بدأت التطورات الأخيرة فى العلاقات بين المغرب وإسبانيا من أزمة هجرة غير مسبوقة شهدتها مدينة سبتة فى نهاية يوليو. لكن ما جعل تداعيات هذه الاحداث تتجاوز ملف الهجرة هو السرعة التى عاد بها النقاش الى قضايا السيادة والحدود والعلاقة بين الرباط ومدريد، فى وقت كان البرلمان الإسبانى يتحرك فى ملف آخر شديد الحساسية، ويتعلق الأمر بمقترح قانون يمنح مسارا خاصا للحصول على الجنسية الإسبانية للصحراويين المولودين فى الصحراء خلال فترة الإدارة الإسبانية.
صحيح لا توجد أدلة تسمح بالربط السببى بين الحدثين. بل ان رئيس الوزراء الإسبانى أكد ان المعلومات المتاحة لأجهزة الامن والاستخبارات الاسبانية لا تشير إلى تورط السلطات المغربية فى موجة العبور الأخيرة لسبتة، مشددا على إيجابية التعاون مع الرباط فى ملف الهجرة. كما ان المسار البرلمانى لمقترح الجنسية بدأ قبل هذه الأزمة واستمر وفق إجراءاته التشريعية. لكن غياب العلاقة السببية لا يلغى دلالة التزامن، فالعلاقات المغربية الاسبانية باتت تضم عددا من الملفات الحساسة والمتشابكة، بحيث يمكن لتطور فى احدها أن يعيد بقية الملفات إلى النقاش السياسى.
وهذا ما حدث مع أحداث سبتة. بدأت الأزمة بسؤال أمنى وإنسانى حول كيفية التعامل مع تدفق عشرات الآلاف من الأشخاص، ثم انتقلت سريعا الى سؤال السيادة. فقد وصفت الحكومة الإسبانية ما حدث بأنه مساس بسلامة أراضيها. وأكدت ان سبتة جزء من الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبى. وبعد أيام، عاد الجدل حول سيادة سبتة ومليلية الى الواجهة عقب تصريحات مغربية جددت الموقف المغربى، فردت مدريد بأن سيادتها عليهما غير قابلة للتفاوض.
وهنا تظهر خصوصية العلاقة بين البلدين. فقد استطاعا، خصوصا منذ تجاوز أزمة 2021، بناء قدر من الفصل بين الملفات. فاصبح التعاون فى الهجرة والأمن لا يتطلب إنهاء الخلافات السيادية، والشراكة الاقتصادية لا تعنى تطابق المواقف السياسية. لكن اتساع المصالح المشتركة جعل العلاقة اكثر أهمية، وفى ذات الوقت اكثر حساسية لأى اضطراب. ومقترح قانون الجنسية يكشف الوجه الآخر لهذه المعادلة. فالنص الذى وصل إلى مرحلة متقدمة فى مجلس النواب لا يتحدث سياسيا عن مستقبل الصحراء، بل يعالج وضعا قانونيا وتاريخيا لفئة من الصحراويين المولودين خلال فترة الإدارة الإسبانية.
وتكمن الحساسية هنا فى ان إسبانيا غيرت منذ 2022 موقفها السياسى تجاه هذا الصراع المفتعل، عندما اعتبرت مبادرة الحكم الذاتى المغربية الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لتسوية القضية. لكن هذا التحول السياسى لم يلغ الإرث القانونى والتاريخى الذى تركته الإدارة الاسبانية للصحراء. وهكذا تظهر مفارقة العلاقة الحالية، فمدريد تقول انها تريد بناء شراكة استراتيجية مستقرة مع الرباط، بينما تستمر داخل النظام القانونى والسياسى الإسبانى ملفات تعيد استحضار مسئوليات وروابط تعود إلى مرحلة سابقة. ولا يعنى ذلك بالضرورة وجود تناقض فى السياسة الإسبانية أو تراجع عن موقف 2022، لكنه يكشف ان المصالحة السياسية لا تمحو التاريخ ولا تأثيره على سياسات المستقبل، وان بعض الملفات يمكن ان تعود من أبواب قانونية او برلمانية حتى عندما تعتقد الحكومات انها نجحت فى تحييدها دبلوماسيا. هنا ربما تكمن القضية الأعمق، وهى تآكل الجدران العازلة بين الملفات. فالهجرة ترتبط بأمن الحدود، والحدود تستدعى السيادة، والسيادة تعيد سبتة ومليلية الى النقاش، بينما يعيد ملف الجنسية التاريخ الإسبانى فى الصحراء الى المجال السياسى وما يمكن ان يترتب عنه مستقبلا. ولا يعنى هذا ان الملفات أصبحت صفقة واحدة، او ان كل طرف يستخدم احدها للضغط على الآخر، لكنه يعنى ان إدارة كل ملف بمعزل كامل عن السياق العام للعلاقات أصبحت اكثر صعوبة. وهذا أيضا ما يجعل العلاقات المغربية-الاسبانية مختلفة. فكلما تعمق التعاون الاقتصادى والأمنى وفى مجال الهجرة، ارتفعت تكلفة التوتر واصبح الاحتواء اكثر ضرورة. وايضا، كلما ازدادت الملفات المشتركة، ازدادت احتمالات ان تنتقل تداعيات الخلاف من مجال إلى آخر. لذلك قد لا يكون الاختبار الحقيقى للعلاقات فى قدرة الرباط ومدريد على تجنب الخلاف، فالجغرافيا والتاريخ والمصالح المتداخلة تجعل الخلافات شبه حتمية. الاختبار الحقيقى هو فى قدرة الطرفين على منعه من التحول إلى سلسلة مترابطة من الأزمات. والعلاقات المستقرة لا تعنى غياب الملفات الخلافية، بل امتلاك القدرة السياسية والمؤسسية على إبقائها داخل حدود يمكن إدارتها.
وما تكشفه تطورات الأحداث الأخيرة هو ان المغرب وإسبانيا نجحتا حتى الآن فى الحفاظ على التعاون رغم عودة ملفات شديدة الحساسية إلى الواجهة، وان باتت المساحة الفاصلة بينهما أصبحت أضيق. وعندما تضيق هذه المساحة أكثر، لن يكون التحدى فى حل كل خلاف على حدة، بل فى منع خلاف واحد من إعادة فتح العلاقات بأكملها.
لمزيد من مقالات وفاء صندى رابط دائم: