هل تعرف أن رئيسك فى العمل، أو من يقابلك مقابلة توظيف، قد يحكم عليك نهائيًا قبل أن تُكمل جملتك الأولى؟ هذا ما تكشفه أضخم دراسة تحليلية حول «الانطباعات الأولى» فى بيئة العمل، ونُشرت هذا الشهر فى مجلة Personnel Psychology المرموقة. الباحثون حللوا بيانات 204 عينات مستقلة من 145 دراسة، ليصلوا لنتيجة مذهلة: الانطباع الذى يتكوّن عنك خلال أقل من دقيقة واحدة فى اللقاء الأول، يمكن أن يظل مؤثرًا فى تقييمك وفرصك الوظيفية بعد شهر كامل أو أكثر! والأغرب أن هذا الانطباع لا يتشكل بناءً على خبراتك المكتوبة أو حتى مضمون كلامك، بل بطريقة حديثك ونبرة صوتك ولغة جسدك، ومظهرك الخارجي. بعبارة الباحث نفسه: «أكثر ما أذهلنا فى هذه الدراسة أن مضمون الكلام كان أضعف عامل فى تكوين الانطباعات الأولى».
بمعنى أن الإنسان لا يحكم على الآخرين بعقلانية باردة تزن الحقائق والمؤهلات، بل يُصدر حكمًا عامًا سريعًا -إيجابيًا أو سلبيًا- يلوّن كل ما يُدركه لاحقًا عن هذا الشخص، حتى لو كانت الأدلة الموضوعية تقول عكس ذلك تمامًا. والأهم أن هذا الانطباع لا يقتصر على قرارات التوظيف والترقية ، بل يشكّل علاقات العمل والثقة والتعاون بين الزملاء لفترات طويلة قادمة. ورغم أن المؤسسات لا تستطيع منع موظفيها من إصدار أحكام سريعة على الآخرين، إلا أنها تستطيع الحد من تأثير هذه الأحكام عبر معايير تقييم موضوعية ومقابلات منظمة تشارك فيها لجان متعددة بدلًا من فرد واحد.
أما بالنسبة لنا كأفراد، فالرسالة واضحة وعملية: فى المرة القادمة التى تستعد فيها لمقابلة عمل أو لقاء مهم مع مديرك الجديد، لا تكتفِ بتلميع سيرتك الذاتية، بل انتبه جيدًا لطريقة كلامك، ونبرة صوتك، وثقتك فى التواصل البصرى، ولغة جسدك؛ فكما يقول المثل الإنجليزى الشهير الذى أكدته العلوم الآن: «لن تحصل أبدًا على فرصة ثانية لترك انطباع أول جيد».
د. محمد محمود التابعى
رابط دائم: