ليس انتماءً شكليًا إلى تلك الطبقة، لكنه انتماء لصيق ووثيق الصلة بروحها وأحلامها وطموحها وأفكارها، أحلام مشروعة لا يقتلها الغنى، فنان يحلم بتقديم أعمال قادرة على تحلية ماء البحر ومرارة الأيام عبر صدق التجربة.

لذا، عزيزى الفنان: حافظ على طبقتك.


لمزيد من مقالات عبدالرحيم كمال

رابط دائم: