رئيس مجلس الادارة

د. محمد فايز فرحات

رئيس التحرير

ماجد منير

رئيس التحرير

ماجد منير

قناة السويس

أعجب لمن يزج بقناة السويس فى مجادلات تحتمل الخطأ والصواب، وتنطوى على تهديد لمستقبلها، أو على الأقل التعامل معها وكأنها قطعة أرض فضاء زادت قيمتها، فأصبح من الممكن المقايضة عليها لحل مشكلة أو أخرى، ولست متخصصًا فى الاقتصاد، وبالتالى ليس فى مقدورى أن أحكم على الجدوى الاقتصادية للفكرة، ومع ذلك فقد قرأت الكثير لمتخصصين عن فسادها، على أن مشكلتى معها ليست جدواها الاقتصادية وإنما النهج الذى ينطلق منه المبادرون بها أو المدافعون عنها، فقناة السويس عند عموم المصريين رمز وطنى شامخ لا يمكن المساس به أو تعريضه للخطر، بحجة أنه السلاح السحرى لأزمة المديونية فى مصر، فتاريخ القناة منذ بدأ التفكير فى شقها يكاد يكون تاريخ الوطن بأكمله، وقد أحسن مجلس الوزراء صنعًا بمسارعته لإصدار بيان فَنَّد فيه الفكرة، حيث حاول البعض الإيحاء بأن لصاحب الفكرة دورًا رسميًا أو شبه رسمى، بما يجعل فكرته أشبه ببالون اختبار يتم اتخاذ خطوة بعد إطلاقه على ضوء ردود الأفعال التى يُحْدِثُها، ولذلك جاء بيان المجلس بردًا وسلامًا على صدر كل معتز بوطنه وبرموزه التاريخية، وقد جاءت لغة البيان حاسمة، بعد أن فَنَّد الأساس العلمى للفكرة، بتأكيد أن «قناة السويس ليست محلًا لأى مقترح من هذا النوع، ولا توجد أى توجهات لدى الحكومة لمقايضتها أو رهنها أو نقل ملكيتها مقابل مديونيات، مؤكدًا أن القناة مرفق عام استراتيجى ذو طبيعة خاصة، وترتبط بصورة مباشرة بالأمن القومى والسيادة المصرية، فضلًا عن دورها المحورى فى الاقتصاد الوطنى والتجارة العالمية».

غير أن المنظور التاريخى يُضيف لبيان المجلس أبعادًا أخرى تجعل من القناة منذ بدأ حفرها وحتى الآن لقرابة قرنين من الزمان مرآة صادقة لتضحيات الشعب المصرى ونضاله فى سبيل تحقيق أهدافه الوطنية وبناء مستقبله، فعلى مدى عقد من الزمان منذ بدأ الحفر فى 1859 وحتى افتتاح القناة فى 1869 شارك نحو مليون مصرى فى هذه العملية، استُشهد منهم قرابة 120 ألفا نتيجة الأمراض والأوبئة، وصعوبة تأمين مياه الشرب النظيفة، والعمل الشاق لساعات طويلة تحت أشعة الشمس الحارقة فى ظل شبه غياب للرعاية الطبية، وهكذا لم يحفر المصريون القناة بأظفارهم فحسب بل بدمائهم، ويحفل الموروث الشعبى المصرى بما يعكس آلام البسطاء منهم وحسرتهم على فقدان أحبتهم (يا حافر القنال يا واخد الرجالة... سِبت البيوت خاوية والدموع سيالة)، وفى نوفمبر 1875، أى بعد 6 سنوات فقط من افتتاح القناة، واجه الخديو إسماعيل أزمة مالية خانقة، نتيجة نفقات التحديث الموسعة وحفل الافتتاح الأسطورى للقناة، فاضطُر لبيع حصة مصر البالغة 44% من أسهم القناة لبريطانيا لتصبح أكبر مساهم فى الشركة، وازداد الطين بلة بمواجهة الحكومة المصرية تعثرًا إضافيًا فى 1880 أدى إلى بيع حصة مصر من الأرباح السنوية لقناة السويس (15%) إلى البنك العقارى الفرنسى، وهكذا فقدت مصر كل أصولها وعوائدها المباشرة من القناة بعد 11 سنة من افتتاحها، وأصبحت شركة قناة السويس دولة داخل الدولة، وأصبح استرداد السيادة على القناة حلمًا وطنيًا، فقاد مصطفى كامل ثم محمد فريد حملة شعبية وبرلمانية ضد مشروع مد امتياز شركة قناة السويس 40 عامًا إضافيًا، بحيث ينتهى فى 2008 بدلًا من 1968، وأدت هذه الحملة لرفض البرلمان هذا المشروع فى 1910، وفى أربعينيات القرن الماضى طالبت حركة «مصر الفتاة» (الحزب الاشتراكى لاحقًا) بضرورة تأميم الشركات والاحتكارات الأجنبية فى مصر، وعلى رأسها شركة قناة السويس، باعتبارها رمزًا للاستعمار الاقتصادى، وفى أواخر أربعينيات القرن الماضى شهد البرلمان المصرى مناقشات واقتراحات طالبت بتمصير الشركة، أو إخضاعها للسيادة المصرية، قبل انتهاء عقد الامتياز، وتصاعدت هذه المطالبات عقب إلغاء الحكومة الوفدية لمعاهدة 1936، وبدء الكفاح المسلح ضد القوات البريطانية فى منطقة القناة.

ثم قُيّض للحلم الوطنى أن يتحقق على يد جمال عبدالناصر بقراره التاريخى بتأميم شركة قناة السويس فى 26 يوليو 1956، فى إطار المعركة المجيدة لبناء السد العالى حلم مصر فى التنمية المستقلة، ولم تقف المعجزة عند هذا الحد، وإنما امتدت لتشهد نجاحًا ساحقًا للمصريين فى إدارة القناة، بعد مؤامرة انسحاب المرشدين الأجانب عدا اليونانيين، ولا أنسى أبدًا وصف المرحوم عبدالحميد أبو بكر (ثالث الثلاثى الذهبى الذى قاد عملية إدارة القناة مع محمود يونس وعزت عادل) لحالة الجماهير وهتافاتهم على طول الشاطئ الغربى للقناة بأنه خُيِّل إليه أنهم يريدون أن ينزلوا لمياه القناة ليدفعوا السفن العابرة بأيديهم، كى تنجح مصر فى مواجهة التحدى، ثم كان العدوان الثلاثى على مصر عقابًا لها على قرار التأميم، ليستبسل الجيش والشعب فى الدفاع عن الاستقلال والكرامة، وتخرج مصر من العدوان بانتصار سياسى تاريخى جعلها رمزًا عالميًا لمعارك التحرر الوطنى، وعنما وقعت هزيمة 1967، ووصلت القوات الإسرائيلية إلى الضفة الشرقية للقناة تجسد حلم الثأر للهزيمة فى معارك عبور القناة التى كان يقوم بها أبطال القوات المسلحة، ودارت ملحمة بناء النسق الأخير لجدار الدفاع الجوى الذى يمكن القوات المصرية من عبور القناة واسترداد الأرض، وهى الملحمة التى جمعت بين الجيش والشعب، فاستُشْهِد نحو 6 آلاف من العمال والمهندسين وحدهم، بالإضافة للمئات من الجنود والضباط، وفى 6 أكتوبر كانت مياه القناة شاهدة على أعظم أداء لأبناء القوات المسلحة الذين ظُلِموا ظلمًا بيّنًا فى 1967، فكيف بعد كل هذا التاريخ المجيد عبر نحو قرنين من الزمن، كانت القناة فيهما شاهدة على عظمة تضحيات الشعب المصرى وقدراته، يأتى من يتعامل معها كمجرد مصدر لدخلٍ يمكن أن يساعد فى حل مشكلة الديون؟ وليس كرمز خالد لنضال شعب مصر وتضحياته؟ وأحسب أن ما حدث من استنكار عام للفكرة يؤكد أن بوصلة الشعب المصرى بخير، حفظ الله مصر.


لمزيد من مقالات د. أحمد يوسف أحمد

رابط دائم: