لا أعرف من يصوغ الخطاب السياسى والإعلامى المصرى، ابتداء من خطاب السيد رئيس الجمهورية، والسيد رئيس مجلس الوزراء، وليس انتهاء بالتعليقات والتحليلات المبثوثة تليفزيونيًا وإذاعيًا.
وما قد يعلمه العامة من أمثالى هو أن رئيس الجمهورية، وربما أيضًا رئيس الوزراء، يقدمان الخطوط العريضة التى يريدان أن يتضمنها الخطاب، وأن من يقوم بالصياغة قد يكون كاتبا صحفيا أو دبلوماسيًا أو مسئولًا فى الرئاستين.. وقد يتم تكليف أكثر من شخص، ولا يؤخذ بما كتبوه ولكن بصياغة أخرى.. وهلم جرا. وكثيرا ما نلاحظ أن المسئول الكبير يخرج عن النص المكتوب، ليضيف أمرا أو يشرحه، أو ليفاجئ الرأى العام بما حجبه عن أقرب مستشاريه؛ خشية أن يتسرب قبل أن يدلى به.
وهنا يفرض سؤال حائر نفسه، ألا وهو: هل من الوارد أن يشمل الخطاب فى بعض أجزائه إضافات من بنات أفكار من كُلِّف بصياغته، فتأتى تلك الأجزاء تعبيرًا عن مفاهيم ورأى أو معتقد صاحبها وانحيازاته، وأنه طالما تمت صياغة الأفكار الأساسية التى جاءت فى التكليف صياغة مقبولة متسقة مع ما أراده المسئول؛ فلا حرج فى ترك مساحة ما للصائغ يكتبها وفقما يشاء بضوابط معروفة ومستقرة؟!
يفرض السؤال نفسه لدى أى مراقب معنى بالشأن الوطنى العام، لأننى تابعت الخطاب المصرى الرسمى بمناسبة الاحتفال بتشغيل السد التنزانى، الذى بنته مصر بخبرات شركاتها ومهندسيها وفنييها، وقد أطلق التنزانيون اسم جوليوس نيريرى على ذلك السد، وبالتالى فقد تحدث الخطاب عن سد نيريرى. وهنا، ولمن لا يعرفون أو تخونهم ذاكرتهم، فإن نيريرى هو الزعيم الوطنى التنزانى الذى رأس تنزانيا من 1964 إلى 1985، وقد ولد عام 1922 وتوفى عام 1999، وتخرج فى جامعة أدنبرة عام 1947، وتخصص فى الاقتصاد والتاريخ، ثم نال درجة الماجستير فى الآداب عام 1952 من جامعة فورت هير، وقاد نضال بلاده تنجانيقا ضد الاحتلال البريطانى، ثم صار رئيسًا للدولة التى ولدت من اتحاد تنجانيقا وزنزبار عام 1964.
وبديهى أن نضاله التحررى ضد الاستعمار، ولبناء وطن اشتراكى؛ التقى مع نضال مصر بقيادة جمال عبدالناصر، وصار الزعيمان من أبرز قادة القارة الإفريقية، وهذا المسار معروف ومدروس.
والمفارقة التى لفتت نظرى وبعنف، هى أن الخطاب السياسى المصرى أسقط اسم جمال عبدالناصر فى مناسبة الاحتفال بذكرى ثورة يوليو 1952، وتم الاكتفاء بالإشارة لقادة الثورة، بينما تنزانيا تحتفى باسم قائدها وتعتز به وتطلقه على سدها.
وما جرى فى ذكرى الثورة ليس منفصلًا عن المحاولة القديمة المتجددة لحذف اسم ناصر من البحيرة المسجلة فى جميع الأطالس العالمية باسم بحيرة ناصر، والوحيد الذى يسميها بحيرة السد العالى هو الإعلام المصرى!
ومع المفارقة المصرية – الإفريقية تأتى مفارقة أخرى يتحملها من يصوغ الخطاب السياسى المصرى، هى التى يلاحظها المراقب المهموم بالشأن العام عند قراءة المقالين اللذين نشرا باسم السيد رئيس جمهوريتنا والسيد رئيس جمهورية الصين، إذ نلاحظ وببساطة أن الصياغة الصينية لم تفلت الإشارة الواضحة إلى «الصداقة العميقة بين شعبى البلدين فى نضالهما لتحقيق الاستقلال الوطنى ومقاومة الإمبربالية والاستعمار».
كما لم تفلت الإشارة إلى «مؤتمر باندونج المعقود فى عام 1955.. كانت الصين ومصر تدعمان بنشاط النضال ضد الامبريالية والاستعمار، وتعملان معًا على تعزيز التضامن بين الدول الآسيوية والإفريقية».
ولا أريد أن أستطرد فى المقارنة بين الخطاب السياسى للدول الإفريقية التى شاركتها مصر نضالها للتحرر والتنمية، وكيف أنهم لا يسقطون أبدًا اسم ناصر، بما يحمله من دلالات ومضامين وطنية تحررية إنسانية، بل وبقى اسمه على طرق ومؤسسات، فيما نسارع- فى وطن جمال عبدالناصر- لطمس سيرته وحذف اسمه حتى فى المناسبات التى يعد هو بطلها ورمزها.
فهل يعلم من يصوغ خطاب مصر السياسى، حجم الخسارة السياسية والمعنوية والأدبية التى تخسرها المحروسة فى إفريقيا وأمريكا اللاتينية عندما يرون هذا المسلك الذى أقل ما يقال فيه: «وطن يفرّط فى رصيده التاريخى الذهبى»!
ولا أدرى هل الاستجابة لرغبات من يريدون أن يحذفوا يوليو وناصر والتحرر الوطنى طمعًا فى أى مكسب تعوض تلك الخسارة المعنوية الفادحة؟.
لمزيد من مقالات أحمد الجمال رابط دائم: