لاشك فى أن وجود قوى سياسية لديها ظهير فى المجتمع وقدرات عسكرية لا تخضع لسلطة الدولة يمثل نقطة ضعف خطيرة فى البناء العام للدولة. ولا شك أيضا فى أن أى دولة تواجه تحديات العدوان المستمر على سيادتها ومواردها المحدودة هى بحاجة إلى استنفار كل الموارد لديها بطريقة منظمة وتتفق مع الدستور للوقوف أمام هذا العدوان والحد من آثاره. كما أن الدخول فى مواجهة بين الجيش وبين قطاع من الشعب لديه قناعات قد تخالف بعض سياسات الحكومة القائمة يمثل خطوة نحو منحدر كبير، بدايته مناوشات ونهايته حرب أهلية، تطيح بما هو قائم وترضى العدو، وتوفر له فرصة لمزيد من العدوان.
التشابك بين العناصر الثلاثة على النحو المُشار إليه تلخص الوضع القائم فى لبنان، لحظة تفتح الباب أمام مجهول كبير إن لم يتمسك الجميع بقدر من الرُشد والعقلانية والحوار الجاد، دون أى تهديد بتفعيل السلاح، أو حتى مجرد تلميح بأعمال عنف، فلبنان بوضعه الراهن لا يتحمل مثل تلك العنتريات من أى جهة كانت. لاسيما وأن البيئة الإقليمية مُحملة بمخاطر عدة، قد تنفجر فى لحظة مجنونة هوجاء، فاحتمالات عودة المواجهة العسكرية بين إسرائيل وإيران محتملة قريبا، وقضية السيطرة على الحشد الشعبى فى العراق وفقا لمطالب أمريكية مباشرة، تثير القلق على الحد الأدنى من الاستقرار فى العراق ذاته. وهناك من يلمح إلى قيام مجموعات مسلحة قد تأتى من الحدود السورية وتدخل شمال لبنان، موالية لحكومتها الانتقالية فى دمشق لغرض الانتقام من الموالين لحزب الله اللبناني. وبالرغم من كونه تلميحا مقصودا به إثارة التوتر فى لبنان، فمن الحكمة عدم تجاهل مثل هذه الترهات. قرار الحكومة اللبنانية بحصر السلاح بيد الدولة وانتشار الجيش فى جنوب البلاد، واعتباره المسئول عن أمن لبنان ككل، يُعد أمراَ مسلماَ به من الناحية الدستورية، بيد أن الظروف التى صدر فيها، واعتباره استجابة لخطة أمريكية تحقق لإسرائيل أهدافا معينة لم تحققها بالعدوان المباشر، يجعل الأمر محل جدل سياسى لبنانى وإقليمى متعدد الأبعاد. فحزب الله الرافض للقرار واعتباره كأن لم يكن، ينطلق من قناعة راسخة لديه بأن سلاحه هو وسيلة لردع العدوان الإسرائيلى، وفقدانه يعنى دعوة لحكومة التطرف فى تل أبيب لمزيد من العدوان حسب رؤيته، وكذلك لكون الخطة الأمريكية ذات المراحل الأربع والتى تستمر قرابة العام ونصف العام، لا تتضمن ضمانات حقيقية بشأن التزام إسرائيل بالانسحاب من المواقع التى تحتلها فى جنوب لبنان، ولا تتضمن أى التزامات إسرائيلية، وتخلو من ضمانات أمريكية جادة بشأن توقف إسرائيل عن عملياتها العدوانية العسكرية التى لم تتوقف منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار مطلع العام الحالى.
تفسيرات عديدة لقرار حزب الله وحركة أمل معا، فمن ناحية؛ فإن تسليم السلاح يُفقد الحزب هيبته فى الحياة السياسية اللبنانية، ويضع المكون الشيعى اللبنانى، وفقا للحزب وحركة أمل، تحت ضغط سياسى ومجتمعى يميل لناحية الولايات المتحدة وحلفائها، ومن ثم ينعكس سلبيا على التوازن الطائفى اللبنانى، ومن ثم يؤثر على وحدة الدولة ذاتها.
الاحتجاجات الشعبية التى انطلقت فى الضاحية الجنوبية لبيروت وفى جنوب لبنان رفضا لقرار الحكومة، ذات دلالة، فهناك ظهير مجتمعى ما زال يؤيد مواقف الحزب، ومن الصعب تجاهله، لكن من الضرورى أن يكون الحوار معه حوارا عقلانيا دون تهديد بالعنف، ليس فقط من قبل الرئيس اللبنانى ورئيس الحكومة، بل من كل القوى السياسية والأحزاب اللبنانية التى تؤيد قرار تسليم سلاح الحزب للدولة والجيش اللبنانى، والتى ترى أن سلاح الحزب لم يمنع إسرائيل أصلا من العدوان على لبنان، وأن استمرار بقائه سلاحا حزبيا يوفر ذريعة للعدوان الإسرائيلى ما يضر لبنان ككل، ويحول دون بسط الاستقرار والسيادة على لبنان ككل، ومن ثم فلابد أن يكون هناك مسار آخر، يضع المسئولية على كاهل الجيش الوطنى، وفقا للمناوئين لحزب الله وحركة أمل.
الحجج التى ينطلق منها كل طرف تمزج بين العديد من العناصر المتضاربة، وفك الاشتباك بينها يوجب التأنى فى عملية تطبيق خطة تسليم السلاح دون التخلى عن المبدأ ذاته، باعتباره مبدأَ دستورياَ غير قابل للنقض. الالتزام الكامل بنص الخطة الامريكية وجدولها الزمنى فيه الكثير مما يحتاج إلى تعديلات جذرية محسوبة بدقة يتوجب الاتفاق عليها من قبل القوى السياسية اللبنانية، فعلى سبيل المثال لا تبدو مهلة نهاية العام الحالى، أى الأشهر الأربعة المقبلة، مهلة كافية لإتمام تسليم سلاح الحزب للجيش اللبنانى، والتى تقترح الخطة أن تتم فى غضون شهرين فقط، مصحوبة بخطة لانتشار الجيش فى الجنوب اللبنانى، خاصة أن تعهد واشنطن بتوقف العمليات العدوانية الإسرائيلية فى هذه الفترة لا يمكن الاستناد إليه كحقيقة، فالخبرات السابقة تؤكد أن تعهدات واشنطن ليست مقدسة، ولا تحترمها إسرائيل، ولا تدافع عنها واشنطن أصلا بالرغم من كونها الراعى شكلا. العامل المهم أن على قيادة كل من حزب الله وحركة أمل السيطرة على انفعالات مؤيديها، فهناك مؤسسات سياسية يجب أن يتم تحت سقفها الحوار الوطنى الشامل المطلوب، وصولا إلى مخرج وطنى يحمى البلاد والعباد، يلتزم به الجميع دون تخوين أو بحث عن مبررات للهروب وعدم الانصياع لما يتم التوصل إليه. صحيح هنا أن حزب الله ومناصريه يرون قرار تسليم السلاح هو ضد اتفاقات سابقة ومخالفا لوثيقة تشكيل الحكومة برئاسة نواف، لكن الصحيح أيضا أن هناك وضعا سياسيا وأمنيا دقيقا للغاية داخل لبنان وفى محيطه الإقليمى، ويجب التفاعل معه بحذر شديد. وإلا فلبنان لن ينطلق من موقعه الراهن إلى ما نحب ان يكون عليه من استقرار وسيادة وأمن لكل مواطنيه.
لمزيد من مقالات د. حسن أبوطالب رابط دائم: