لم تسقط قائمة الـ75 لتفتح أبواب الهجرة القانونية إلى الولايات المتحدة، بل لتغيّر طريقة إغلاقها. فبعدما أسقط القضاء الأمريكى الحظر الجماعى الذى علّق إصدار تأشيرات الهجرة لمواطنى 75 دولة، تتحرك إدارة الرئيس دونالد ترامب نحو أداة أكثر اتساعا وأقل وضوحا: فحص المهاجرين فرديًا وفق قدرتهم المالية واحتمالات اعتمادهم على المساعدات الحكومية.
فى 21 أغسطس، أبطلت القاضية الفيدرالية جانيت فارجاس فى قضية CLINIC v. Rubio سياسة وزارة الخارجية، معتبرة أن تعليق التأشيرات على أساس جنسية المتقدمين تجاوز السلطة القانونية الممنوحة لوزير الخارجية وتعارض مع قانون الهجرة والجنسية. وألغى الحكم أيضًا حالات الرفض التى استندت إلى الحظر وحده، فيما أعلنت الخارجية أن وقف يناير «لم يعد ساريًا» اعتبارًا من تاريخ الحكم.
لكن الحكم أغلق طريقًا واحدًا أمام الإدارة، ولم يغلق الطريق الأوسع الذى تسلكه لتشديد الهجرة القانونية. فمفهوم «العبء العام» موجود أصلا فى القانون الأمريكي، ويتيح تقييم قدرة المتقدم على إعالة نفسه واحتمالات اعتماده مستقبلا على الدولة، من خلال عوامل تشمل الموارد المالية والعمر والصحة والتعليم والمهارات والظروف الأسرية.
وبعد الحكم، أوقفت وزارة الخارجية مؤقتا معالجة بعض طلبات تأشيرات الهجرة وأعادت جدولة مقابلات فى سفارات وقنصليات حول العالم، معلنة أن الهدف هو تدريب الموظفين القنصليين على تطبيق قواعد «العبء العام» بصورة أكثر اتساقًا. ويتركز التأثير بصورة خاصة على مسارات الهجرة العائلية، التى تمثل جزءًا كبيرًا من طالبى الإقامة الدائمة.
وهنا تكمن المفارقة: القائمة السابقة كانت تقول إن المشكلة هى جواز سفر المهاجر، أما القاعدة الجديدة فتقول إن المشكلة قد تكون فى قدرته على إعالة نفسه. وبذلك تنتقل المعركة من حظر جماعى يسهل الطعن فيه قضائيًا إلى قرارات فردية تمنح الموظف القنصلى مساحة أكبر لتقدير المستقبل الاقتصادى للمتقدم.
وتكشف الأرقام حجم الرهان. فقد حصل مواطنو الدول الـ75 على 280 ألفا و15 تأشيرة هجرة فى السنة المالية 2024، بما يعادل نحو 46% من إجمالى تأشيرات الهجرة الصادرة فى ذلك العام، وفق معهد سياسة الهجرة.
وبالتالي، فإن تشديد الاختبار الاقتصادى قد يترك أثرا مختلفا عن الحظر المباشر، إذ قد يجعل المتقدمين الأكبر سنا، والأقل موارد، والأكثر اعتمادا على الكفيل، أو الذين يفتقرون إلى مسار مهنى واضح، أكثر عرضة للتدقيق.
ولا يتوقف التأثير عند أبواب السفارات. فمارك جرينبرج من بروكينجز يحذر من أن توسيع مفهوم «العبء العام» قد يدفع أسرا تضم مواطنين ومهاجرين إلى تجنب برامج اجتماعية يحق لهم قانونا استخدامها خشية التأثير على ملفات الهجرة. وتشير تقديرات الإدارة إلى احتمال امتناع نحو 1.3 مليون شخص عن التسجيل فى برامج مساعدات أو الانسحاب منها، مع انخفاض قيمة المنافع المستخدمة بنحو 13 مليار دولار سنويا.
وفى الخامس من أغسطس، أضافت الخارجية أداة مالية جديدة عبر برنامج Public Charge Bond، الذى يسمح فى بعض الحالات بتقديم ضمان مالى كوسيلة لتجاوز مخاوف «العبء العام». وهى خطوة تعكس بوضوح انتقال القدرة الاقتصادية من كونها عاملا ضمن ملف الهجرة إلى عنصر أكثر مركزية فى تحديد من يمكنه العبور.
غير أن السياسة تفتح فى المقابل سؤالا اقتصاديا وديموغرافيا أكبر. فمع تقدم السكان فى العمر وتراجع معدلات المواليد، يعتمد نمو القوة العاملة الأمريكية بدرجة متزايدة على المهاجرين وأبنائهم، فيما تمثل العمالة المولودة خارج الولايات المتحدة جزءا مهما من قطاعات التكنولوجيا والرعاية الصحية والزراعة والبناء. ويحذر معهد سياسة الهجرة من أن القيود الجديدة قد تقلص النمو السكانى وتفرض ضغوطا إضافية على الاقتصاد الأمريكي.
وهكذا، فإن خسارة إدارة ترامب معركة «قائمة الـ75» لا تعنى خسارة معركة الهجرة القانونية. لقد سقط الحظر القائم على الجنسية، لكن بقيت استراتيجية الفرز الاقتصادي. وبعد أن اصطدم الباب الكبير بالقضاء، يبدو أن الإدارة تحاول تضييق الأبواب الصغيرة واحدًا تلو الآخر؛ بحيث لا يصبح السؤال فقط: من أين يأتى المهاجر؟ وإنما أيضا: كم يملك، ماذا يعمل، وهل تستطيع أمريكا أن تضمن أنه لن يحتاج إليها؟
وقد تكون هذه المعركة أقل صخبا من مشاهد الحدود والترحيل، لكنها ربما تكون أكثر تأثيرا فى إعادة تعريف من هو المهاجر الذى تريده أمريكا فى المستقبل.
رابط دائم: