أتواجد اليوم فى القاهرة فى سادس زيارة لى إلى مصر بصفتى وزيرًا للخارجية. ست زيارات تعكس، ربما أكثر من كثير من الأرقام، الأهمية التى توليها إيطاليا لعلاقاتها مع هذا البلد، وهى علاقات تمتد جذورها إلى ما هو أعمق بكثير من السياسة.
فإيطاليا ومصر حضارتان عريقتان من حضارات البحر المتوسط، تجمع بينهما آلاف السنين من التاريخ واللقاءات والتبادل.
وقد أسهم البحر المتوسط فى تشكيل ثقافتينا، ولا يزال حتى اليوم يجمع بيننا، ويقرّب بصورة طبيعية بين شعبينا، فيما تتقارب مصالحنا بشكل متزايد. ومن هذا التاريخ المشترك تنبع أيضًا مسئوليتنا المشتركة تجاه حاضر منطقتنا ومستقبلها.
وخلال السنوات الأخيرة، انعكس هذا التقارب فى حوار سياسى متزايد الكثافة، فى وقت يمر فيه البحر المتوسط والشرق الأوسط بواحدة من أكثر المراحل تعقيدًا فى تاريخيهما الحديث. وقد حافظت روما والقاهرة على تشاور مستمر بشأن الأزمات، والأهم من ذلك، بشأن الحلول الممكنة لها.
وتأتى زيارتى اليوم لتخطو خطوة جديدة فى هذا الاتجاه. وسألتقى الرئيس عبدالفتاح السيسى، الذى جمعتنى به لقاءات عديدة خلال السنوات الماضية، كما سألتقى وزير الخارجية بدر عبد العاطى، الذى سأترأس معه اللجنة المشتركة المصرية الإيطالية.
ويشارك فى الزيارة أيضًا وزير البيئة والطاقة جيلبرتو بيكيتو فراتين، ووزيرة العمل والسياسات الاجتماعية مارينا كالديرونى، فيما تشارك أكثر من مائة شركة إيطالية فى منتدى الأعمال المصرى الإيطالى.
السياسة والأمن والطاقة والعمل وقطاع الأعمال؛ أردنا لهذه الزيارة أن تكون شاملة، لأن شراكتنا أصبحت بدورها واسعة ومتعددة الأبعاد.
وهناك كلمة واحدة تربط بين العديد من المصالح التى نتشاركها، وهى «الاستقرار». فالاستقرار بالنسبة إلى إيطاليا ومصر ليس مفهومًا مجردًا فى السياسة الخارجية، بل يعنى شرقًا أوسط يسود فيه الحوار والدبلوماسية، وليبيا مستقرة، وقرنًا أفريقيًا أكثر أمنًا، وطرقًا تجارية مفتوحة ومحمية. كما يعنى تهيئة الظروف التى تتيح للشركات الاستثمار، وللاقتصادات النمو، وللشباب التطلع إلى المستقبل بثقة. وهذا هو الخيط الذى يربط بين العديد من القضايا الكبرى التى يمكن لإيطاليا ومصر العمل معًا بشأنها.
وتظل غزة الاختبار الأكثر إلحاحًا.
فالأولوية هى حماية المدنيين الفلسطينيين والحد من العنف، لكن علينا فى الوقت نفسه أن ننظر إلى المستقبل.
ولا يزال الطريق طويلًا، ويُشكِّل نزع سلاح حماس خطوة أساسية لتهيئة ظروف مستدامة للأمن وإعادة فتح أفق سياسى للمنطقة.
وفى هذا الإطار، تؤدى مصر دورًا محوريًا فى الوساطة، وهو دور تقدّره إيطاليا وتدعمه، بما يؤكد مكانة مصر باعتبارها ركيزة للاستقرار وسط أزمات عديدة.
ويظل هذا الأفق بالنسبة إلينا متمثلًا فى حل الدولتين: إسرائيل وفلسطين، جنبًا إلى جنب، فى سلام وأمن.
وفى روما، استضفنا «التحالف العالمى لتنفيذ حل الدولتين»، كما نظمنا ندوة حول الحوار بين الأديان، انطلاقًا من قناعتى بأن الدبلوماسية يجب أن يصاحبها حوار بين الأديان والثقافات. ويمكن للأزهر الشريف، بما يحمله من تاريخ ومكانة استثنائية فى العالم الإسلامى، أن يقدم إسهامًا أساسيًا فى ترسيخ ثقافة التعايش والسلام.
وبينما نعمل على المسار السياسى، لا يمكننا أن نغفل معاناة الناس.
فمصر تبذل جهودًا هائلة لدعم الشعب الفلسطينى، وإيطاليا تقوم بدورها أيضًا.
فمن خلال مبادرة «الغذاء من أجل غزة»، حشدنا المساعدات الإنسانية، كما أصبحت إيطاليا الدولة الغربية الأولى من حيث عمليات الإجلاء الطبى من قطاع غزة؛ إذ استقبلنا 260 طفلًا فلسطينيًا من المرضى وأكثر من 700 من مرافقيهم، بفضل ما قدمته مصر أيضًا من مساعدة أساسية. فالدبلوماسية والتضامن يجب أن يسيرا جنبًا إلى جنب.
غير أن التحدى الذى نواجهه لا يقتصر على غزة. فأمن المنطقة بأكملها يعتمد على قدرتنا على خفض حدة التوتر على الجبهات الأخرى أيضًا. ويُعَدُّ استقرار لبنان عنصرًا أساسيًا فى توازنات الشرق الأوسط. وتسعى روما إلى أن تكون عاصمة للسلام، وقد استضافت جولات من المفاوضات بين إسرائيل ولبنان، بما يؤكد أنه حتى فى أصعب اللحظات يظل هناك مجال للحوار.
وينطبق الأمر نفسه على أمن الممرات البحرية الرئيسية.
فمضيق هرمز وباب المندب شريانان حيويان للتجارة العالمية، وما يحدث فيهما سرعان ما تنعكس آثاره على موانئنا وشركاتنا واقتصاداتنا.
ولذلك يجب ضمان حرية الملاحة فى جميع الأوقات.
وفى البحر الأحمر، تسهم إيطاليا بشكل ملموس فى تحقيق هذا الهدف من خلال مشاركتها فى البعثة الأوروبية «أسبيدس».
وهذه المصلحة المشتركة نفسها تدفعنا إلى النظر باهتمام إلى ليبيا والسودان والقرن الإفريقى. فوجود ليبيا مستقرة وموحدة وذات سيادة أمر أساسى لأمن منطقة البحر المتوسط بأكملها. كما أن استمرار الحرب فى السودان وحالة عدم الاستقرار فى القرن الإفريقى تُخلِّف تداعيات تتجاوز حدود المنطقة بكثير، بما فى ذلك عبر البحر الأحمر.
ومن ثم، علينا العمل على وقف أعمال العنف، والتصدى لانتهاكات حقوق الإنسان، وإعادة التأكيد على احترام القانون الدولى، والسعى إلى خفض التصعيد بين جميع الأطراف الرئيسية.
وفى هذا السياق، تتشارك إيطاليا ومصر مسئولية كبيرة فى مواجهة التهديدات العابرة للحدود، بدءًا من الإرهاب والاتجار بالبشر وصولًا إلى إدارة ظاهرة الهجرة. ونحن نقدر النتائج المهمة التى حققتها مصر فى الحد من الهجرة غير النظامية عبر أراضيها، وكذلك الجهود الكبيرة التى تبذلها فى استضافة المهاجرين واللاجئين. ونرغب فى تعزيز تعاوننا المتميز بالفعل فى مكافحة الهجرة غير النظامية والتنظيمات الإجرامية، مع العمل فى الوقت ذاته على فتح مسارات للهجرة القانونية تلبى احتياجات اقتصادينا.
ومن خلال «خطة ماتي» أيضًا، نسعى إلى الاستثمار فى التدريب وتنمية المهارات، وتشجيع مسارات الهجرة النظامية التى يمكن أن توفر لإيطاليا عمالة مؤهلة، وتتيح فى الوقت نفسه فرص عمل جديدة للشباب المصرى، بما يخدم مصالح البلدين.
لكن الاستقرار يجب أن ينعكس أيضًا فى صورة تنمية وفرص عمل وآفاق جديدة.
ومن هذا المنطلق، تدعم إيطاليا بقوة تعزيز العلاقات بين الاتحاد الأوروبى ومصر. فنحن بحاجة إلى مزيد من التقارب بين اقتصادينا؛ مزيد من التجارة والاستثمارات والروابط، ومزيد من الشركات التى تعمل معًا.
وهنا نصل إلى القلب الاقتصادى لزيارتى. فإيطاليا هى بالفعل الشريك التجارى الأوروبى الأول لمصر.
وفى عام 2025، بلغ حجم التبادل التجارى بين بلدينا 5.9 مليار يورو، مسجلًا نموًا بنسبة 11.7%، فيما شهدت الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026 زيادة إضافية بنسبة 7.5%. وهى أرقام مهمة، لكننى على قناعة بأنها لا تعكس بعدُ كامل الإمكانات التى تتمتع بها علاقاتنا.
ولهذا يُعَدُّ منتدى الأعمال المصرى الإيطالى أحد المحاور الرئيسية للزيارة، إذ تلتقى فى القاهرة أكثر من مائة شركة إيطالية، بمشاركة ما يقرب من 600 شخص. وبفضل جهود السفارة الإيطالية ووكالة التجارة الإيطالية «ICE»، ستُعقَد على مدار اليوم لقاءات مباشرة بين الشركات بهدف خلق فرص جديدة للتعاون والاستثمار. وتُعَدُّ الطاقة والتحول الأخضر والبنية التحتية والتكنولوجيات الصناعية المتقدمة والرقمنة والتكنولوجيا الزراعية من القطاعات التى يمكننا أن نحقق فيها المزيد. وطموحنا يتجاوز مجرد زيادة حجم التبادل التجاري؛ فنحن نريد أن نستثمر وننتج وننمو معًا.
ولدينا بالفعل أسس قوية يمكن البناء عليها. فالطاقة تمثل إحدى ركائز تعاوننا. وتعمل شركة «إيني» فى مصر منذ عقود، وأصبحت الاكتشافات الكبرى التى حققتها فى البلاد، وفى مقدمتها حقل «ظهر»، رمزًا للتعاون الصناعى الاستراتيجى بين بلدينا. واليوم، نريد توسيع نطاق هذه التجربة لتشمل الطاقة المتجددة والهيدروجين وتكنولوجيات التحول الأخضر. كما أن خط الملاحة البحرى الأسبوعى بين ترييستى ودمياط يقدم نموذجًا ملموسًا لما يمكننا القيام به من أجل تقريب منظوماتنا الإنتاجية وتعزيز حركة التجارة فى البحر المتوسط.
وهذه هى أيضًا الفلسفة التى تقوم عليها «خطة ماتي». فمصر إحدى الدول المحورية فى الخطة، وشريك ذو أولوية للتعاون الإيطالى. ونسعى إلى بناء شراكة بين طرفين متكافئين، تقوم على الاستثمار والتدريب والابتكار والنمو المشترك. وبفضل حجم مصر وموقعها الجغرافى ودورها السياسى، يمكنها أن تكون أحد أبرز الأطراف الفاعلة فى بناء علاقة أكثر ترابطًا بين أوروبا والبحر المتوسط وإفريقيا.
وهناك أيضًا ما تعجز أرقام التجارة عن التعبير عنه، وهو ذلك الشغف الكبير بإيطاليا الذى يمكن الشعور به فى مصر، نراه فى الاهتمام باللغة والثقافة الإيطاليتين، وفى الشباب الذين يتطلعون إلى الدراسة فى الجامعات الإيطالية، وفى العلاقات التى تجمع الباحثين والفنانين والمؤسسات الثقافية، وفى التاريخ الاستثنائى للبعثات الأثرية الإيطالية فى مصر.
وفى المقابل، ندرك جيدًا مدى ما تحظى به مصر وتاريخها وحضارتها من اهتمام وإعجاب كبيرين فى إيطاليا. إنها علاقة بين شعبين قبل أن تكون علاقة بين حكومتين، وعلينا أن نواصل رعايتها وتعزيزها. وهذا العمق هو ما يجعل العلاقات بين إيطاليا ومصر مميزة. لقد جعلنا التاريخ قريبين، فيما تدعونا المصالح المشتركة وتحديات الحاضر اليوم إلى تحويل هذا القرب إلى شراكة أكثر قوة.
والرسالة التى أحملها معى إلى القاهرة بسيطة وواضحة: مصر تستطيع أن تعتمد على إيطاليا.
فخلفنا تاريخ يمتد لآلاف السنين، وأمامنا تحديات لا يستطيع أى طرف مواجهتها بمفرده. الاستقرار والنمو، الأمن والتنمية، الدبلوماسية والحوار بين الشعوب؛ كلها عناصر فى مشروع واحد. وعلى هذه الأسس، نريد أن نكتب الفصل المقبل من العلاقات بين إيطاليا ومصر، وأن نعمل معًا من أجل بحر متوسط أكثر استقرارًا وأمنًا وازدهارًا.
> نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية والتعاون الدولى الإيطالى
لمزيد من مقالات بقلم ــ أنطونيو تايانى
- نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية والتعاون الدولى الإيطالى رابط دائم: