تشهد الساحة السياسية الإسرائيلية هذه الأيام تحركات متسارعة يقودها اليمين المتطرف لإسقاط اتفاقية أوسلو «1993» عبر مشروع قانون فى الكنيست، ويهدف هذا التوجه، الذى يمثل تتويجا لسنوات من ضم الأراضى وتفكيك حل الدولتين، إلى منع إقامة دولة فلسطينية وتكريس السيطرة الإسرائيلية الكاملة على الضفة الغربية. ومع اقتراب موعد الانتخابات بإسرائيل تبدو الساحة السياسية وكأنها تدخل دورة جديدة من إعادة إنتاج المشهد ذاته (تنافس بين تيارات يمينية متعددة، واختفاء شبه كامل للفارق الحقيقى بين الحكومة والمعارضة فى القضايا المصيرية، خصوصا ما يتعلق بالحرب، والاستيطان، ومستقبل القضية الفلسطينية)، فهذه الانتخابات لا تُحسم وفق البرامج الاقتصادية أو الاجتماعية بالمعنى التقليدى المعروف فى الديمقراطيات الغربية، وإنما تحسم غالبا وفق معادلة الأمن، والقدرة على إظهار مزيد من التطرف، وهذه الحقيقة تكشف طبيعة العقل الانتخابي؛ فالناخب هناك لا ينظر إلى حكومته, باعتبارها مشروع سلام بقدر ما يراها مشروعا عسكريا وصراعا دائما، ولذلك فإن الحكومات التى خاضت الحروب، أو قدمت نفسها باعتبارها أكثر تطرفا، كانت غالبا الأوفر حظا فى الاحتفاظ بالسلطة، واليوم، تبدو الانتخابات المقبلة امتدادا لهذا المسار، لكن فى ظروف أكثر تطرفا، فالحرب على غزة، والتوسع الاستيطانى فى الضفة الغربية، والتصعيد الإقليمي- دفعت الداخل الإسرائيلى أكثر نحو اليمين المتطرف، بحيث لم يعد النقاش يدور حول إقامة دولة فلسطينية أو تسوية سياسية، بل حول الكيفية التى يمكن بها فرض الهيمنة الإسرائيلية الكاملة على الأرض الفلسطينية، وفى هذا السياق يتحول الحديث عن إلغاء اتفاق أوسلو إلى مادة انتخابية أساسية، فالأحزاب اليمينية، خصوصا تيار بن غفير، يدفعون باتجاه إعلان نهاية المرحلة التى قامت عليها السلطة الفلسطينية، باعتبار أن أوسلوـ يمثل آخر قيد قانونى أو سياسى على «إسرائيل الكبري»، وهكذا، فإن الانتخابات الإسرائيلية المقبلة لا تبدو مجرد استحقاق سياسي، بل محطة قد تحدد شكل المرحلة المقبلة فى المنطقة: إما تكريسا نهائيا لمنطق التطرف، أو انفجار تناقضات مشروع اليمين الإسرائيلى نفسه، حين يصطدم مجددا بسؤال لا يستطيع الهروب منه: ماذا بعد إسقاط أوسلو؟
لمزيد من مقالات أسامة سرايا رابط دائم: